جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » جماليات


رسائل فان كوخ - الرسالة الثلاثون


ترجمة: ستار كاووش
آرل، ٩ أيلول ١٨٨٨

تَيّو العزيز
لقد وصلتنا بشكل جيد لوحة غوغان (أطفال من بريتاني)، وهو قد غيَّرَ فيها بعض التفاصيل ومنحها بعض الإضافات التي جعلتها تحفة مدهشة، ورغم إنبهاري ومحبتي لهذه اللوحة فلا تتردد في بيعها،
وذلك لأن اللوحتين اللتين سيرسلهما لك غوغان أجمل بثلاثين مرة من هذه اللوحة، وأقصد لوحة قاطفات العنب ولوحة الفلاحة مع الخنازير، ويعود ذلك لإنسجامه العميق مع الرسم في الأيام الأخيرة بسبب تعافيه من آلام الكبد والمعدة وشعوره براحة وإسترخاء أثناء العمل. أحببت أيضاً أن اكتب لك جواباً حول ما قلته عن لوحتي الصغيرة (شجرة الخوخ الوردية) وإهتمامك بتأطيرها بشكل جيد وتعليقها بين الأساتذة، وأنا هنا لا أتردد بقول رأيي حول هذه المسألة، فإن كنتَ سعيداً أو راضياً بوضع أحد أعمالي هناك، فلك الحرية في فعل ذلك طبعاً الآن أو في أي وقت قادم، لكن من جانب آخر، إن كان ذلك مرضاة لي فلا داعي للقيام به أبداً، وإن كنت تريد معرفة حقيقة ما في سريرتي فأقول لك أن رجائي العميق هو أن تحتفظ لنفسك بما تراه جميلاً من لوحاتي، إجمع ما تحبه منها في بيتك ولا تبيعه أبداً، وما يتبقـي من لوحاتي، أي التي لا يمكن أن تجد طريقها للبيع. كلوحات الطبيعة وغيرها، فحاول أن تعيدها لي، وبذلك تفسح المجال للوحات أخرى جديدة.
لقد أشار غوغان عليَّ بشكل عفوي -وكان محقاً في ذلك- بأن أرسم الأشخاص والتكوينات من الذاكرة، وكل الدراسات والتخطيطات التي وضعتها سابقاً سأستفيد منها أيضاً في هذه الطريقة. هل تعرف أن كل لوحاتي تعيدني بشكل ما لتفاصيل وناس رأيتهم وعرفتهم، لهذا هي قريبة مني، وما يدعونا للتفكير ببيعها لايتعدى حاجتنا للنقود، ولأني أعرفك جيداً فأنا متأكد بأنك أيضاً تفكر بهذه الطريقة، لكني أعرف وأتفهم ظروفنا الشخصية، فأنت تعمل الآن مع شركة غوبيل، وأنا بعيد عنهم بعد أن عملتُ معهم سنوات، كانوا خلالها يفكرون بطريقة مختلفة عني لهذا حصل الخلاف بيننا، عموماً هي حكاية مضى عليها الزمن، وهنا أود أن أقول لك إمضِ في طريقك معهم، ومن ناحيتي فمن غير اللائق أن أعود لأعرض عليهم لوحات بسيطة لشجرة خوخ صغيرة أو ما شابه ذلك، بل عليَّ التفكير بتهيئة معرض شخصي يضم ثلاثين لوحة أو أكثر للسنة القادمة. ورغم إني لا أقف في طريق الآخرين أن أرادوا التعامل معهم، لكني سوف لن أطرح فكرة المعرض عليهم لأن تحقيق ذلك بعيد المنال، فهم سيرفضون ذلك بكل الأحوال، وبالأخص بوسو الذي سيركل لوحاتي خارج تفكيره قبل رميها خارج قاعة العرض. ورغم الجراح القديمة التي سببوها لي، فهذا لا يعني بأني أنظر إليك بذات المنظار، بل أنظر إليك كبائع للوحات الانطباعيين ومختلف عن جماعة غوبيل رغم عملك معهم. لا أريد أن أمنح بوسو فرصة الإنتقاص من لوحاتي من جديد كما كان ينظر اليها بترفع قائلاً ( هذه اللوحة ليست سيئة بالنسبة لرسام مبتدئ...) لذا أفضل أن لا تباع لوحاتي أبداً على أن أتعامل معهم، وتحت كل الظروف، لا أريد أن أدخل بلوحاتي بطريقة مداهنة على هؤلاء المحبين للمداهنات. وإعلم بأننا كلما كنا جادين أزاء هذا الأمر، كلما إنتاب الآخرين الفضول أكثر وسعوا إليك لرؤية لوحاتي! وبما انها ستبقى بحوزتك وليست متاحة للبيع فهذا لا يقف حائلاً أمام وجودك في الشركة، أما إن كان هناك أحد يريد شراء اللوحات، فدعه يتعامل معي شخصياً، كي لا يتعارض ذلك مع عملك، وإن سرنا بهذا الإتجاه فسيأتي يومي بالتأكيد، فما عليَّ الآن سوى الانغماس بالرسم للإمساك بالنجاح الذي ينتظرني في نهاية الطريق.
ربما عليَّ أن أخبرك أيضاً بأني سأجيبُ جيت موف على رسالتها، وسأخبرها الكثير من التفاصيل عن غوغان، وأصحب ذلك ببعض التخطيطات، وهذه الرسالة ستكون موجهة بشكل غير مباشر لترستيخ الذي من المهم أن يعرف من خلالها بأني مع غوغان لدينا الكثير من اللوحات الجديدة. وبإمكاننا أن نرسل لك خطاباً فيه الكثير من التفاصيل وتدعه يطلع عليه بطريقة ما، لأن ترستيخ سوف يتقاعد قريباً من العمل، وسيأتي مكانه شخص من جيل مختلف، وهنا أستطيع القول أن هذا الوافد الجديد سيتناغم على الأرجح مع لوحاتنا التي إبتعدت عن الإنطباعية. أخبرك أيضاً بأني وغوغان يمكننا العيش سوية وبشكل جيد بتكلفة ٣٠٠ فرنك بدلاً من ال ٢٥٠ التي كنت ترسلها لي وحدي، وسترى بنفسك كيف ستتحسن الأمور خلال سنة. المرسم مليء باللوحات، لكني لا أستطيع مع الأسف أن أرسل منها شيئاً مع لوحة غوغان التي ستصلك، وذلك لأن هناك طبقة كابية تعلو اللوحات، وقد عرفت من غوغان كيف أزيلها لتبدو اللوحات أكثر إشراقاً، وبعد أن أنتهي من هذه الخطوة، سأضع بعض اللمسات النهائية، عندها ستكون بين يديك بشكل لائق. ما أروع الصحبة الذكية والناجحة مع غوغان، وما أروع أن أشاهده وأتحسس ما يرسم وهو بجانبي، لهذا سترى كيف إبتعدت اللوحات عن الإنطباعية، وأخذت تسير نحو منطقة جديدة. سترى حين تصلك لوحَتَيْ غوغان كيف انه قد أستبدل الفرشاة بسكين الباليت، وكيف ان النتائج التي حصل عليها ستضع الكثير من لوحات بريتون في الظل. لا وقت لديَّ مع الأسف للكتابة للآخرين، وإلا كنت قد كتبت لبعض الأصدقاء الهولنديين، علماً بأني قد إستلمت رسالة من بوش، أنتَ تعرفه ذلك البلجيكي الذي لديه أخت تنتمي لجماعة من الرسامين، كتب لي قائلاً بأنه يستمتع بعمله هناك. أتمنى يا تيو بأن نبقي على علاقتنا القوية مع غوغان سواء على صعيد الرسم أو الصداقة، وأرجو ان بإستطاعته في المستقبل ان يكوِّن مرسه الخاص في المناطق الأستوائية مثلما يتمنى، رغم ان هذه الخطوة تحتاج الى بعض النقود. كتب غيومان رسالة الى غوغان، ويبدو ان لديه ما يكفي من المشاكل، فزوجته بإنتظار طفل وهو منشغل طوال الوقت بالرسم، ويخشى أن يكون حبيساً كل الوقت معها بعد ولادة الطفل، وفوق هذا فهو بأمس الحاجة الى النقود، لكن غوغان رد عليه برسالة مناسبة مهدئاً له وقائلاً بأنه (أي غوغان) قد مرَّ بظروف أصعب من هذه الظروف بشكل مضاعف. جيت موف أصبحت بصحة أفضل، وأظنك تعلم بأنها تعيش منذ بضعة أشهر في لاهاي قرب الكنيس اليهودي، وهذا يعني في منطقة ريفية بعض الشيء.
أؤكد لك بأنك سوف لن تخسر شيئاً بإنتظارك أعمالي بعض الوقت، وارجو ان لا تلتفت لرأي أصدقائنا الأعزاء حولها، دعهم فقط ينتقدونها على مهل، ربما أبدو عنيداً لكني أعرف ما أريده من الرسم، فهم يقولون بأني متعجل بالرسم، ورداً على ذلك قمت برسم لوحاتي الأخيرة بعجالة أكثر مما يستطيعون تصوره! هل تعرف بأن غوغان قد أخبرني بأنه شاهد لوحة لكلود مونيه رسم فيها زهور عباد الشمس في مزهرية يابانية من البورسلين، وقال لي (أن لوحة مونيه جميلة لكن لوحاتي التي صورت فيها ذات الموضوع أكثر جمالاً!) لا أتفق معه في هذا الرأي، وهذا لا يعني بأن أعمالي ضعيفة، لكني أواجه مشقة كبيرة في الحصول على الموديلات، وهذا ما يجعل أعمالي لا تمضي باليسر الذي أتمناه. فلو كنت في الأربعين من العمر واستطعت أن أحصل على موديلات جيدة لأرسمها كما رسمت الزهور التي تحدث عنها غوغان، عندها سأثبت موهبتي ومكانتي الفنية، إذن العمل الجاد هو الحل.
أخبرك أيضاً أن الدراستين اللتين أرسلتهما لك باشرت برسمهما على القماش حيث يظهر كرسي من الخشب والخيزران بلون أصفر تماماً ويستقر على أرضية من البلاط الأحمر، وفي الخلفية جانب من الجدار، ثم كرسي غوغان ذي المساند بلون أخضر وأحمر وعليه شمعدان وروايتين، وبمناخ ليلي، وألوان على شكل طبقات سميكة. وبالنسبة لأعادتك بعض الدراسات لي، فأنا لست مستعجلاً، وقد قصدتُ من ذلك الدراسات التي تبدو سيئة، حيث سأحتفظ بها كوثائق، أو تلك التي ليس لديك مكاناً لحفظها في البيت. وبالنسبة لأعمالي الأخرى بشكل عام، فهناك شيء واحد لا يمكن التراجع عنه، أرجو أن تدعني أنا من يتاجر بها خارج الشركة، كي لا أسبب لك المشاكل. عموماً أمامي حلّان فقط، فأما أن أبتعد أنا وأعمالي تماماً عن هذه الشركة، وهذا هو المرجح أو أن أقدم لهم فروض الطاعة، وهذا هو المستحيل بعينه.
أشد على يدك بمحبة، واشكرك على كل ما تقوم به من أجل أخيك.
المخلص دائماً
فنسنت



المشاركة السابقة : المشاركة التالية