جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » زمان ومكان


مقهى بيكادللي النص والمكان عن مقهى الدلفين


فاروق سلوم
كانت بغداد مقهى المصادفة الدائمة
مدينة الوجوه الحضرية الجوّالة ، وهي تحمل سمات التطلّع والبحث عبرمسافات المدينة وشوارعها ومقاهيها
كانت مقهى بيكاديللي الصغيرة مثل عاشقة تنتظر ، تجلس في منتصف شارع الرشيد كمحطّة مواعيد .
وبالرغم من أن موقعها يقابل ستوديو بابل للتصوير أقدم ستوديوهات المدينة ، مايجعلها في متناول الجميع ، الاّ أنها بقيت وحيدة وانطوائية ، تحاول أن تنآى بنفسها وبخصوصيتها عن مقاهي المدينة المعروفة : الحيدرخانة ، الزهاوي ، البلدية ، البرازيلية ، الشابندر وغيرها من المقاهي البغدادية الشهيرة شعبياً وثقافياً . .. 
كانت بيكاديللي ملاذاً صغيراً بعدد طاولاته المحدودة ورائحة القهوة ، و الكرواسان الذي يعدّة الرجل الحميم ( اوانيس ) نادل المقهى وصاحبها الوحيد ، بملامحه الأرمنية وندرة ابتسامته المعبرة عن حنو خاص وعاطفة لاتنمحي .
وكنا في أواسط الستينيات ، أصدقاء تجمعنا الكلمة وحلم الدراسة الجامعية ، وتلمّنا بغداد بخصائصها الكوزموبوليتانية قبل أن تحولها السياسة وهجرة العوام التي حملتها الأنقلابات الأشتراكية الى قرية بلهاء دون سمات أو معان. ..
كانت بيكاديللي مكاناً حضريا بكل معنى عميق يمكن أن توفره مدينة لسكانها من حماية وخصوصية ، ولذلك لم تكن لقاءاتنا تخلو من وجوه نساء ورجال وفتيات تجمعهم أحلام شتى ونصوص هاربة من دفاتر المجلات الأدبية والصفحات الثقافية : مجلة الكلمة وملحق الجمهورية الأدبي وصفحات أدبية لجرائد صباحية ومسائية تمثل سيرة المدينة وسكانها سياسياً واجتماعياً وثقافياً..
كانت المقهى دخان سجائرنا وقلقنا ، كلما انبعثت موجة النمط السياسي المُهدِد لكل مبتغى حديث في الأدب والفن والعمارة والحياة ..وكنا نهرب الى لحظة النبيذ ، نغتسل من مخاوف فكرية وطبقية كانت مهددة بالزوال كل يوم منذ منتصف الستينيات حيث وضعت حرب حزيران ونهاياتها الفاجعة منطقتنا وبلادنا أمام خيارات النكوص السياسي المتواصل حتى يومنا هذا ..
كان النص في المقهى رائحة . هاجساً أو . وَهَمْاً . وكانت المواعيد العاطفية تؤطرة بعطرالمغامرة في الحوار الثنائي وكانت اللقاءات الأجتماعية المتناغمة تمنحه خصوصية الحضور ..
وقد انقطعت عن المقاهي البغدادية منذ وقت مبكر من السبعينيات ، حين أصبحت المقهى هدفاً للمخبر السري وكاتب التقارير السياسية الكيدية .. سقط المكان .. وسقط النص .. وسقطت المدينة ..
اليوم في مقهى الدلفين السويدي : أواجه غجر الهجرات واكتب

Cafee Delfinen
عواصف الله رمتنا
بحارة ً ونبلاء ..
ابناء زنا وقوادين
تجار أوطان قتيلة
ورواد بورصة الفلس الصدئ
امتزجنا بهم مثل ابناء عاهرة ماجنة
رماهم الرب لصوصاً
ًونساء طيبات
ورجالاً كتومين
عبوسين
وسفلة مجهولين
قتلة ومحترفي طوائف
محترفي وديانات
ولحى موغلة في الطقوس البائرة
هاربين من فضاعات أوطاننا
وجوهنا بسمرة كلاب البحر
وافدين .. من الأقاصي
بقدر رائحة السمك في المرسى
نكسر قدح الرب بخلافاتنا
ونسكر ُ
بفتوى الدعاة
الشرسين..
سوَ قـَةٌ وكلاب وحمّالون
من أسواق الشرق الجائر
كذّابون و مشوهون
يجلسون قبالة الشاعر
في مقهى الدلفين السويدي
وجوههم
خلاصة اللحظات العصيبة
لحياتي
يقذفون سجائرهم من النافذة
ويبصقون في كل مكان
يطقطقون بكل شيء كجراد
يأكلون شجرة روحي
يملأون قلبي باليأس من العودة
و حلم التنوير
لولا تلك الفتاة الفنلندية
النادلة (يانينا )
بضحكتها الدائمة
وهي ترسم فضاء الشاعر
في مقهى الدلفين السويدي
وحين قلت لها أحب ضحكتك ..
أضاء فمها
بسلك مقوّم الأسنان الفضي
وقالت لماذا
قلت لأنها تذكرني بحبيبتي البغدادية
وهي تضع سلك مقوم الأسنان هناك
لكنها لاتضحك.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية