جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » زمان ومكان


جهود مدرسة فرانكفورت النقدية


مدرسة فرانكفورت بكل تناقضاتها واشكالياتها المعروفة هي واحدة من المعالم المهمة التي تشكلت في الفكر الأوربي  بارثه العظيم . حيث نشأت في داخل الفكر  الفلسفي  وتطورت نظريتها النقدية التي استندت على الارث الماركسي  وعلى دراسة واستيعاب النظرية النقدية للتراث الفلسفي الأوربي ومحتواه النظري ويستند الرعيل الأول لهذه المدرسة (هوركهايمر وتيودور أدورنو وفالتر بنيامين وهربرت ماركوز وأريك فروم )
 كريم عباس زامل





















على الفكر النقدي للماركسية وكذلك استفادت وحاورت الكانتية والوجودية والبنيوية بكل تياراتها المعاصرة وقد أعادت قراءة الماركسية وفكرها النقدي وقدرتها المنهجية على التحليل بعيدا عن البرجماتية والممارسات الضيقة ، وتعتبر مدرسة فرانكفورت الوريث للتقاليد العظيمة للفلسفة الكلاسيكية الألمانية  ونقدا صارما للثقافة البورجوازية ويعتبر الجيل المؤسس لهذه المدرسة المتميزة بأطروحاتها الجريئة منذ أن
اتخذت من الماركسية وجدية أطروحاتها في نقد البنى البورجوازية والجيل المؤسس من أمثال (ماكس هركهايمر وتيودور أدورنو وفريدريك بولوك وهربرت ماركوز وأريك فروم ولوفيتال وفالتر بنيامين )
بينما واصل الجيل الثاني ( الفريد شمث وكلاوس أوفي ويورجن هابر ماس وأولبرخت فيلمر )
وكلا الجيلين تأثرا بالماركسية حيث أتجه بها ماركوز إلى ناحية الطوبائية بينما أشتغل كل من أدورنو وهابرماس على الجدلية السلبية  بينما تأثر أريك فروم وجاك لاكان بنظرية فرويد في التحليل النفسي.
وكانت بداية المشروع العلمي لمدرسة فرانكفورت مع نشأة معهد البحوث الاجتماعية الذي مارس نشاطه في عام 1923 وشهد صعود اليسار الألماني وانتكاساته وكانت في ألمانيا آنذاك تجارب جديدة تتوازى مع مشروع مدرسة فرانكفورت حيث قام أصحاب المذهب المثالي بتأسيس( معهد النقد ) الذي أسسه فردريك شلنج ويوهان فختة وكذلك تجمع الهيجليين الشباب و(جمعية برلين للفلسفة العلمية )وكان من أعضائها هانز رايشنباخ وكارل همبل وكذلك حركة فينا المركز التنظيمي والأيديولوجي للوضعية المنطقية وكذلك ظهرت الحلقات الراديكالية الماركسية التي ظهرت بعد اخفاق الثورة الألمانية  وأبرز هذه الحلقات ( أسبوع الاعمال الماركسية )التي نظمها فيلكس فايل صيف 1922 بمدينة تيرنج وشارك فيها كارل كورش وجورج لوكاش وريتشارد سورج وبولوك وكارل فيتوفجل وغيرهم ومن ثم تم أنشاء معهد البحوث الاجتماعية بجامعة جوتة في مدينة فرانكفورت حيث ترأسه كيرت جيرلاخ ثم توفي وترأسه بعده المؤرخ كارل جرونبرج عام 1929 وفي كانون الثاني 1931  خلفه هوركهايمر والذي انفتح المعهد في عهده على الفرويدية والظاهراتية ، وبعد استيلاء هتلر على الحكم في ألمانيا أغلق المعهد وصودرت مكتبته ، حيث هاجر أغلب أعضائه إلى أمريكا ليعود بعدها عام 1951 إلى فرانكفورت مرة أخرى  حيث عرف لأول مرة باسم ( مدرسة فرانكفورت )وقد توالت  أطروحات مدرسة فرانكفورت عبر أربعة مراحل مهمة متميزة تمثلت عام 1930 في فترة تولي جرونبرج أدارة معهد الدراسات الاجتماعية حيث اتسمت بطابع ماركسي ثوري وتمثلت الثانية مع هوركهايمر في نقد الماركسية الارثوذكسية وتمثلت الثالثة عند  خروج المعهد إلى المهجر والرابعة تمثلت عند عودة المدرسة إلى موطنها في فرانكفورت حيث تجلى تأثيرها الواضح على حركات الشباب في أوربا والحركات الراديكالية التي أتخذت من الماركسية نظرية تهتدي بها مبتعدة عن الماركسية الارثوذكسية ومنظريها الذين حاولوا أن يجعلوا من تلك النظرية الحيوية مجرد مفاهيم ثبوتية غير قابلة للجدل وإفراغها من البعد الثوري الذي حاول مؤسسوها ومن أكملوا المشوار بعدهم جعل تلك الافكار بديلا لحالات الاستغلال والبؤس والاغتراب والتي تسلب الإنسان إنسانيته وتجعله مجرد آلة في دولاب الرأسمالية الكبير ، وفي نهاية السبعينات وهي المرحلة الاخيرة من المرحلة الرابعة عندما انتهى تأثير مدرسة فرانكفورت حيث مات تيودور أدورنو عام 1969 ومات كذلك هوركهايمر عام 1973 لتنتهي تلك الفترة من فترات نشاط تلك المدرسة وكذلك أنتهى تأثير الماركسية عليها والتي وهبتها الحياة محاولة في مراحلها الاخيرة الابتعاد عن تأثير الماركسية الستالينية والتي أعتبرها الكثيرون هي الماركسية في فترة انجمادها وإفراغها من محتواها الإنساني .
