جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » اعمدة


رعد زامل لسانه مثقوب بالدهشة !


يظل الجنوب مسكونا بالاوجاع ،ربما هو  قدره الازلي -  الحرائق – العذابات – الفجيعة – الحروب  - النشوء  - الخروج من الشرنقات – الانشغالات بتفسيرات ماهية هذا الكون والوجود – الطوفان الذي بدأ من هنا – المدن المطمورة تحت الغرين – المياه التي جفت وتحولت الى اخاديد التي تشبه الجروح العميقة – الغرق في اليابسة – السراب التي استبدلته الارض بالانهار – المقابر الجماعية – الاستغاثات في الحفر التي ضمت الارواح وهي تصرخ قبل ان ينهال عليها التراب – الامهات اللائي تيبست حدقاتهن من الانتظار – الأم التي  ماتت  ويدها مرفوعة نحو قبة السماء كعلامة ؟ ، السلالات والمسلات واليشن المسحورة، الانتحار الجماعي للنخيل وهو يلوي اعناقه حتى ندرك حجم الانكسارات .
كل هذه الدلالات في  مجموعة الشاعر رعد  زامل ( انقذوا اسماكنا من الغرق ) الذي يعلن فيها للملأ ان (ارض  المياه ) جفت باهوارها وانهارها ولم يتبق سوى الجفاف / تحت المياه  / وفوق المياه / ومن اجل المياه / ومع ذلك  هناك مايدعو / الى انتظار كودو / او مبعوثه الشخصي / على اقل تقدير / لإنقاذ اسماكنا من الغرق، القصيدة مهداة الى الشاعر حسب الشيخ جعفر وهو ابن الاهوار وربما اراد الشاعر رعد زامل ان يخبره ان مرتع الطفولة جف و(نخلة الله ) ماتت ظمأ ًوغدت عراجينها  مشابكا ً للريح.
ماكان بوسعه /ان يصافح المدينة / او ان / يقف على اطلالها / هذا الشاعر /الذي شوهت اقدامه الحرب /قد  لاذ بالفرار / ومن خلفه / دم ٌ اخضر / يلطـِّخ الشوارع  /احيانا تنتحر الاشجار / عندما يعشش / العصفور على منصة الاعدام/ من قصيدة مدن يشيخ  فيها الامل صفحة 47،وجه  القصيدة ومعناها واضح تماما وليس فيها رمزية ،إلاَّ ان هناك انكسارات لزجاج الصورة حتى يجعلها لوحة تمنحك التأمل عندما تنتحر الاشجار وهي ايحاءات لاعتبارات في نفس الشاعر يراها تتصدع من خلال تداعيات تحدث في المدينة التي اصابها الجفاف وتلك آلام الشاعر الذي لايعلنها إلاَّ على البياض .
لاأحمل رائحة  للفتنة / قميصي مطرز ٌ بالعنب / هكذا من المدينة / خائفا اتربص خرجت / وعلى بعد / دمعتين من الاهوار / في قريتي التي ولدت / انهالت على رأسي  الفؤوس /فقط لأنني / اردت ان احرر الشجرة / من قبضة الجفاف / صفحة 46قصيدة ثعالب وعيون / لايستيقظ  رعد زامل يوميا إلاَّ على خراب فيتلو اوجاعه يوما بعد يوم مما يرى وتلك هي المهمة الاولى للمبدع الذي لايشاهد الاشياء كالاخرين، لذلك فهو حزين ومحبط  ومتوار ٍ خلف الكلمات .
يبسط يديه للعابرين لعلهم يشاهدون مايحس به / على الضفاف / احدق في الانقاض / بعيون ٍ آفلة / وألوّح  للأشرعة /  بلسان ٍ مثقوب / من  الدهشة ! ص 52.
يتتبع رعد زامل المفردات الحياتية ويتلصص عليها دون ان يشعرها بوجوده اذا اراد ذلك او يكلمها مباشرة ويعلن عن ماجاء به من افكار وانزياحات حتى لايستغفر احدا ولايستعطف احدا ولايرغب ان تتوجه اليه اصابع الاتهام لذلك هو يرمي شباكهه في الهواء الطلق دونما مواربة ويأخذ الحكمة من اضعف الحيوانات ليعمد بها ايماناته التي تآكلت شيئا فشيئا ً / احببت ُ ضفدعة هناك / وقد كان / يسحرها نقيق حنجرتي / لكنني كلما / دعوتها الى الافق /قالت :- هيهات / ذلك هيهات / فلقد تزوجتك الحرب / وعقدت  قرآنها عليك! .
ان الشاعر رعد  زامل يعتمد القصيدة النثرية التي ترسم لوحات على جدار  الافق بلا تكلف وبلا تزويقات لغوية عابرة بل هو يمنح القصيدة النثرية فسحة التنقل على ضفاف اللوحة ولا يحشرها في متاهات عابرة غير مفهومة ،انه ينتقي ولايتقي حجم الخسارات التي باتت في كل مكان واضحة للعيان ولكنه يقول مايريد وهذه مهمة الابداع للكشف عن مواطن الخلل والجمال .



المشاركة السابقة : المشاركة التالية