جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » مراجعات


كتاب " الخطاب الروائي " لـ ميخائيل باختين درس في إجراءات التعامل الأدبي مع النص الروائي


كتاب " الخطاب الروائي " للكاتب الروسي " ميخائيل باختين " صادر عن " دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع " بالقاهرة ، في مائة وتسعين صفحة من القطع المتوسط ، وهو من ترجمة " محمد برادة " ، وهو في مجمله ترجمة للجزء الذي يحمل عنوان " عن الخطاب الروائي " والمنشور ضمن الترجمة الفرنسية لكتاب ميخائيل باختين " استتيقا الرواية ونظريتها " الذي ترجمته عن الروسية " داريا أوليفني " وأصدرته دار " جاليمار " الفرنسية . استغرق المؤلف كتابه في ست فصول منوعة ، تناول من خلالها قضايا دقيقة في التحليل الروائي والأدبي ، تلك الفصول حملت عناوين هي " الأسلوبية المعاصرة والرواية ـ الخطاب الشعري والخطاب الروائي ـ التعدد اللغوي في الرواية ـ المتكلم في الرواية ـ خطَّان أسلوبيان للرواية الأوروبية  ـ تحليل رواية " بعث " لتولستوي " .  جدير بالذكر أن " ميخائيل باختين " فيلسوف ولغوي ومنظر أدبي روسي ، ولد في مدينة أريول ودرس فقه اللغة ، وهو مؤسس " حلقة باختين " النقدية عام 1921 ، وصدرت مقالته الأولى " الفن والمسئولية " عام 1919 ، ثم صدر كتابه الأول " مشكلات في شعرية دستوفسكي "  في مدينة ليننغراد " بطرسبرغ " عام 1929 ، وهو الكتاب الذي أعيد طباعته عام 1973 وكان سبباً في ذيوع شهرته ، له أيضاً كتاب " إبداع فرانسوا رابليه .. "  ، ومما عرف عن باختين اعتقاله ونفيه عام 1929 إلى سيبيرية بسبب ارتباطه بالمسيحية الأرثوذوكسية وذلك لمدة ست سنوات ، وكانت كتاباته في قضايا " الأدب " و " السياق " من أهم الكتابات العميقة التي لاقت ترحيباً بالغاً في أوساط المثقفين والأدباء في العالم.
إشكالية الرواية
جاءت مقدمة المترجم تحت عنوان " موقع باختين في مجال نظرية الرواية " ، وناقش خلالها إشكالية نظرية الرواية فيما قبل " هيجل " و " لوكاش " وهو ما قصد به محاولة الحركة الرومانسية الأولى بألمانيا ، تلك التي طرحت مسألة نظرية الرواية ضمن تصورها العام المتطلع إلى " المطلق الأدبي " الذي يتخطى الأجناس التعبيرية ليقترب من " كلية عضوية " قادرة على أن تلد نفسها وتلد عالماً غير مجزئ ، وكيف أن تلك المحاولة الأولى كانت محدودة و " تابعة " لفكرة المطلق الأدبي بحيث لا يقبل أنصارها الرواية إلا بوصفها " جنساً " للحرية الذاتية وللتعبير عن النزوات في أشكال زخرفية ، ثم ينتقل المترجم إلى مرحلة تالية تدوولت فيها إشكالية الرواية عند " هيجل " الذي دشَّن ـ بحسب تعبير المترجم ـ في كتابه " الإستتيقا " تنظيراً للرواية يربط شكلها ومضمونها بالتحولات البنيوية التي عرفها المجتمع الأوروبي خلال صعود البرجوازية وقيام الدولة الحديثة في القرن التاسع عشر ، ويثمن المترجم ملاحظات هيجل في هذا الصدد على اعتبار أنها تكتسي أهمية خاصة بالنظر إلى زحزحته للإشكالية الإستتقية عما كانت مطروحة عليه عند " كانط " ، وبالنظر كذلك إلى اعتماده في تحليلاته على التاريخ وعلى منطق جدلي أتاح له تجلية الإواليات الكامنة وراء تبدل كثير من العلائق المجتمعية ، وكذلك نقد مظاهر الاستلاب المرافقة لسيرورة قيام " العالم الحديث " ، وكيف أن " جورج لوكاش " طور ملاحظات هيجل في ضوء تصور الرواية من منظوره للملحمة والتراجيديا والدراما ، بوصفها أشكالاً كبرى تتوفر على فلسفة تاريخية ، وتستجيب لبنيات اجتماعية وفكرية تشرطها وتحدد فعاليتها ومداها .
باختين ونظرية الرواية
وتحت هذا العنوان ، قرر المترجم أن ميخائيل باختين انطلق في نظريته الروائية بطرح مسألة شعرية الخطاب الروائي بطريقة مغايرة لمفهوم الخطاب الشعري السائد لدى الشكلانيين الروس والأسلوبيين المتأثرين بألسنية " دوسوسير " ؛ فبالنسبة لـ باختين لا يمكن فصل الألسنية والأسلوبية عن جذور ومبادئ فلسفية تسندهما وتوجه دفتهما ، ومن ثم فهو يلح على " أسلوبية الجنس الأدبي " حتى لا يكون هناك فصل بين اللغة وبين الجنس التعبيري الذي هو " جزء من الذاكرة الجماعية " يطبع كل أسلوب بنبرته الاجتماعية ، وهذا الربط بين الأسلوب والجنس الأدبي ـ بحسب ما يراه باختين ويذكره المترجم ـ هو الذي يتيح متابعة مصائر الخطاب الأدبي التاريخية الكبرى ، ويحول دون الغرق في التفاصيل المتصلة بالخصائص الفردية ، فالرواية في نظر باختين هي التنوع الاجتماعي للغات ، وأحيانا للغات والأصوات الفردية ، تنوعاً منظماً أدبياً ، ومن ثم فالخلفية التي يصدر عنها باختين خلفية مزدوجة ، أولاً عبر لسانية تداولية ( لا ترفض الألسنية ) ترتكز على تصور فلسفي غيري يتبنى معطيات التحليل التاريخي للمجتمع ، وثانياً نقدية  سيميائية تسائل النص الروائي من منظور تشريح العلائق الداخلية والخارجية ، وفي أفق تحليل سوسيولوجي لأشكال التعبير الأيديولوجي .
اللغة والرواية
واستكمالاً لما بدأه المترجم عن نظرية باختين الروائية ، ذكر أن باختين أكد على ثلاث طرائق لتشييد صورة اللغة في الرواية هي ؛ الحوار الخالص الصريح ، التهجين ، تعالق اللغات والملفوظات من خلال الحوار الداخلي ، وأنه قصد بالتهجين مزج لغتين اجتماعيتين داخل ملفوظ واحد ، والتقاء وعيين لغويين مفصولين داخل ساحة ذلك الملفوظ ، ومن ثم لزم أن يكون التهجين قصدياً ، أما تعالق اللغات فمعناه دخول لغة الرواية في علائق مع لغات أخرى من خلال إضاءة متبادلة بدون أن يؤول الأمر إلى توحيد للغتين داخل ملفوظ واحد ، وتطرق المترجم إلى ذكر صيغ هذا التعالق ، تلك التي تمثلت في " الأسلبة " وهي قيام وعي لساني معاصر بأسلبة مادة لغوية " أجنبية " عنه يتحدث من خلالها عن موضوعه ، و " التنويع " الذي يعني قيام المؤسلِب بإدخال مادته " الأجنبية " على المادة الأولية للغة موضوع الأسلبة متوخياً من وراء ذلك أن يختبر اللغة المؤسلَبَة بإدراجها ضمن مواقف جديدة مستحيلة بالنسبة لها ، وأخيراً " الباروديا " وتعني نوعاً من الأسلبة يقوم على عدم توافق نوايا اللغة المشخِصة مع مقاصد اللغة المشخَّصة فتقاوم اللغة الأولى الثانية وتلجأ إلى فضحها وتحطيمها ، شريطة ألا يكون تحطيم لغة الآخرين بسيطاً وسطحياً .
الخطاب الروائي
وفي إطار حديثه عن " الأسلوبية المعاصرة " أوضح باختين أن جميع مقولات الأسلوبية التقليدية ، غير قابلة للتطبيق على الخطاب الروائي ، ذلك أن هذا الخطاب أبان عن أنه الحجر الأساسي في كل تفكير حول الأسلوبية ؛ لأنه أظهر ضيق الأسلوبية وعدم ملاءمتها لكل مجالات اللفظ الأدبي الحي ، ومن ثم يرى باختين أن جميع محاولات التحليل الأسلوبي الملموس للنثر الروائي إما أنها تاهت وسط الأوصاف اللسانية للغة الروائي ، وإما أنها اكتفت بإبراز عناصر أسلوبية معزولة قادرة على الاندراج ( أو فقط تظهر مندرجة ) ضمن المقولات التقليدية للأسلوبية ، وأنه في كلتا الحالتين تندّ الوحدة الأساسية للرواية وخطابها عن الباحثين ، ولذلك لابد ـ طبقاً لـ باختين  ـ من الاقتناع بأن الرواية ظاهرة متعددة الأسلوب واللسان والصوت ، يعثر فيها المحلل على بعض الوحدات الأسلوبية اللامتجانسة التي توجد أحياناً على مستويات لسانية مختلفة وخاضعة لقواعد لسانية متعددة .
الخطاب الشعري
وعندما تطرق باختين إلى الخطاب الشعري في الفصل الثاني من الكتاب ـ والذي يحمل عنوان " الخطاب الشعري والخطاب الروائي ـ أكد أن النية المباشرة  والتلقائية للخطاب داخل مناخ الرواية ، تبدو ساذجة بكيفية غير مقبولة وتكون إجمالاً ، مستحيلة ، ذلك لأن السذاجة نفسها لا تستطيع ، عندما يتعلق الأمر برواية حقيقية ، أن تفلت من طابع جدالي داخلي فتصبح هي ذاتها في صيغة حوار ، وضرب باختين مثلاً لذلك بما يوجد عند " السنتمانتاليين " وعند " شاتو بريان " و " تولستوي " ، ومؤكداً إمكانية أن تجد صيغة حوارية مكانها في مجموع الأجناس الشعرية بما في ذلك الشعر ، لكنه يقرر أن مثل تلك الصيغة داخل الجنس الروائي ، وفيه وحده ، تستطيع أن تتطور وأن تصبح معقدة وعميقة ، وفي الوقت نفسه تدرك اكتمالها الأدبي ، وأنه في التشخيص الشعري بمعناه الصارم ( داخل الصورة ـ الاستعارة ) يجري كل فعل ( دينامية الكلمة ـ الصورة ) ما بين الكلمة والموضوع في جميع مظاهرهما ، لذلك فإن الكلمة لا تفترض شيئاً خارج حدود سياقها ، بل تنسى تاريخ المفهوم اللفظي المتناقض لموضوعها ، كما تنسى حاضر ذلك المفهوم الذي هو أيضاً متعدد اللسان ، وينتهي باختين إلى أن الناثر الروائي يسلك طريقاً مختلفة عن تلك التي يسلكها الشاعر ، بحيث يستقبل داخل عمله الأدبي التعددية اللسانية والصوتية للغة الأدبية وغير الأدبية بدون أن يضعف عمله جراء ذلك .
المتكلم في الرواية
وعند باختين ، فإن الموضوع الرئيسي الذي " يخصص " جنس الرواية ، ويخلق أصالته الأسلوبية هو " الإنسان الذي يتكلم ، وكلامه " ، وأن فعل الشخصية وسلوكها في الرواية لازمان ، سواء لكشف وضعها الأيديولوجي وكلامها ، أو لاختبارهما ، وهنا يقرر باختين اشتمال الرواية على عدد كبير من المنظورات ، وأن من عادة البطل فيها أن يفعل انطلاقاً من منظوره الخاص ، وأنه لذا لا يشتمل المحكي الملحمي على رجال يتكلمون باعتبارهم مشخصين للغات مختلفة ، فالذي يتكلم هنا هو في العموم الكاتب ، وهو وحده الذي يتكلم ، وليس هناك سوى خطاب واحد ووحيد هو خطابه ، على أن المتكلم في الرواية من وجهة نظر باختين هو دائماً وبدرجات مختلفة " منتِج إيديولوجيا " وكلماته هي دائماً " عينة إيديولوجية " وليس خطاب المتكلم في الرواية مجرد خطاب منقول أو معاد إنتاجه ، بل هو بالذات مشخَّص بطريقة فنية ، وهو ـ بخلاف الدراما ـ مشخَّص بواسطة خطاب الكاتب نفسه .
بعث
وفي ختام كتابه ، قدم " باختين " تحليله الأدبي الخاص لرواية " بعث " لتولستوي ؛ حيث أوضح أن مشروع هذه الرواية الأخيرة لتولستوي ، بزغ إلى الوجود في الوقت الذي كان تولستوي يكافح بكل قواه من أجل إعادة توجيه اجتماعي للخلق الفني ، ومن ثم فإنها ببنيتها تتميز جذرياً عن رواياته السابقة ، ويجب أن تصنف على حده بالنسبة لجنسها الروائي ؛ فإذا كانت " الحرب والسلام " يمكن أن تحدد بوصفها رواية تاريخية وعائلية ، وإذا كانت " آنا كارنينا " تنتمي إلى الجنس النفسي والعائلي ، فإن " بعث " يجب أن تحدد بمثابة رواية " اجتماعية ـ إيديولوجية " ، فهي بخصائصها النوعية يمكن أن تصنف ضمن نفس خانة " ما العمل ؟ " لـ " تشير نشيفسكي " ، ومن ثم فإن هذا النوع من الرواية يرتكز على أطروحة إيديولوجية متصلة بالتنظيم الاجتماعي مثلما هو مرغوب فيه ، وكما يجب أن يكون ، ورواية " بعث " في النهاية ـ كما يقرر باختين ـ تتكون انطلاقاً من ثلاثة عناصر هي : النقد المنهجي لجميع العلائق الاجتماعية القائمة ، وتشخيص الحالة التي تكونها الحياة السابقة للبطل أي البعث الأخلاقي لـ " نيكليودوف " و " كاتيا ماسلوفا " ، وأخيراً التطورات العامة لوجهات نظر الكاتب الاجتماعية والأخلاقية والدينية .  



المشاركة السابقة : المشاركة التالية