واتخذت مدرسة فرانكفورت من ضمن استراتيجياتها المهمة الهجوم على الميتافيزيقيا والمثالية ، وقد أصدر المعهد صحيفة متخصصة تمثل وجهة نظر معهد الدراسات الاجتماعية ومن ضمن المقالات المتميزة التي نشرت في الصحيفة مقالة لهوركهايمر بعنوان (الماركسية وعلم النفس ) ومقالة لاريك فروم( الماركسية والتحليل النفسي ) دعا فيها أريك فروم إلى علم ماركسي نفسي يمكن المزاوجة فيه بين الماركسية والفرويدية وهذه المقالة هي نواة لكتابه المهم ( الخوف من الحرية ) وقد قام أعضاء تلك المدرسة بدراسات جماعية منها حول دور الطبقة العاملة في أوربا ومنها أيضا دراسات حول الجدل الهيجيلي وكذلك دراسة جماعية حول الشخصية الفردية وكذلك دراسة حول الشخصية الاستبدادية وقد ساهم في تك  الدراسات المشتركة كل من( أريك فروم وأدورنو وهوركهايمر وهربرت ماركوز) ، وكذلك هناك دراسات متميزة عن معاداة السامية قام بها مجموعة من أعضاء مدرسة فرانكفورت وكانت هذه الدراسات تحت عنوان (دراسات في التحيز )، وبعد عودة مدرسة فرانكفورت إلى موطنها الأصلي وتوضح معالمها كمدرسة متميزة وأزدياد تخصصها الفلسفي واهتمامها بالنظرية النقدية وتبدى تأثير أدورنو وهوركهايمر بشكل واضح وخلال الخمسينات والستينات أصبح المنهج الفلسفي واضحاً في دراسات أعضاء تلك المدرسة المتميزة بدراسة أعضائها ومن بين الكتب المهمة التي ظهر تأثير الفلسفة واضحاً على منهجها كتاب ( العقل والثورة ) لهربرت ماركوز وكذلك كتاب ( المذهب الامبيريقي المنطقي ) الذي حاول فيه نقد طروحات الوضعية المنطقية ومقالاتها في دور العلم والمنهج الشامل ، وكذلك كتاب
( العلم الموحد )وهو من ضمن مشروع حلقة فينا والذي شاركت في تأليفه مجموعة من أعضاء تلك الحلقة المهمة ، وقامت المدرسة بدراسات مهمة عن علاقة النظرية النقدية والنظرية التقليدية وكذلك عن الدور الاجتماعي للعلم ، وقد ظهرت فلسفات للعلم تجلى فيها الوعي الزائف وخصوصا لدى مفكري مدرسة فاربورج واتجاهها الكانطي الجديد ، وكذلك التناقض بين الفعل العملي والنظري وبين المعرفة والغاية، وفي مناقشة دور البروليتاريا في العصر الحديث وهذا هو جوهر الخلاف بين جورج لوكاش الذي ميز بين الوعي الطبقي والامبيريقي للبروليتاريا الذي يكون زائفا وبين الوعي الطبقي الصحيح في كتابه ( التاريخ والوعي الطبقي ) وكان هذا خلاف بين لوكاش وهوركهايمر عن دور البروليتاريا الاجتماعي وعلاقة الفكر بالطبقة ودور الحزب البروليتاري في عملية التغيير الطبقي وانهاء حالات البؤس والاغتراب ، وكان جميع مفكري مدرسة فرانكفورت بعيدين عن الحياة السياسية باستثناء هربرت ماركوز الذي ناصر الحركات الطلابية في نهاية الستينيات وأعتبرها بارقة أمل في الحياة الثورية وهي أي تلك الحركات الثورية الطلابية بديل للحركات العمالية التي أنتهى دورها الثوري وخصوصا عند الكثيرين من المفكرين الذين اعتبروا الطبقة العاملة جزءاً من الطبقة البورجوازية بعد اطلاق مقولة (تبرجز الطبقة العاملة) وعلى الرغم من أن الحركات الطلابية قد اعتبرت مدرسة فرانكفورت ودراساتها المتميزة من مصادر التأثير المهمة لتلك الحركات الا أن معظم أعضائها كان مبتعدا عن الحياة السياسية وخصوصا أدورنو وهوركهايمر الذين أبتعدوا عن الحركات الطلابية في نهاية الستينيات وكأنهما كانا ينظران من أبراجهما العاجية ويحلقان فوق النزاعات والمشاكل الاجتماعية غير مباليين بها ، وفي كتاب( الإنسان ذو البعد الواحد) يحاول ماركيوز أن يوضح دور الطبقات في المجتمع وكيف أن البورجوازية والبروليتاريا وصراع الطبقات بينهما والذي درسه ماركس في كتابه الرأسمال لم تعد قسمات هامة في بنية المجتمعات الرأسمالية ذات النزعات الاستهلاكية ، وحاول الكثير من مفكري مدرسة فرانكفورت دراسة ملامح المجتمعات الغربية وكأنها دخلت في طور الرأسمالية المتأخر وقد قارن الكثير من الباحثين بين دراسات مدرسة فرانكفورت ودراسات ماكس فيبر وأوجه التشابه بينهما تتجلى في نقطتين رئيستين ، النقطة الأولى تتجلى في احلال مفهوم المجتمع الصناعي بدل المجتمع الرأسمالي والنقطة الثانية من التشابه تتجلى في النزعة التشاؤمية الكئيبة من تفسيراتهما للمجتمع الرأسمالي فالكثير كان يصف فيبر بأنه ليبرالي يائس ، في حين يوصف مفكرو فرانكفورت بأنهم ( راديكاليون يائسون ) باعتبارهم حاولوا أن يعكسوا صورة جديدة للمجتمع الصناعي وكان خير تحليل لحالة النفور الاجتماعي من العقلنة والتقنيات المغلقة هو كتاب ( الانسان ذو البعد الواحد ) لهربرت ماركوز والذي حاول أن يدرس فيه حالة العقلانية العلمية التقنية في المجتمعات الصناعية وانتهاء دور الوعي الطبقي وصراع الطبقات في تلك المجتمعات وكأن هناك قوة لا شخصانية تتحكم بالمجتمع ذو النزعات الجديدة ، وتركزت كذلك دراسات مفكري مدرسة فرانكفورت حول(مصير الفرد في المجتمع الراهن )وكذلك قيمة الفردية في المجتمع الرأسمالي وكذلك النظرة اليائسة لموقف الفرد في المجتمع الحديث وكذلك حاول هربرت ماركوز في كتابه ( الحب والحضارة ) والذي حاول فيه دراسة المفهوم الفلسفي للفرويدية وكيف أن الطبيعة البشرية تجاهد للوصول إلى هدف السعادة عن طريق التحرر الجنسي والإشباع ورفض مفهوم الكبت وأهميته من أجل خلق حضارة أي اخضاع مبدأ اللذة إلى مبدأ الواقع والذي درسه فرويد دراسة وافية في كتابه ( ما فوق مبدأ اللذة ) .
وفي نهاية الستينيات وبعد وفاة كل من هوركهايمر وأدورنو وانتهاء الحركات الطلابية اقتربت تلك المدرسة من نهاياتها وبقيت أفكارها الرئيسة واضحة في الدراسات النقدية المهمة وواصل الكثير من المفكرين ممن تأثروا بأفكار مدرسة فرانكفورت وبجهود فردية دراسات فلسفية وفكرية متميزة ويقف على رأس هؤلاء المفكرين ( يورغن هابرماس ) بالإضافة إلى ( البرخت فيلمر والفريد سمث وكلاوس أوفي) وكذلك واصل بعض المفكرين ممن تأثروا بأفكار أدورنو دراساتهم من وحي ذلك التأثير ومنهم هنريش غروسمان وخصوصا في دراسته عن التراكم والتفكك الرأسمالي الذي نشر دراسته عام 1929 في المجلد الأول من مطبوعات المعهد .
وكذلك دراسات فرانز نيومان الاقتصادية ، وفريدريك بولوك ودراساته عن التخطيط السوفيتي والتسيير الذاتي ، ويعتبر هابرماس أخر المفكرين الذين ساروا على نهج المدرسة وممن تأثروا  بالفكر النقدي لها ، وللتراث النقدي للمدرسة معالم واضحة في الفكر الفلسفي الحديث بكل اتجاهاته . 



المشاركة السابقة : المشاركة التالية