جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » نصوص


نصوص الاكتئاب الحاد


علي وجيه

كثيراتٌ، تلكَ القادمات
أقول لصحبي:
القادماتُ، من الأيامِ، كثيراتٌ
فاحملوا خبزَ المحبةِ
واملأوا أفواهكم
ولوكوا قليلاً منه لأطفالكم
وفتّتوا الباقي لطيور المسير..
أقول لهم، وأنا أفتحُ بابَ حياتي
خذوا نبيذي، ونُكاتي التي تُسقِطُكم من كراسيكم
وتذكروا، مع قليلٍ من التأنيبِ
كيف امتدّت يدٌ بيضاءُ لكم
لتُخرجَكم من اللحظةِ الجريحة.
تذكروها مرةً، وإن زجرتموها ألفاً
فلا تزالُ ممدودةً لكل جريحٍ
وعطشانٍ ووحيد.
خذوا صحن كتفي
الذي امتلأ بدموعكم
يومَ لم تجدوا إلا كتفي
يوم بلّلتم قميصي
وجفّت قلوبُكم، ولم يجف!
وإن خرجتم، من حياتي
فلم يزل البابُ مفتوحاً
الخبزُ وفيرٌ وساخنٌ
والنبيذُ كثيرٌ، معتّقٌ مثل بكاء.
تعالوا الى يدي، الى كتفي
إلى ما كنتُهُ لكم فصرتُ لاجلهِ أنا
وإن زجرتموها مُدّتْ مُصافِحةً
وإن لمستموها، عادت دافئة.
تعالوا، فإن القادماتِ من الليالي كثيرات
ولا كتفَ مثل كتفي
تعالوا، وإن غطّت أكاذيبكم عتبةَ الدار
والحسدُ كلّ الطريق.
تعالوا، فيومَ تنبحكم كلابُ الكراهيةِ
سيكون بيتي المنجى
سيكون بيتي، الدافئ، المهربَ
سيكون بيتي، الذي لطالما تركتم بابَهُ مفتوحاً أمام الرياح
وأحرقتم سياجَهُ الصغير.


الحصّة

تقولُ العائلةُ: لنا
والعملُ يقولُ: وقتُكَ عودُ أسناني
وأعصابُكَ خيوطُ تنظيفها.
ويحذبُكَ الأصدقاء
من ياقتك ضاحكين: مُلْكُنا
تقولُ الفتاةُ المسرعةُ: ضيعتي وأرضي
وشَعرُ صدركَ الحديقةُ.
يتمتمُ الطفلُ: "‎بابا" لي..
والديونُ: طريدتي!
والليلُ والنهارُ يجتذبانك
يتركُ الأول السواد في الجوفِ
ويلطّخُ الثاني شعركَ بالبياض.
صراخٌ مُستدامٌ
وأكفٌّ لا تكفُّ
بينما تتركُ الجميعَ
وتدخلُ غرفةً سوداءَ
وتُطعمَ ضبعَ الشِعرِ كلّ ما فيك
وتهمسُ له: أنا لك، لوحدِكَ
ثم تنامُ قربَ مخالبه
وهي تقطرُ أحمرَكَ السرّي.


خُلاصة

حملتُ الحقيبةَ الثقيلةَ
لعشرٍ، وأنا أسيرُ من بلدٍ إلى بلدٍ
ومن ليلٍ لنهار لليلٍ مثله.
حملتُها وتسلّخ باطنُ يدي اليُمنى
وكثيراً ما تركتُ حياتي تُفلتُ من يدي اليسرى
كلّما أصابني خَدَرُ الساعدِ الضعيفِ.
حملتُها وكثيراً ما كانت تصدمُ
جانبَ ساقي
والألمُ الجانبيّ الذي يوقظُهُ المشيُ
كان يُحكمُ قبضتي على الحقيبةِ
التي شبتُ وما زالت فتيّةً
وما مسّها دمُ كفّي
وما قلتُ لها "أفٍ"
وما خدشتها زاويةُ رصيف.
ويوم انتهتِ الطريقُ
وكنتُ قد وصلتُ
كانت الحقيبةُ إلى جانبي
جبلاً من ندمٍ
وندوباً وكدماتٍ ما إن تحمرّ
حتى تزرقّ مُجدداً
هكذا كانتِ الحقيبةُ الصلبةُ الثقيلةُ
الحقيبةُ التي جلستُ إلى جانبها باكياً
حين رأيتُ أخيراً، أنها فارغة.


الخيبة

ثمّة خيبةٌ أكبرُ من التنهيدةِ
أكبرُ من عضّةِ إبهامٍ
أو تكسير صحون
خيبةٌ لا تُطفِئُها الخمرةُ
ولا السجائرُ، بكلّ عُلبِها، تُهدّئ زيتَها الثقيل
وهو ينسكبُ على الروح.
الخيبةُ التي يحوكُها لك الوقتُ
وأنتَ تركضُ فرِحاً في باحةِ الظنّ الأبيضِ
سترتديها كالجلدِ
ثقيلةً مثل ذنوب قاتلٍ
ومُزعجةً مثل مسمارٍ أوقفَ ثوباً
فمزّقَهُ.
الخيبةُ الأكبرُ من التنهيدةِ
وعضّةِ الإبهامِ
ستسيرُ معكَ يومياً مثل توأمٍ داخل جسدك
تحجبُ عنكَ كلّ النهارات الرائقةِ
وتكثّفُ سواد الليالي
ستُنهي سحرَ كلّ الأغاني
وحتى القُبلات، رغم الشفاه الطريّةِ الدافئة
الخيبةُ هذه ستكونُكَ
بلحظةٍ لم تنتبه لها، وانت جالسٌ في مقهى
ستقومُ هي من مكانِكَ
وتدفعُ حساب الفنجان الذي شربته
وترمي العلبة الفارغة
وتخرجُ بدلاً عنك إلى العمل.


النتيجة

حتى وإن دهنتَ أقدامَهم
بزيتِ أيّامِكَ، طالباً المغفرة..
حتى وإن وهبتَ ما لا يُعطى
وتركتَ على جبينِ كلّ منهم
قبلةً وأمنيةً.
حتى وإن وقفتَ أمام غفواتِهم
تطردُ الكوابيس
ستكونُ وحيداً بقدمٍ مُشقّقةٍ
ووجهٍ باردٍ، يفتكُ بكَ الجيثومُ
ويثلمُكَ الليلُ الطويلُ
بمكعّبات الثلجِ الموحشة
التي تسقطُ ثقيلةً عليك.
لا ضرورةَ لهم
فكلّ ما تحتاجُهُ من هذا العالمِ الضيّقِ
داخلَ جمجمتك.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية