جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » جماليات


اقــرأ ..شوربة العدس بين جيشين..


نص : خضير فليح الزيدي
الأموات أحبتي من حروب الأمس والغد.. موتكم يسري في دمي.. مثلما يمشي النسغ في النبتة الحيّة.. ترى هل تسمعون النشيد ام لازلتم تطقّطقون الأصابع والعظام  سادرين في جمودكم الأبدي ؟
- 1 -
بمّ تُنبتُ أرضكم أيها الجنود؟؟ أمن بقل وقثاء وفوم وعدس وبصل كما سمعنا وصلّينا وتعبّدنا؟ ام من أحلام ضببّها النسيان وغببها الفقدان وعفّنتها رائحة التصاوير.. الرسوم تصاوير مصلوبة على الجدران، بما إنها لا تقوى على نش الذباب.. فهي تماثيل للشحوب واليباب.. آه أيتها الصور الشاحبة قد أكلتكٍ فاقة النسيان سواء في بحر النجف ام على جدران الغرف البائسة والسراديب الرطبة التي تنزّ برائحة العظام المنخورة والكافور..قال: منذ سنوات والتصاوير مشنوقة على حبل الغسيل تجفف النسيان بالغيوم، تلكم آية الحروب التي مرّت بنا.. عوجتُ رأسي  باتجاه الأفق، انخلع إطار الصورة عن زجاجها وبانت ورقة الرسم الباهتة، كاذبة هي الابتسامة المحنّطة لي.. فقلت مما أتذكر قوله:
-لفرط ما تناولَت من شوربة عدسكم الخاكية.. فحبيباتها منثورة على أديم وجهي الخاكي.. ها أليس من فطور آخر لنا نحن المزروعين في السواتر الأمامية سوى طبيخ عدسها؟ أين الذي وعدتمونا به بعد انقضاء السنة الأولى من الحرب؟ اين الموز؟ صار عدسا.. أين الماكنتوش؟ صار عدسا..أين لحم الغنم؟ صار كنغرا مكفنا زنخا..أين سكائر سومر سن طويل؟ صارت مزبّن ولف وبغداد.. اين بغداد خارج السكائر؟ سأل احد الأموات من الجند المحنطين، ولا من مجيب..اين النيدو والحليب السائل بالنارنج والبرتقال؟ صار عدسا.. اين جبن الكرافت الأصلي؟ عدسا.. اين بذلات النايلون وبساطيل الجلد الرومانية؟ عدسا.. اين المواضع الكونكريتية؟ أعدسا؟؟ اين سيارات السوبر والبرازيلي والكرونا والماليبو وأنواط الشجاعة والسيوف والشارات القرمزية.. أعدسا.. عدسا.. عدسا ؟؟؟ هل اكتفيتم بطبيخ العدس وبسْ؟ هل كبيركم يحب العدس ام ماذا؟ هل انتم ونحن عدسيون بالفطرة والنشأة؟ الم تنظرون الى (أنا العدس) كيف انتفختْ وأصبحت حيا سكنيا احمرا، بل أحياءً تكنى أحياء العدس البرتقالية..
-أما أنتَ يا صاحب الأرزاق وموزّع طبيخها على السرايا مع عريف الإعاشة الأعور، نعم أدركُ تماما انه سلاح سز ليس إلا، قد قُلعتْ عينه اليسرى أثناء وجراء هجوم البسيتين أو ام الرصاص / نهر جاسم/ لسان عجيردة/ البيضة /السودة /الحويزة/ تيه المحمرة/ الشوش وديزفول / عبادان /الخفاجية / المملحة / راس البيشة / كردمند / حاج عمران / تلول الله واكبر/ الفكة بفرعيها / زرباطية / سيف سعد / قصر شيرين / مهران أو أو أو أو أو أو أو أو أو .......... (إلا الحرب فهي ملاذكم للعليين أيها المقاتلون الأشاوس البسلاء، ملاذكم من موت الشوارع أو البيوت أو موت المخدات أو موت فصائل الإعدام..  فأذهبوا  الى الأمام ولا تتراجعوا عنها، زرافات ومجاميع فهي نزهة المشتاق ..) من خطبة السيد آمر اللواء قبل بدء الصولة.
قال احد السكارى من الجند الملتحقين من غاية الإجازة: بارك الله ليس فينا مثلما قالوا،  بالبطون التي أنجبتنا، مثلما دسوا سمّ صراخهم العالي في عيوننا.. طز بالحرب، قلت..  فصاح بي احد الجنود الحمر:
-لا تكفر..... ألم يقل العم إنها مقدّسة؟
-كل شي مقدّس هنا.. ألا من قدّسية للحمنا المُباح ولدمنا الناز؟ متى نصبح مقدّسين ؟  ياالله كن حكما بيننا ..
-عندما تموت.. ستضعْ أمك صورتك على التابوت، وترقص بجنون، أما رمز الدولة (العلم ُالمقدّس) الذي سيطرز جثتك......
- انه أفيون كما الأفكار الأولى معدٌّ لخدر الجماهير..
- لا تكفر بالعلم انه المقدس الأعظم.. لا تكفر مطلقا.. بالوطن والحدود وشرف العسكرية والقيادة والسيد الآمر وضابط الإعاشة وشوربة العدس..
-طز.. لا بل طزين.. أنا بعدني سكران.. لا على السكران من حساب.. سكران وطني فقط..
قلت لهم:
-إياك أخاطب يا عريف الإعاشة واسمع سائق الايفا: دثّرها بمعطفك واعد إغلاق غطاء القزان كي لا تنط الفئران والجرذان السود والمسامير الصدئة وسط حسائها ثم تشفطه البطون العميَ، يكفي ما حمل الحساء من أتربة ناعمة وامتزج حد التجانس بين حبيبات الرمل الناعم ودخان البارود.. لتلول الله اكبر في شرق  عمارتها عدس مهروس على نار مجنونة، فمذاقه إسمنتي ورائحته بما ترك حصان العربة من روث في الشوارع وفساء الحمير..
-( إيه انه العمر الذي مضى.. كم عمرا نعيش لنحارب؟ وكم حربا نخوضها لنثلمَ فكرة الحرب؟ فضيلة الحرب الوحيدة إنها تجعل من في لجّتها يعرف أسرار الموت والحياة معا.. فكم من ميتة قد رقص صاحبها بين يدي..من التلوي الى الزبد الأبيض الى عصرة الموت الأخيرة.. بأم عيني شاهدت عزرائيل يثني ركبته ويسرفن ردنيه ليخنق الأحبة من الجند الذين حلموا بقدسية ما كما يذبح القصاب الشاة بحرفية عالية.. كان يعرف جغرافية ومناخ دول الجوار ولا يعرف ما يدور في بيتهم.. لا يعرف ماذا حلّ بزوجته وهي تتلوى من حرقة ووحشة الفرش البارد إبان معركة البسيتين في تشرينها البارد.. فضيلتها إن الناجين من مخالبها يُعدّون من الجبناء وهم شجعان الهروب المقدس؟ فضيلة الحرب اليوم والأوار لا زال مستعرا إن ذاكرتها تنط بين اللحظة والأخرى بجنون ما مضى وجنون ما يحدث اليوم وجنون ما ينتظرنا... ) .
أشكو من حموضة شوربة العدس.. يا سيدي آمر التوجيه السياسي.. قال: ما بها ياقشمر هنا مصنع الرجال وعلامته المسجلة شوربة العدس.. الذي لم يذقها وكأنه لم ينل شرف المشاركة وتلك إحدى الوصايا البيض.. لم تمضٍ بعد من حجرة المعدة الى طرق التصريف الأخرى كل ما في الأمر إنها بطيئة المرور ليس إلا.. إن شوربة العدس هي غذاء الشجعان وهي مقدسة.. ماذا تريد أكثر من شوربة العدس، أتمن ومرق مثلا؟ هذا في الخلفيات والوحدات الثابتة للبطرانيين.. مرقة هواء ام لوبيا ام بصل ام قرنابيط ام شلغم؟ للجبناء والسلاح سز والقواويد..اذكروا الله لا يقلبها بنا ولد البساطيل..
- أنا لا أحب مصنعكم هذا يا سيدي.. إلا يوجد مصنع للنساء؟أود أن أكون من النساء لأتخلص من الغاية والالتحاق..أقصهن وأتخلص الى الأبد.. كنت أود قول ذلك فلكزني آخر قائلا:
(استر علينا.. السيد الآمر مزاجه غير رائق، قد توحّش، وصعد جالي الشبق لديه ووضع يديه على خصيتيه.. تحول الى قضيب هائج يطوّح به بين المواضع.. فابعدوا الجنود عنه.. لقد وضعه على متنه أو تحت إبطه..  صار له شهرا هنا في القفار دون تفريغ.. استقدم جنديه الخاص بالقوادة العسكرية الخالصة، وقد دسّ له مواصفات أنثى تزن الثمانين، لا يهم العمر..طعشية ام عشرينية ام ثلاثينية.. على أن يكون نصف الوزن في المؤخرة، يفضّلها صاحبة كشرة في مقدمة أسنانها العليا، وصوتها رجولي، وتدخن السجائر، وتجيد الرقص وطق الأصابع وشرب الخمر وفنون الجنس من الفرنسي الى وضعية الكرسي.. جلب جم- ميم/ قواد عسكري مهذّب واحدة مدنية بوزن لا تقل عن الثمانين نصفه في المؤخرة ولكنها دون كشرة فرسم لها ذلك.. لكن سيطرة استخبارات الفرقة أعادتها الى خيمتها على تخوم المدينة بحجة الحفاظ على سرية الحرب والحيطة والحذر والإنذار جيم الذي دخلت عليه قواطع العمليات. يقال انه أستخدم يده أو دس وطنيته في جيب المراسل أحيانا.. أو مطيرجي الآمر /كببجي الآمر/ أو صاحب نكات الآمر ومهرجه، أحيانا المهم إن واحدا من الملتحقين في بطانته قد فضّ عذرية جيبه/  جلبوا له غلاما مستجدا من احد الأفواج، فأعطاه نموذجا مختوما عشرة أيام مع مساعدة بعد فض الاشتباك.. لكن سيدنا الآمر لازال خطرا على مؤخرات الجنود البكر.. في التجمع الصباحي يقول الى الوراء درْ.. يتفحص المؤخرات الكبيرة ويحتفظ بواحدة ويسجلها في ذاكرته أو ذاكرة رئيس عرفاء الوحدة..الله اعلم ليس لنا حاجة بذكر أسرار الجيش والدولة العظمى) .
إيه كم إيه ....... إيه أيتها الأوهام الصغيرة ألا تغدين أحلاما كبيرة لينفضّ الأمر برمته؟ أما سيارة الأرزاق: فهي عربة ايفا شقراء مشطبة باللون الزيتوني تشبه سمكة مشوية أكلتها القطط.. خرجت من ارض الخلفيات مع الضياء الأول ووصلت السواتر الأولى عند الضياء الأخير ساعة مغيب كابية/ شفقية.. الايفا تلهث لا تقوى أن تزّمر فالقناصة تسمع زمرتها وتقنص سائقها أو تثقب قزان شوربة العدس، تتبدد حبيبات العدس في الظلام.. فطور الجند في الساعة السادسة مساء حسب أبجديات الحرب أليس من سريالية أخرى غير تلك؟؟ نعم ، ابشرْ.. فهاك الباقي على شكل دفعات..
هناك يا جنود السرايا.. اخرجوا من مواضعكم/ حفركم.. شوربة عدسكم الموعودة خلف التلة المقابلة.. احذروا قناص الشوربة.. إيه .. يا سيد التراب يوزعونها على السرايا بمجرفة شقوق النار أتسمعني يا سلفادور دالي وأنت يا بريتون؟ فطورنا في العشية والعشاء بعد يومين عند ظهيرة قائضة..أية قدسية تتقاسمها الحرب وشوربة العدس؟ قال: وصلت سيارة الأرزاق فاخزنوا طبيخ عدس اليوم الى الغد.. فالعدس الأحمر ينفع في اليوم الأسود.. حذاري أيها الجنود لا توقظوا الموتى للفطور دعوهم يحلمون في حور العين وانهار اللبن والعسل والخمر.. أنهم يداعبون منكرا ونكيرا في الشقوق وبين الحفر وعند حقول الألغام، فقط نشوا الذباب عن أفواههم المتهدلة.. أما المصابين فاذهبوا بهم الى سيارة الأرزاق لإخلائهم، علّهم يصلون سالمين عند طلوع الفجر الجديد..
- 2 -
قال احد (دعاة الحق من الجيش المنحل) : لعن الله بول برايمر من يوم مقدمه حتى وفاته.. الم يعلم إن شوربة العدس نعمة فضيلة على المتحاربين؟ هي خير له من لفّة همبرغر تافهة.. خير من حساء شارلي شابلن عندما يشتد الحصار في فيلم الأزمنة الحديثة.
فيما آخر من الجيش الجديد إذ قال: اللهم ابعد عنه شرور اللواصق والمتفجرات السائرات المتنزهات بين كرختها ورصافتها..كواتم ولواصق ومزروعات للطريق العام وطائرات كالذباب القوانص .. اللهم أحفظ بول برايمر من الهامة الى القدم، ليكمل كتابه الجديد عن سيرة حياته من المهد الى اللحد.. فهو سفيرنا كلنا من بغداد الى بغداد.. قال احد القادة المخضرمين بحرقة: أعيدوا للجندي شوربة عدسه وابعدوا عنه القشطة والاجبان سيصحو.. والله سيفك عينه ويصحو..
فيما قال احد العرب الاقحاح من الذين يدين بشدة متناهية ويحتج بقوة ويتظاهر بسهولة: أن بول برايمر قد تزوج من عراقية تدعى سليمة وأصبحت (بول سلْيمة)، وعندما يحشر الله برايمر مع زوجه في النار فان ابن القارح بطل رسالة الغفران سيبصق عليه ويطالب علنا بإزاحته من النار الى الجنة بعيدا عن الشعراء المحشورين سلفا في قاع الجحيم فهم غاوون من اللب للقشر..
أما بريمر ذاته فقد سنّ سنّة سيئة عندما اصدر القرار صفر في إلغاء شوربة العدس من وجبة فطور الجيش الجديد بوصفها من مخلفات الجيش المنحل، لكن القصد الأكيد من قصدية الإلغاء هو أعمق مما ذهب اليه محللو الجزيرة والعربية، فقد كان القصد من قرار الإلغاء هو زرع روح اللامبالاة والكسل والتخبط في فراسة الوجوه الكالحة في روح الجندية الجديدة.. برايمر حجب عن جمهوره في سنته القدرية مما توجّب أن يقوله، كذلك حجب كاتبه الآخر في الكتاب الثاني (ما لم يقله برايمر) عن عمد وضغينة مبطّنة وسياسة قديمة في كبح أسرار مهمة عن شوربة العدس..  عض ثوبه وهرب قبل يومين ..
- 3 -
عودة أخرى الى جنون المقدس لشوربة العدس:
قال ضابط التوجيه السياسي:
(العدس حبيبات الله مهداة للجند الصابرين في وعاء كبير) .. تُسلق حبيبات العدس على نار مهتاجة، ثم يأخذ الحساء الخالص ويوزع على الربايا وفصائل الكمائن المنتشرة على تلول الله المترامية وخنادقه الشقية في شرقك التليد أيتها العمارة من الخلفيات الى الفكة الى جبال قوقي الى نهر دويريج ومن ثم تنحرف الايفا الى الطيب  ثم الشيب ومن ثم الى تلول الله واكبر، ثم تعود تمشي الهوينا تجر حديدها المتهالك على مهل وقزان الشوربة خاليا إلا من المس، فيما راح السائق يغني مع سعدي الحلي مطرب الجيش الأوحد(حبيبي أمك متقبل)، في قصع مخسّفة مملوكة الى مقرات الإعاشة ومسجلة كذمة الى مقرات الفصائل ومسجلة في سجل السرايا وفي إعاشة الأفواج والألوية والفرق والفيالق.. يتحلق حول الواحدة عشرة أو ثمانية من جند خلعوا خوذهم وبساطيلهم وجواربهم الخائسة التي تُصيب المستنشق بالنكاف.. يلتهمون شوربة العدس بملاعق صنعوها من علب جبن الكرافت الزرقاء وطوس هي خوذهم أو ما شابه.. تبدأ دورة الجالي من المعدة الى المريء في الاهتياج الأول، وفي الاهتياج الثاني من المعدة الى الغليظ وفي الثالث إسهال يجعلهم يهيمون بين الشقوق والمواضع المتروكة والمقصوفة التي غدت مراحيض رحبة مزروعة بألغام وذباب طنّان ازرق كبير وخنافس جعليّة.. قال احد العرفاء: شوربة العدس نار الحرب المستعرة في المعدة، ثم قال عريف متملق: لكنها بقوليات خالصة تساعد على التركيز وقوة الإبصار في فرز العدو من الصديق.. ثم أسعفه نائب ضابط متحزّب: سهلة الخزن في مخازن إعاشة الجيش في الفيالق والفرق والألوية.. سهلة الطبخ / اقتصادية في نار السلق وكان جيش الاسكندر هو الذي اقرها مع التحية العسكرية باليد المثنية على الوجه وكذلك حلاقة اللحية.. كل جندي لم يذقها فهو لا يعرف بعد حب الأرض..
أما في الحصار فقد اشترك المواطن المحاصر بذات القدر والكمية في طعام العائلة المحاصرة، شحّت أينما اشحاح.. تغيّر لونها ثم غابت ثم ارتفع سعرها حسب قاعدة الإخفاء والظهور في فترة الحصار التسعينية.. ومن صفاتها الخاصة جدا إنها تعمل على ترشيق الجندي وتمنع تكرشه، في مطعم الضباط وفي المقرات الثابتة.. قال احد قادة الجيش المنحل إن شوربة العدس للجند فقط.. أما المخلمة  والجلفراي فهي للضباط، أما المراتب الأخرى الحرجة ويقصد بهم طبعا نواب الضباط.. الذين مُنعوا من دخول بهو الضباط حتى لو ارتدوا البوتين الأحمر من جلد الغزال فهم جميعا في نار جهنم لأنهم منافقون وفق ما قاله احد قادة الحرس الجمهوري المنحل أيضا بقرار بول برايمر ذائع الصيت.. كانوا النواب يأتون مثل بنات آوى بعد أن شبع القادة المنحلون من الاومليت والجلفراي والمخلمة يجبرون الجنود من الطباخين لعمل وجبات سريعة وهم واقفون بذات المقادير لهم والامتناع عن تناول شوربة العدس.. متحججون فالركض في التدريب سيجعل شوربة العدس تختض في بطونهم وتتحول الى عصير سائل دون طعم أو فائدة في بطونهم المقرقرة سوى الغازات الحميدة الخارجة على شكل دفقات..
لقد روى لي احد نواب الضباط المنحلين والذي كان مستمرا على استلام منحة الطوارئ التي تتلكأ في مواعيدها، عن أشجان شوربة العدس.. وكان الأخير يعمل في مديرية الإعاشة العسكرية قال:
أثناء اشتداد الحرب والحصار على البلد المبتلى بالحر والستوتات والبرازيلي والمجادية الملثمين والملثمات إن كمية الغرامات المسجلة في ( البودرة) من العدس التي تعطى للمراتب قد مرّت بمراحل اختزال إجبارية.. فقد كانت الكمية المسجلة (200) غرام زائد وعندما تم إخراج الجيش من المحمرة سباحة أو على البراميل الطافية في شط العرب تلاحقهم لعنة القناصة وهم ينتقيون بإرادة أو بمزاج كل ما نالته أطلاقتهم كأنهم يصطادون الزرازير على نبقة الطفولة أو في نزهة برية.. وأصبحت الكمية ( 125) غراماً ناقصاً تعطى فقط للمسجل في أوامر القسم الثاني والذي ادخل القوة والقدر فعليا.. والقدر هنا بكسر القاف لتمييزها عن القاف المفتوحة القدرية في صفحة شط العرب أو الحصار التسعيني.. ثم توالت مراحل الهبوط لحبيبات العدس حتى غدت (10) غرام فقط بضمنها حبيبات حب أكراد أو حصى ناعم قد استقرت في الكلاوي أو المرارات.. كذلك في عام 1995 قبل الدخول الإجباري لمذكرة النفط مقابل الغذاء أصدرت القيادة العامة للقوات المسلحة تعميما على كافة الفيالق والتشكيلات على مجموعة أوامر أهم ما جاء فيها تعميم يخص فطور الوحدات الموّحد بشوربة عدس لكافة المرتب وبمقدار محسوب بنفس القيمة الغذائية التي فسرتها القيادة وفق نظام الترشيق البدني لكافة الأفراد..
الجيش الجديد لا يعرف لشوربة العدس طريقا.. جنده وضباطه يأكلون القشطة الإيرانية والجبن الدنماركي واللبنة التركية.. حتى أفران شيّ الصمون قد أصبحت بيوتا للحواسم دافئة في الشتاء وباردة في الصيف من قدرة الله، فهي عتيقة ومباركة.. هذا الجيش يعمل بالتقانة الجديدة التي أصابت العالم.. لا يعرف الحك ولا خريطة الرمل ولا عصا التبختر أو شقوق الله لحماية الرؤوس من الطيران.. جيش يأكل الدجاج لا يوجد في قاموس تدريبه إزعاج ليلي أو تدريبات عنيفة أو مسيرة تحمليّة أو فرضية عسكرية.. الجيش السابق يأكل الأفاعي وينهش الكلاب ويمزق القطط وينام في المياه الآسنة.. فيما الجيش الحالي يضرب على الحواسيب ويأكل في فطوره القشطة ويمقت العدس.. أليس كذلك سيدي؟ 



المشاركة السابقة : المشاركة التالية