جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » زمان ومكان


مذكرات سجين سياسي


اخترت هذا العنوان لأتناول مجموعة من مذكرات لسجناء سياسيين كانوا شهودا على حقبات فاشية مرت على العراق ومصر،الأولى هي تجربة الروائي صنع الله إبراهيم وكتابه (يوميات الواحات)،وهو عبارة عن يوميات سجن الواحات الشهير في مصر يوم شن عبد الناصر حملته الشرسة على اليسار المصري ومثقفيه ، حيث شملت هذه الحملة الكثير من أبناء اليسار وفي مقدمتهم الشهيد شهدي عطية الشافعي الذي استغرب وقتها عبد الناصر يوم كان مدعواً من قبل تيتو وتم الوقوف دقيقة حداد على روح شهدي عطية الشافعي، وأنكر وقتها إعدام هذا المناضل البطل ، ويسرد الروائي صنع الله إبراهيم حوادث مثيرة عن أعمال التعذيب
البشعة في سجون مصر،أبو زعبل والطرة وسجن الواحات،وعن تعذيب الكثير من مثقفي مصر البارزين ومنهم لويس عوض ومحمود أمين العالم وميشيل كامل وعبد العظيم أنيس وغيرهم،ويتداخل هذا الكتاب مع كتاب آخر بعنوان (طوارق الظلام)وهو من تأليف توفيق جاني الناشي وابتسام نعيم الرومي،وهو سرد يومي ليوميات عاشتها بطلة الرواية في سجن قصر النهاية المرعب وتابعت فيها أحداث الانقلاب الدموي في 8شباط عام  1963وتوالي الاعترافات في قصر النهاية وتصفية قيادات اليسار مع عوائلهم حتى خروج بطلة الرواية إلى ساحة الحياة الواسعة ، وكم كنا نتمنى نحن أبناء اليسار لو أن روائياً كبيراً بقامة غابريل غارسيا ماركيز يكتب عن تلك الأحداث الجنونية التي تصل لحد اللامعقول حيث تقطع الأجساد ويرمى بها للكلاب،أو في أحواض التيزاب ويقص البشر بمناشير الحديد بعد أن يوضع في تابوت وتقطع أصابعه وتقلع أظافره ويقص أنفه وتقلع عيونه كما فعلوا بالشهيد سلام عادل ورفاقه بعد أن سلمهم هادي هاشم الاعظمي وأعترف على البيوت الحزبية وتم التنكيل بالرفاق الإبطال الذين قاوموا لحد الموت دون أن يتنازلوا أو يدلوا باعترفاتهم ،فأي سفلة هم كلاب الحرس القومي الذين استخدموا كل أساليب الموت والرعب ضد رفاقنا الإبطال،وبين الجلاد والضحية ثمة مسافة لابد للأدب العظيم أن يقف بينها ليدلي بشهادته أمام التأريخ،وكم تمنينا نحن قراء اليسار وكل المثقفين في البصرة لو أن قاصاً مبدعاً وكبيراً مثل فؤاد التكرلي أو محمد خضير يكتب عن تلك المرحلة المرة من تاريخ العراق بعمل روائي كما كتب نجيب محفوظ عن تاريخ مصر في رواياته المتنوعة،وبلغة تقترب من لغة الواقعية السحرية التي تستوعب تلك الأحداث التي تقترب من لغة الفانتازيا،وكذلك يثقب رأس السجين بالدريل الكهربائي أمام السجناء لكي يحطموا معنوياتهم وينهاروا أمام التعذيب ويتخلوا عن عقائدهم ،وهذا ما كان يمارسه المجرم ناظم كزار بحق السجناء السياسيين بعد أنقلاب 8شباط الدموي في العراق،وكان يعاون هذا المجرم وحسب شهادة فاضل العزاوي في كتابه الروح الحية وهو شهادته عن جيل الستينات الشعري في العراق الشاعر حميد سعيد فيا للبؤس لكذا شاعر جلاد،وأي روح شاعرية للتعذيب حين يكون مساعد لمجرم محترف،ويطول السرد في رواية السجينة العراقية حيث ابتدأت من أول يوم 8شباط يوم الجمعة وتوالي الإحداث ومقتل قادة ثورة 14 تموز والتنكيل بهم ويوم عرضت صور عبد الكريم قاسم والمهداوي وطه الشيخ أحمد وسكرتير عبد الكريم قاسم في التلفزيون بعد تنفيذ حكم الإعدام بهم بعد محاكمة صورية،وتوالت حملات الاعتقالات بعد اعتراف هادي هاشم الاعظمي على رفاقه بعد انتهاء المقاومة الشعبية حين قاوم الشيوعيون ببسالة سلطات الانقلاب الفاشست،وبعد خيانة هادي هاشم الاعظمي واعتراف مجموعة من أعضاء اللجنة المركزية اعترافات كاملة حيث أعترف (شريف الشيخ،وعبد القادر أسماعيل،عصام القاضي،وحمدي أيوب وعدنان جليمران)،والذين ظهروا في تلفزيون بغداد وأدلوا باعترافاتهم الى حد الإساءة لأسرهم،وأدلى الاعظمي بمعلومات على أثرها تم تسليم ثلاث وعشرين داراً حزبية هي وعائلتها إلى كلاب الحرس القومي وتم تصفية أغلب قيادي الحزب الشيوعي،أو قتلهم في شوارع بغداد بعد صدور بيان رقم 13 سيء الصيت والذي أذاعته آنذاك هناء العمري والذي حرض على قتل الشيوعيين وتصفيتهم ، وتم القاء القبض على الشهيد سلام عادل في الدار الحزبية التي كان يختبأ بها والذي جسد بصموده البطولي أسمى آيات البطولة والتي قل نظيرها في التاريخ واستشهد معه في قصر النهاية وببسالة( محمد حسين أبو العيس ومحمد صالح العبلي وجورج تلو وعبد الرحيم شريف وحمزة سلمان ونافع يونس)،وتروي البطلة الدقائق الأخيرة في حياة الشهيد سلام عادل بعدما قلعوا أظافره وقطعوا أصابعه وأرجله وقلعوا عيونه وهو يردد الأناشيد الثورية،وهي شبيه بالساعات الأخيرة في حياة شهدي عطية الشافعي في سجن الواحات،وقف الشيوعيون مع عبد الكريم قاسم بالرغم من مواقفه التي تغيرت معهم وخصوصا بعد خطابه في كنيسة مار يوسف في بغداد وبعد توقيع الشيوعيين على بيان السلم في كردستان ومعارضتهم للحرب فيها، وكان عبد الوهاب طاهر وشمران الياسري من ضمن السجناء في ذلك الوقت وغيرهم،وبالرغم من كل هذا وقف الحزب الشيوعي بوجه الانقلابون الفاشست ودفع الثمن غالي دفاعا عن الجمهورية وعن حكمها الوطني ومنجزاتها،وهذه الرواية وماتسرده بطلتها إلا قليل من تلك الماسي والتراجيديات الكبيرة التي مارسها أفراد الحرس القومي بحق أبناء شعبنا البطل حيث تروي البطلة ما تعرضت له في قصر النهاية وما تعرضت له الكثيرات(أكرام وأم ماجدة،وروز)،وغيرهن الكثيرات وما فعل بهن كلاب الحرس القومي،وأمام تلك المآسي الكبيرة بكيت مرة لمأساتنا نحن العوائل التي تعرضت للقمع الفاشي في مدننا البائسة،وفي مدينتي الجمهورية تحديدا تعرض اليسار المنظم إلى هجمات شرسة وأعدموا رفاقنا وأصدقاءنا وإخواننا بتهم شتى و اضطهدت عوائلنا،وطول ما أنا أقرأ صفحات السرد الجميلة تأسيت كثيرا للصمت عن تلك المأساة وتمنيت لو ماركيز أو اوسترياس وأدباء أمريكا اللاتينية لو يكتبون عن مأساتنا لعجز كتابنا عن تدوين مأساة قصر النهاية ذلك السجن الرهيب وعن جلادي الحرس القومي (ناظم كزار،منذر الونداوي،عبد الكريم الشيخلي،محسن الشيخ راضي،مدحت إبراهيم جمعة ومنعم عبد القدوس،وبهاء شبيب،وهاشم قدوري وعدنان هايس، وغيرهم)،وفي كل الأزمنة وفي كل الأوقات تجلت الفاشية القذرة بكلاب مسعورة تنهش لحم الضحية لننتزع الاعترافات وبشتى الحجج،فإلى متى نسكت الا نشعر بالخجل،فبعد الانقلاب الدموي وحمامات الدم في قصر النهاية شنت حملة عالمية كبيرة ترأسها برتراند رسل وجان بول سارتر أسهمت بالضغط على الانقلابيين آنذاك وتم أطلاق سراح الكثيرين،ولليوم يعاني الكثير من الأدباء من فوبيا مرضية تمنعهم من الكتابة عن الأيام التي عايشوها،ويوم استدعى الدكتاتور الخرف صدام حسين كتاب القصة والرواية في العراق لم يتخلف واحد منهم وذهب الجميع فمنهم من ذهب مكرها ومنهم من تطوع وذهب برجليه ويديه ليغترف من هباته الكثيرة،حيث قدموا له بعد فترة أعمال بائسة كي يقارنها بأعماله البائسة زبيبة والملك،والقلعة الحصينة ولليوم لم يخجل أحد منهم ويكتب عملاً روائياً ينصف ضحايا الفاشية في العراق وسجونه الرهيبة (نقرة السلمان سجن بغداد،سجن الكوت،أبو غريب الرضوانية وغيرها)،ويوم قدم جان بول سارتر كتاب معذبو الأرض لفرانز فانون عن جرائم فرنسا في الجزائر طالب الأمة الفرنسية بالخجل من أعمالها في الجزائر واستعار كلمة من كارل ماركس كتبها في مقدمته للكتاب هو أن الخجل عاطفة ثورية،وحين كتب سارتر عن الأدب الملتزم أعتبر فلوبير مسئولا عن فشل كومونة باريس لانه لم يكتب حتى حرف واحد يدين به أعمال القمع الوحشية،فالأديب أذن مسؤول عن أحداث عصره وعليه أن يشارك بفاعلية في أحداث عصره وفي مجريات زمنه ولابد من أن يترك موقفاً واضحاً مع الضحية ضد الجلاد،وعاش الشيوعيون في العراق إشكاليات كثيرة مع حكومة عبد الكريم قاسم،كما عاش أبناء اليسار في مصر محنتهم مع نظام عبد الناصر كما كان يروي محمود أمين العالم من أنهم كانوا تحت سياط عبد الناصر ويدافعون عن حكمه،وكذلك يروي صنع إبراهيم في يومياته في سجن الواحات الكثير من هذه الإشكاليات،حيث يروي شهادة نور الدين سليمان وعبد الحميد هريدي عن تعذيب شهدي عطية الشافعي حتى الموت واللحظات الأخيرة قبل استشهاده،كان الشهيد شهدي عطية الشافعي يوصي سلطات السجن من أجل أطلاق سراح السجناء والكوادر المثقفة كي يساهموا في بناء البلد،وقبل استشهاده كان المحقق يسأله
-هل أنت شيوعي
-نعم أنا شيوعي
- أنت تتحداني يأبن الوس .........
-عندما تخاطبني قل يافندم
وفي محاكمة شهدي عطية الشافعي والتي استمرت ثلاثة أشهر كان يوصي سلطات عبد الناصر بإتاحة الفرصة لليسار للمساهمة في بناء مصر وتلك هي إشكاليات اليسار في علاقته مع العسكر في مصر والعراق،ومن مجرمي عبد الناصر من الذين قاموا بتعذيب شهدي عطية الشافعي إسماعيل همت السمين بملامحه التركية،والحلواني مدير سجن الإسكندرية،وسعد عقل رئيس مباحث الإسكندرية،وصلاح طه،ويونس مرعي .
والمذكرات الأخرى هي مذكرات جاسم المطير عن سجن نقرة السلمان والتي يتناول فيها اعتقاله هو وصالح دكلة وعبد الحسين الشهباز وفوجئ بوجود عبد الحسين خليفة في السيارة وأثار التعذيب قد شوهت وجهه،ووقتها أعتقل صالح دكلة مسؤول المنطقة الجنوبية وزوجته وطفلتهما ويذكر جاسم المطير أيام التعذيب المرة في نادي الاتحاد وكانت اللجنة التحقيقية تضم المجرم أحمد العزاوي وصباح المدني وأبو طالب عبد المطلب هاشم الذين أشرفوا على تعذيبهم وكذلك المجرم زهاء حسين،واستمر التعذيب لعشرة أيام،ويروي جاسم المطير أنه كان يجرد من ثيابه تماما ثم يضرب بالعصي والصوندات البلاستيكية والكيبلات بكل أنحاء جسمه حتى يغمى عليه،وكذلك يربط وراء السيارة ويسحل لمسافة وسجنوني في التواليت،ويذكر كذلك أن الطبيب البعثي كامل عباس الدوركي كان يداوم مرة واحدة في الاسبوع في مقرات الحرس القومي،وعندما نقلوا إلى السن الصحراوي نقرة السلمان ،ابتدأت حياة أخرى للسجناء،حيث وصلت لهم الكتب واستقرت حياتهم ،ويذكر أنه بعد المقابلة الأولى وصلت له أربعة كتب ،اثنان لدستوفسكي الإخوة كرامازوف والجريمة والعقاب وتاجر البندقية لشكسبير والكتاب الرابع عن حياة بوشكين،وتتشابه ما كتبه صنع أبراهيم في سجن الواحات وقراءاتهم وكثرة المثقفين وعملية وصول الكتب وكيفية تنظيم المحاضرات والاستعارة لقلة الكتب وكثرة القراء،وحين وصلت أليهم رواية الثلاثية لنجيب محفوظ،حاول بكل الطرق واختلاق الأعذار لكي يقرأها ، وكما يقول جاسم المطير أن القراءة بالنسبة للسجين السياسي هي مرض السجين الأول،ومن المثقفين في سجن نقرة السلمان فاضل ثامر الذي كان يقرأ بالانكليزية ويراسل المجلات الأدبية وهو في نقرة السلمان وينشر له فيها،وجمعة اللامي الذي يقرأ الفلسفة الوجودية في السجن ويتكلم كثيرا عن جان بول سارتر ،ومدرس الرياضيات الشهير في ثانوية العشار مدحت حشمت الذي كان يشرح النظرية النسبية في سجن النقرة وخالد الخشان والفريد سمعان ومحمد الجزائري وعزيز سباهي ومصطفى عبود وهاشم الطعان وعبد القادر العزاوي،ويذكر السجناء الاخرين ومنهم سامي أحمد وعبد الوهاب طاهر وعباس المظفر وسليم أسماعيل وعبد القادر العيداني وطعمة مرداس والعقيد غضبان السعد وهندال جادر وسلطان ملا علي وآلاف من أبناء الشعب العراقي الشرفاء،ولابد من الإشادة والإشارة السريعة لمذكرات صالح دكلة عن حياته وفترة أنقلاب 8شباط وهروبه من المعتقل ومن ثم الى إيران واشتغاله مع المقاومة الفلسطينية وقبلها في اليمن الجنوبي مع الشهيد عبد الفتاح أسماعيل وتدريسه لمادة الاشتراكية العلمية والفلسفة الماركسية في اليمن الجنوبي واستقراره في المنفى حتى وفاته وهي نموذج للمذكرات الجيدة لقيادي شيوعي عاش فترات التنظيم والاعتقالات،وأدب المذكرات بالنسبة للسياسين يعتبر وثيقة مهمة ولابد للآخرين من تدوين مذكراتهم لانها وثائق أدانة ضد الفاشية،وكذلك لابد من مجلة متخصصة لتدوين شهادات السجناء السياسيين وفي مختلف المراحل والمساعدة على نشر كتب لهذا الغرض،وفي الختام تحية لصنع أبراهيم وبطلة رواية طوارق الظلام والى جاسم المطير وصالح دكلة وكل الشرفاء الذين سطروا بالدم ملاحم لا تنسى الى الأبد. 



المشاركة السابقة : المشاركة التالية