جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » مراجعات


التداوي بالجنون أو شيء من هذا القبيل


ميسلون فاخر*
«غوغ.. مسامرات خضير ميري» كتاب جمَّعه وأعدّه وقدم له الكاتب والمسرحي محمود عواد، وصدر عن دار درابين الكتب في 400 صفحة من القطع المتوسط، وقد صمّم غلافه الفنان التشكيلي كريم سعدون. كتابٌ واضحٌ من مفتتحه ،هو تحريض اكثر مما هو إرشادات لفنون خضير ميري المتنوعة .
للوهلة الأولى ونحن نتصفح الكتاب يقتحم أبصارنا الغلاف معبَّأً برؤى المختلف لتفاجئنا صورة المسخ الذي تناهبت ضحكته المرآوية صورة خضير ميري، وحملته مثل لعبة ، إلا أنه ورغم ذلك كان سعيداً بالارتهان ممنياً نفسه بعالم يحقق له نبوءته في منح العقل إنهاء خدماته مدى الحياة، ليظفر بوصفة الجنون ، وقد مالت ألوان العمل الأصفر النستالوجي موحياً بالمرض والفجيعة، ليعلن صراحة عن عملٍ ينضوي تحت مظلة تسوية حساب الدمار, مُفتتح العمل ترجمة للمسرحي الفرنسي أنطوان ارتو ، إذا صح القول عنه صاحب مشروع مسرح القسوة القادرة على جرح كتابة الروح ومبتكر الاشتغال على اللغة أن تتوجه الى الحواس وليس الى عقل المتلقي، والذي انفرد باستخدام مفرط للاعتداء على حواس المتلقي ، مكث عشرات المرّات في المصحات ولم يثبت جنونه رسمياً ،ثم تلته نصوص تفرد الكتاب لأول مرة بنشرها ، ودراسات لنقاد عرب وعراقيين تناولت مشروعه الثقافي، شهادة طبيبه المعالج في فترة إقامته في المستشفى وقت ادعاء الجنون أو سواه وحوارات أُجريت معه. وكل ما أنجزه خلال حياته القصيرة من كتابة: القصة والرواية والشعر والفلسفة، يمثل ملمح وسمات تجربته العظيمة وتغلغل ظلال مكوثه في الشماعية (المصحة) التي من خلالها تفوق في صناعة أدب الجنون العراقي أفق اختلاف لا تشابه، و يمتاز بنكهة متفردة لاتشبه جنون الآخرين لما يتفوق به المجتمع العراقي من مفردات حياتية وفجيعة متواصلة تدفع بكل ثانية من الزمن باتجاه خطيئة قد يسميها البعض جنونا ولكنها ردة فعل مناسبة لكل التفرد الغرائبي الذي ساد حياة الانسان العراقي، ودفع بأجهزة العقل بأن تختلق ردود أفعال استخفافية بحجم ذلك الخراب، لتجعل من الحياة قائمة، رغم كل تلك المأساة التي أصبحت ملازمة لكل التفاصيل ، زاحم الجنون العقل بل أزاح وجوده لينتج أدباً قد يكتشفه الأركيولوجيون بعد زمن طويل ويكتب عنه لما يحمل أدواته الغريبة والاستثنائية في الثقافة العراقية ، حيث إن خضيرميري قد رحل مبكراً قبل أن تتحقق رؤيته الاستشرافية، وهي أن العقل عبء كبير على صاحبه، هنا ينبثق محمود عواد من المكان والزمان معًا ،المستغور في تجربة خضير ميري ليغرز أنيابه ملتقطاً لحماً بشرياً بين سطور تجربة تتجدد في اكتشافات الكتاب وعيون النقد، كلام منتزعٌ من عالمٍ قبيحٍ ومشوّه، إنه فعلً يشبه انفجارات مفخخة إعتاد عليها الناس في وجه أحدهم، نصوصٌ لم تكشف بعد عن مكنوناتها، وفي حال اقتنصنا صورةً أو مشهداً مُتخيَّلًا في دراسة باحثة عن عذاب الجنون نجد  اشتغالات خضير الموغلة في القسوة قد حررته من غرائز المجتمع العدوانية الموروثة من خلال تقنية التطهير العنيف عبر فكرة الهدم المباح لكل ركائز قيم متعارف عليها ، إضافة الى الانفتاح على كل ماهو تخريب وغير معقول من خلال طقوسه المنتقاة، واستبدال ذلك بعالم آخر يختار رموزه بحرية وفعل الكتابة، كما يشاء

1
بجنونٍ طافحٍ حد الانتشاء عبر مسامرات خضير ميري ، قدم عّواد بتلك بلغته الشاهقة في وثوب الصور والوصف المستفز لإبراز معانٍ ودلالاتٍ بمرموزاته المتفردة ،ولأن هناك خللاً كبيراً في بُنى الحق والعدالة؛ فكانت أوعية سطوره قد أخذت بالتشقّق في إعالة سلطة الجمال، وبذخَ علينا بكمٍ كبيرٍ من عناكب الأبستمولوجيا التي انبعثت من أفق زوايا وجدران عتبات الواقع، واسترجاعات المكان الواحد المتعدد، الذي طارده محمود بعدسةِ عينه وصفاءِ قلمه.
تمتعت لغة الكتاب بسطوةِ كائنٍ برداءِ الموت، تراجيديا الإنسان والوجع، تلازمات بقيت ممهورة طوال الوقت، وحين تتلاشى الصور ترتهب بلطخاتِ إزميلِ محترفٍ كما نحات، وقد عكس حيزاً دلاليّاً وفضاءً اقترب من مفردات المعرفة بالجنون في صناعة رؤىً مختلفة في جينالوجيا فوكو وعيادة الجنون، كان معبَّأً برؤى المختلف، في اعتماده التنكيل بجثة العقل بجمل طافحةٍ بجنونِ الرؤيا ولسعات الظنون وغيظ متواصل الانفعال؛ ليرى بصيصاً لواقعٍ خارجي، سمته حلم غير مؤكدٍ خلا من قدرةٍ متهالكةٍ على الصمودِ وقوفاً.
تفتر إرادته حيناً في لملمةِ أثواب الخيبة، وخطواته التي يتناهبها الضياع كؤوساً من عتمة تتسع لرمادها، تتغذى عبر تقنية اللامألوف من متخيّل مفرط الاستكبار في انعكاساته؛
في قارب محمود تحضير لمشاهدة المسامرات من خلال جمله ولغته العميقة التي لا تقف ولا تندثر إلا لتظلِّل ثراءَ الوصف، ولتخضِّل سماواتها، ودوما ما يفصح عن مفترقِ تناقضٍ تتضمنها غزارة وثراء المشهدية، وثَمَّ -إذن- جنونٌ فاضحٌ، يطفو في عالمه، شغفُ الوصف الغرائبي بحدسِ شبق لا يفقد شهية الوصف ، ناهيك بأننا نقف إزاء حالاتٍ ومواقفَ لا توصف بالارتباك أو هشاشة بناء استفهاماتها، إنه جمالٌ مستلٌّ من قَيىء وخِراء الحياة.
وبمنطق اللا معقول ، يصف الكتاب  عالم الجنون، داخل مشهدية ، كمختبرٍ أو “عيادة جنون” بحسب فوكو، وفي امتدادِ ارتدادات متداعيةٍ تطالعنا عتباتٌ معنونة ومستقلة دلاليّاً في حزمة صفحات يتخللها صوت تحتشد سماته بمدرسة خضير ، يصب عواد خلالها تحضير أدواته ليرسم لوحةً بديعة متفرِّدة.
*حكمة التزلج على صلعة فوكو  أخيرا تمكنت من تربية دجاجة في الباحة الخلفية للردهة يا لهول المفاجاة !
كان المجانين مندهشين منها
ما الذي تساوي دهشة العالم أمام مجنون يتطلع الى دجاجة!!!!
( لايفهم العالم من نحن ،انه سوء تفاهم ناجم من التفاوت الزمني بين النطق والتعريف سوء تفاهم آخر بين الزمن المهدور بالعدم والعدم المهدور بالزمن بأمكاننا أن نسأل المغيب وأن نذهب للبحث في صندوق الظلمة وأن نقرأ سطور المطر على قفا العالم
ونتابع قراءته في مكتبة البحر او في هوامش الغابات
أو في سلاسل التهجي التي تقاطعنا فيها أسراب الحشرات
أو في الشرود الكوني والأفكار الفارة في مخالب الطيور أو في معاطف الرياح وفي كل ما أسلفنا
فأن العالم لا يعرف القراءة ولا الكتابة
العالم لا يعرف شيئاً على الاطلاق
وهذا هو الشيء الوحيد الذي مازال طليقاً فيه ص 112) (الى حسين متعب ناصر ، مع أن الصداقة فن الفهم لا بذل الإخلاص
ليس للسجين حرية سوى الذكريات ، فالسجن لن يكون حاضراً لطالما نحيا ص85) (منذ فترة ليست بالقليلة ، صار متاحاً لنا أن نبوح بالأشياء السيئة ،بعض منها إعادة اقتراح الصراحة التي هي فتنة الجبن ، كما ان تدويل المعنى الأكثر عتمة ، أو لوي عنق التظليل المحبب للتشويق الإبداعي ، سيكون نوعا من العبث الأسلوبي ، وحسب مايقتضيه واقع الحال الصناعي اليوم ،فأن ترويج كمية من الأدلة في تعزيز العبث الكتابي هو تمييع لمهمة أن يكون العمل الذهني  تهتكاً ومباراة لابد منها من أجل تقليص سلطة المسؤولية الأدبية أو الأيديولوجية الشعرية أو التراكم المفهومي ص 91) (لايصبح المرء وحيداً تماماً إلا عندما يصبح مجنوناً أو ميتاً  ص99)
هل كان خضير يقترح زمنه؟ في مكان لا يكاد يبصر واقعه سوى عبر تقنية الصدمة «



المشاركة السابقة