جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » جماليات


جاز بصراوي.. في الثناء على الموسيقار مجيد العلي


علي عبدالأمير عجام
لسنا بصدد الإشادة بالتنوع الثر لنتاجه النغمي بين التلحين والتأليف الموسيقي للأوبريت والموسيقى التصويرية، انما نستعيد هنا تلك الفكرة الملهمة التي أغنت موهبة الراحل الرقيق مجيد العلي (1933-2014) وصقلتها والقائمة على الانفتاح الثقافي وما عناه له شخصياً وللبصرة بعامة حين كانت مدينة مفتوحة ومشرعة النوافذ على رياح التغيير في أربعينيات القرن الماضي وخمسيناته وستيناته.
لنلاحظ هذا المعنى عبر تعيينه في الموانيء (روح البصرة وفكرة انفتاحها مكانيا واجتماعيا)، وهذا قاده  للتعرف على مهندس أيرلندي هو "مستر داودلنك"،  الذي "علّمه قراءة النوتة الموسيقية مما شكّل رافدا لتطوير ثقافته الموسيقية".
قبل هذا، كان الجهاز السحري "الغرامفون"  في بيت العائلة بـ "التنومة"، حين كانت "غرين لاند" كما يسميها البريطانيون لفرط خضرتها وبساتينها العامرة، وحيث الأخ الأكبر (فرحان ) الذي يجيد العزف على الة العود ويحمل بذاكرته خزيناً من القصائد والأغاني لكبار المطربين العرب والعراقيين والمواظب نهاية كل شهر على شراء اسطوانة من اسطوانات محمد عبد الوهاب او ام كلثوم او محمد القبانجي. "في ذلك الوقت كان هنالك إقبال من قبل الناس للتعامل مع الموسيقى كفن رفيع يمارسه الانسان"*.

غرامفون في التنومة
إسطوانات "الغرامفون" بوصفها ملمحاً للاتصال الثقافي كانت ترسل رسائلها الفنية والتربوية للفتى الصغير حين كان أخوه الأكبر يتحلق في "جلسة خاصة بآماسي الخميس، يمسك عوده ويعزف اغاني الفنان الكبير محمد عبد الوهاب ومنها "عندما ياتي المساء"، وأغاني لسيد درويش (ضيعت مستقبل حياتي) وأغنيات أم كلثوم القديمة، ومن المقامات العراقية كان يغني لمحمد القبانجي وحضيري أبو عزيز وسليمة مراد ومجموعة من الأغاني المتنوعة". هنا يقول العلي في ما يشبه التوكيد على اثر هذا الانفتاح الثقافي "كنت كمن يتغذى عليها حيث أقضي معظم وقتي في الاستماع اليها من الغرامافون".
في دور "شركة نفط البصرة" بالموفقية، بدأت مرحلة تالية في خمسينيات القرن الماضي مثّلتها الدراسة في "الاعدادية المركزية" بالعشار ودروس اللغة الإنجليزية عبر الأستاذ "أدور سيزر"، حين كان التعليم في البصرة والعراق عموما "نموذجا عاليا".
ومن مآثر الانفتاح التربوي بعد مغادرته الاعدادية المركزية، تشكيله مع مجموعة من الاصدقاء، فرقة نادي الاتحاد (مقرها مدرسة الأميركان) إلى جانب عبد الحسن تعبان وصبحي محمد زكي وادمون نعيم وغيرهم لتصبح فرقة كبيرة تنشط ضمن "حفلات وأمسيات النادي الموسيقية والغنائيه بالأزياء والملابس الجميلة حيث النساء السافرات بأحدث الموديلات والاطفال بكامل الشياكة وكانوا يستمتعون بما يقدم من هذه الفرقة من اغاني واناشيد ومقطوعات موسيقية".

حفل البصرة الأيقوني؟
ومع غنى تجربته الحياتية (تعيينه في مؤسسة الموانئ) والموسيقية، ظل الاتصال الثقافي ملمحا جوهريا في سيرة العلي فثمة سفرة فنية الى عبادان والمحمرة (إيران) صحبة (شاكر عبد النبي وهو صاحب صوت جميل من الاصوات القريبة الى محمد عبد الوهاب، و لويس توماس عازف الكمان، وعبد الحسن تعبان عازف جلو، وفريد وولتار عازف ايقاع وانا عازفاً على آلة الكمان، ومن بغداد كانوا معنا المطرب رضا علي، واحلام وهبي ومن العازفين الاستاذ سالم حسين عازف القانون، حكمت داوود عازف الناي) كما لا ننسى الحفل الأيقوني في نادي الميناء العام 1965 (حفل كبير للفرقة الماسية المصرية يصاحبها عبد الحليم حافظ وهدى سلطان وفائزة احمد وكارم محمود والثلاثي المرح ولبلبة ومجموعة كبيرة من الفنانين المصريين الاخرين)، الذي استدعى ملمحا إتصاليا آخر حين نقل الحفل تلفزيونياً "عن طريق وحدة النقل الخارجي لتلفزيون الكويت بإدارة المخرج خالد الصديق صاحب الفيلم الشهير "بس يا بحر" ومعه الممثل خالد النفيسي".
أستقر الوفد المصري في فندق شط العرب بمطار البصرة "وكان من حسن حظي ان اكون مرافقاً لعبد الحليم حافظ في وقتها، حين شاهدته مريضاً شاحب الوجه يعتليه التعب في النهار، ولكن ساعة حضوره الى المسرح كان انساناً آخر بوجه منفتح ومشرق بكامل أناقته وسروره، قدم اغنية جميلة جداً هي ( ضي القناديل ) وكأنه ليس هو ذلك الانسان المريض العليل وكان الحفل ناجحاً وبكل المقاييس، أستمتع بحضوره أهل البصرة وبقيت تلك الحفلة في احاديثهم لأيام طويلة".

بصرة الانفتاح الثقافي
ليس هذا وحسب كملامح للانفتاح الثقافي فقد "استقبلنا في البصرة العديد من الفرق الفنية منها فرقة شكسبير المسرحية والفرق الصينية للفنون الشعبية وفرقة بلغارية اضافة إلى المطربين العرب منهم وديع الصافي، سميرة توفيق، فهد بلان، وعدد من المطربين والفرق الفنية. وفي كل هذه العروض نجد المجتمع البصري يقبل عليها بشكل كبير لانه ذواق لكل الفنون وينهل من الثقافة في مجال الكتابة والاداب المقروءة والمنظوره، اضافة إلى حضوره المسرحيات".
وإذا كان العلي قدم لحناً يمكن اعتباره نموذجا متقدما للغناء البيئي المحلي الجميل، بعد الذي قدمه الأخوان صالح وداود الكويتي، وهو لحن "يابو بلم عشاري" بصوت المطرب فؤاد سالم ناهيك عن عشرات الألحان والمؤلفات الموسيقية للتلفزيون والأوبريت، إلا أن هذا لم يقف حائلاً حيال تطلعات الموسيقار البصري في التجدد والاتصال مع كل الفنون الموسيقية حتى الجديدة منها تلك الأيام، فصارت له تجربة مع الجاز قبل أكثر من خمسين عاماً عبر "فرقة الميناء لموسيقى الجاز" في مسعى ثقافي كان الراحل العلي منذورا من أجله بصدق وحميمية لا تضاهى، مسعى الانفتاح على ذائقة الآخر وأنغامه الرفيعة.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية