جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » مراجعات


فينومينولوجية العنوان .. الوليمة العارية أنموذجاً


إذا كان العنوان ظاهرة، فيجب التفريق بينه كظاهرة، وبين فعل الإدراك الذاتي للقارئ لهذه الظاهرة، فأنا أقرأ العنوان أمامي، كظاهرة خارجية غير ذاتية، ووجود العنوان كظاهرة، هو شيء مستقل عن وجود إدراكي لهذه الظاهرة،
فالقارئ يمتلك شفرات إدراكية تساعده في مناقشة عملية تطور الوظائف التي تجري في ذهن قارئ النص، بحسب النسق الثقافي الذي يتأطر بداخله المتلقي، فقارئ النص لديه خيارات أوسع لاختيار الوظيفة التي سيلحقها بالفعل، وعملية تطور الوظائف(Function Development) تعتمد بالدرجة الأولى على أولوية استخدام شفرات خاصة في تكوين صورة أولية تتشكل كخزين استراتيجي للخيال، فأنا أمتلك شفرات خاصة تساعدني في إدراك هذه الظاهرة(الوليمة العارية)وهذه الشفرات تقوم بتفعيل عملية تطور الوظائف، وهذا التفعيل لن يتم بدون قصد مباشر إلى الظاهرة المُراد إدراكها. فهذا العنوان الذي اختاره الروائي(الوليمة العارية)واخترته موضوعاً، لا بد وأنَّهُ يملك ماهية خاصة تتمايز بصفات محدَّدة – أو سوف أحاول تحديدها- عن غيره من العناوين، حتى وإنْ كانت متشابهة، كما في عنوان الروائي الأمريكي وليم بوروز، وهذه الصفات هي الشفرات الخاصة التي سوف تساعدني على إدراك ظاهرة أخرى، وبفقدان هذه الصفات سيفقد العنوان وجوده في ذهني: العنوان من كلمتين معرَّفتين، فالوليمة إذن معروفة، وليست مجرَّد وليمة عارية، وبالتأكيد ليس العنوان كلمتين فقط، فاسم الروائي علي بدر، من ضمن العنوان، والتعليقات التي جاءت في الغلاف الأخير للرواية هي أيضاً تدخل تحت مظلة العنوان، وإنْ كانت صفة الدخول ثانوية، غير رئيسة، ففي الغلاف الأول لوحة تشكيلية رائعة دون إشارة إلى مبدعها، وجهٌ إنسانيٌّ عارٍ، في رأسهِ لونين: أبيض وأحمر، كدال على الازدواجية، والأفكار المتشائمة والمتفائلة، ووجهه نصفان أخضر للخير وأصفر للشر والتكبر والغرور، بينهما على الأنف خط أبيض رفيع، كدال على نسبة الإنسانية الضئيلة المتبقِّيَة للإنسان المعاصر في عصر العولمة، وفي الغلاف الأخير، كتبَ ثلاثة نقَّاد وناقدة، فقد كتبَ الدكتور جابر عصفور(علي بدر روائي بالغ التميُّز، سواء في قدرته على فتح آفاق جديدة للرواية، وإلحاحهِ على فهم الرواية بوصفها بحثاً موضوعياً عن حقيقة ما، أو شخصية أو ظاهرة دالة، ولقد لفتت رواياته الانتباه، سواء بتقنيتها أم بموضوعها/ جريدة الأهرام المصرية). هذا كلام يتصِّف بالعمومية، ولا يوجد ما يمنع من رفع اسم علي بدر، واستبداله بأيِّ اسمٍ آخر، كما إنَّ وصف عصفور(وإلحاحهِ على فهم الرواية بوصفها بحثاً موضوعياً) يطرد النص خارج النظرية الأدبية، الموضوعية ضدَّ الخيال وضد الشعرية، والموضوعية صفة للعلوم الاجتماعية والثقافية والسلوكية والعقلية والنفسية، والموضوعية هي غياب لكل عوامل التحيِّز، وبحسب جيبسون الموضوعية هي (كل ما ينتج عن التأثير المناوئ للاستخدام السليم للشواهد والبيِّنات المتاحة للباحث/ د.صلاح قنصوه- الموضوعية في العلوم الإنسانية- دار التنوير- 2007- بيروت- ص65). نلاحظ أنَّ جيبسون نَسَبَ الموضوعية للباحث، وليس للروائي ولا للشاعر. كما واستخدم عصفور كلمة سواء مرتين، وهذه الكلمة تستلحق بحرف أو التخييري، وهو ما فعله بسواء الثانية ونسيه في الأولى. ولو استعنت بجعبة السيد كوكل، لوجدت أنَّ جميع الروائيين والساسة العرب، قد وصفتهم الجرائد والمقالات بفتح "آفاق جديدة" وبحسب فينومينولوجية هوسرل لا يمكن تجريد أيَّـة ظاهرة في الكون، عن فتح آفاق جديدة، وهذا الفتح يسمونه بالهرمينوطيقا، ولكن هوسرل لم يكن محور اهتمامه التأويلات القائمة حول الظواهر، بل الظواهر ذاتها.
رواية صدرت عن دار الجمل، تحت عنوان(الوليمة العارية- ط1- 2004)وفي العام 2009 صدرت عن دار المدى(الوليمة العارية- ط1- 2009) الطبعة الأولى أيضاً.
والعُرْيُ: نقيض اللبس. عَرِيََ عُرْياً، وعُرْيَة وتَعَرَّى، وأعراهُ وعَرَّاه، والعنوان يشير إلى محاولة تعرية وليمةٍ عُرْيانَة، والوليمة: طعام الأفراح والمناسبات، تناقض الوضيمة: طعام مجالس العزاء، والعارية تناقض الكاسية، والوليمة العارية: الوضيمة الكاسية. ممَّ هي عارية؟ وبم هي كاسية؟ وأينَ مناسبة الوليمة؟ وأينَ سبب الوضيمة؟ ورُبَّ عاريةٍ لا يشينها العريُ، وكاسيةٍ حاليةٍ لا يزينها الحليُّ والحلل، والعارية هي الباردة، والباردة هي التي بردت بعد أن كانت ساخنة، ولاستحالة إلحاق صفة العري بالوليمة، ننتقل إلى المجاز، فنقول وليمةٌ لقومٍ عُرْيانِين، والوليمة طعام الذئاب، يقول الشاعر قاسم حداد في قصيدة بعنوان "الوليمة" (ذئاب وتقتتل/ من يأكل الشاة/ والشاة فريسة الأساطير لحم التمائم ترجف/ اقتتال ومن يأكل الشاة/ استغاثت تحركت/ ثم كادت/ فدار الذئاب إليها وأنشبت/ ذئاب وشاة/ فلا تحلموا بالفرار) فالشاة في رواية بدر هي بغداد، التي استبيحت بعد هولاكو أكثر من عشرين مرة، ولا زالت مستباحة، استباحها تيمورلنك مرتين، فلم يبق طفلاً ولا شيخاً إلا قتله، ولا شجراً ولا داراً إلا أحرقها. والوليمة العارية هي الوليمة المجردَّة، التي يجري فيها تجريد ظاهرة، وتمحيصها، وهناك رواية للروائي الأمريكي ويليام بوروز بعنوان الوليمة العارية/ 1959،( William Burroughs Naked Lunch) قام فيها بتجريد ظاهرة المجتمع الغربي المدمن على المخدرات، والرواية أدرجتها مجلة التايم ضمن أفضل مائة رواية في العالم بين الأعوام 1923- 2005. عن عالم مدمني المخدرات وهلوساتهم، وكشف فساد أخلاق المجتمع الغربي، وقيمه الزائفة، حتى عُرِفَ بلقب "الروائي المنبوذ"، هذا اللقب الذي تمناه لنفسه ماريا فارغاس يوسا. ورواية علي بدر تتناول الصراع الحضاري الدائر بين المعمَّمين(شيخ أمين) والأفندية(منيب أفندي)، والأخير لا يكفُّ عن السخرية، والروائي بدر لا يكفُّ عن مقارنته بالشيخ أمين(نصف وجوههم شوارب، يقول منيب أفندي الذي حَلَقَ شواربه مثل خواجة/ علي بدر- الوليمة العارية- دار المدى- 2009- دمشق- ص25). و(كان كلُّ منهما يتساءل أينَ خلاصنا: منيب أفندي يصرخ: العلم..، الشيخ أمين يصرخ: الإسلام.. الأُمَّة/ ص15)(منيب أفندي يقرأ موضوعاً منشوراً في صحيفة "حرية أفكار" للشاعر عبدالحق حامت ويردَّد بصوت مسموع مع نفسه "لا حياة لنا إلا مع أوربا/ص8)كان الشيخ أمين(يحلم بالإسلام الذي يقلق وحدة المتوسط، يحلم بهدير البحر وقد اجتاحته أساطيل المؤمنين/ص12). وتتكرر صورة منيب أفندي (يقرأ في صحيفة "حرية أفكار" مقالة عبدالحق حامت ويتكلم بصوت مسموع مع نفسه "لا حياة لنا إلا مع أوربا/ص11)وبعد قليل (قال في نفسه: لماذا لا تصبح بغداد أو دمشق مثل لوندرة أو باريز/ ص13) (انقسمت الأمة بين العمامة والبرنيطة، بين العباءة الدينية والبذلة الفرنجية/ ص16) وفي ص45 صار الصراع بين المعممين والأفندية، (منيب أفندي يسخر من طوب أبو خزامة ومن كراماته، والشيخ أمين يقول هو الذي حَمى بغداد طوال هذه السنين/ص27) وهو عين الصراع في كل عصر: المحدَّثين والقدماء، وهي الثيمة التي طرحها باموك(هل مقياس مهارة النقّاش هو رسمه كل شيء حسب مثالية الأساتذة القدماء أم إنَّه إدخال ما لم يرهُ أحدٌ في الرسم؟ وكان محتاطاً رغم معرفته جواب هذا السؤال.. قال النقاش الذكي "لا تحكي الأسطورة والنقش حكايات تشابه الناس، بل حكايات عدم تشابههم، الأستاذ النقاش يصبح أستاذاً بنقشهِ الأساطير غير المتشابهة، وتقديمها لنا كأنَّها متشابهة/ أورهان باموك- اسمي أحمر- ترجمة عبدالقادر عبداللي- المدى- ط2- 2004- دمشق- ص184). (وللمرة الأولى شاهدَ محمود بك الزهاوي وهو يدافع عن أفكارهِ بعنف، فالعنف مظهر من مظاهر النقاش، عند كلِّ واحدٍ منهم، عند الأفندية وعند المعمَّمين على حدِّ سواء/ الوليمة العارية- ص45. هل هذا المقطع هو إخبار أم تجسيد؟
وبالفعل كان الزهاوي عنيفاً بذيئاً في طرح أفكارهِ، حيث يقول(اسفري فالسفور فيه صلاحٌ/ للفريقين ثم نفع عميم/ زعموا إن في السفور انثلاما/ كذبوا فالسفور طهر سليم)وقال أيضا(مزقي يا ابنة العراق الحجابا/ أسفري فالحياة تبغي انقلابا/ مزقيه واحرقيه بلا ريث/ فقد كان حارسا كذابا). عنوان رواية ويليام بوروز " الوليمة العارية" لم يكن من اختياره بل من اختيار صديق له، ولم يعرف وليام معنى عنوان روايته حتى بعد نشرها بسنوات، ولم يتطرَّق إلى شرح العنوان في نصِّهِ الروائي، وحين أخذ يفكِّر في العنوان قال:" إنَّ الوليمة العارية هي التي يجلس حولها كثيرون، وكل طرف يفكر على نحو آخر" وهو بالطبع يشير إلى وليمة عالم المخدرات التي تختلف عن الولائم الأخرى، في نوعية أصحاب الوليمة، وهلوساتهم، يحيرني الروائي الذي يمضي قُدُمَاً يشرح لقارئه عنوان روايته (وكانت القرائن على الأرض تحدِّد ذاكرة محمود بك وهي تدور مثل الدروب الصغيرة بحلقات ولوالب لا تنتهي، وسوف تشهد حتى النهاية ما شهده محمود بك، فإنْ صنع منه الإنكليز وليمةً عارية يوم دخولهم إلى بغداد، فقد كان هو أيضاً شاهداً على وليمة عارية/ علي بدر- الوليمة العارية- دار المدى- 2009- دمشق- ص19. ووقعت بعض الأخطاء الإملائية والنحوية من مثل(وبدو قادمون من مصر/ ص7)والفعل بَدَا: بدْوَا، أيْ ظَهَرَ: ظهروا، لا يجوز أن يبقى بدون ألف مهملة في نهايته لتمييزه عن اسم البدو، وهم نقيض الحَضَر، وبدا القوم، وبدوا قادمين، إذا أتوا، وقوله تعالى(وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ) الزمر: 47، وبدا لهم: ظَهرَ لهم، وقال كعب بن مالك الأنصاري شعراً في يوم أُحد(وَقَالَ رَسُولُ اللّهِ لَمّا بَدَوْا لَنَا/ ذَرُوا عَنْكُمْ هَوْلَ الْمَنِيّاتِ وَاطْمَعُوا)، ولا يجوز أنْ يقول قادمون، لأنَّها في محل نصب مفعول به، والفاعل ضمير مستتر تقديره هُمْ، وكما قال الشاعر (لقد هزلت حتى بَدَا مِنْ هُزَالِهَا/ كُلاها وحتى سامها كل مفلس) وجاء بغنمه حُمْر الكُلَى: أي مهازيل، وإذا بَدَتْ كُلاها، فقد يَبِسَتْ من الجوع



: المشاركة التالية