جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » جماليات


أفلام مصرية في فيلم واحد!


تشريح اجتماعي ونفسي
سهيل سامي نادر
سوف أجمع وأكثف مسائل عديدة استناداً إلى السؤال الآتي: هل يمكن اختيار فيلم واحد نختبر على أساسه كمية كبيرة من الأفلام المصرية من حيث الموضوع والمعالجة والفكر؟
هذا السؤال العريض جداً يخفي الاختلافات متقصداً، وهو مبرر بالفيلم المصري نفسه، وسأتولى توضيح ذلك في ما بعد. بيد أن معالجتي تتركز على الاختلافات القائمة لتناول البيئات الاجتماعية وليس الفنية.
سأقوم أولاً بوصف نماذج أساسية، تظهر باستمرار في الأفلام المصرية. هذه النماذج هي نوع من البيئات الفيزيقية والاجتماعية الموجهة أيديولوجياً داخل المعالجة السينمائية، ثم نستخلص منها إفاداتها ، ومن ثم نقوم بعرض أحد الأفلام المصرية الذي أعتقد أنه يلخص، بهذه الصورة أو تلك، أوضاع الفلم المصري ومفاهيمه الأساسية.
صورة طبق الأصل
لا نحتاج الى ذاكرة قوية لكي نستعيد مشهد باحة واسعة، مستديرة نسبياً، وسلّم منها يفضي الى الطابق الثاني ، وإفريز جميل يقودنا إلى غرفة البطلة. لقد دخلت تواً، وهاهي تحتضن صورة حبيبها وتبكي. نستعيد كذلك البارات الغريبة المزودة بقاعة للرقص الشرقي، أو غرفة الراقصة البطلة- خليط من مرايا وملابس. أو نستعيد الطريق الريفي الذي يربط مصر كلها بـ "عزبة" أحدهم . في العزبة خدم مخلصون تدمع عيونهم لمآسي أولاد الباشا، ثمة ساقية حيث الحب يزدهر، والفلاحون بنشاطهم وبساطتهم وإخلاصهم التلقائي. هدوء ، راحة، سذاجة ، وبنت قروية جميلة. بعيداً من هنا، ننتقل إلى محلة شعبية في صباح أول يوم للعيد، إذ تعلو الصلوات والتسبيحات الدينية مع أصوات القبل والدعاء والتبريكات. ترتفع الكاميرا بنا إلى سماء صافية ومنارة ثم لتهبط الى المقهى ، لترتفع مجدداً الى شقة أو شقتين في الطابق العلوي متقابلتين، وجوه بلدية، كلام بلدي، يخرج من فتحات الشبابيك البلدية، ثم الفرن والجزار وبائع الفول والطعمية، وأخيراً ندخل في الجد حين تبدأ مؤامرة تاجر الجملة على تجار المفرد الذي يقودهم شاب وسيم طيب. تبدأ المؤامرة بضربة موسيقية يرتجف القلب لها، لينقلب المشهد بعد دقائق على ضربات الطبلة وهز الوسط.
هذه البيئات الفيزيقية الاجتماعية تنضاف إليها سواحل البحر، وهذه الأخيرة تمتلك، بالاضافة الى جمالها ، قابلية الإيفاء بوظائف متنوعة ، فهي أمكنة انتحار نموذجية لا تتم أبداً، أو غرق يصادفه تدخل منقذ في اللحظة الحاسمة، كما تصلح مكاناً لاستجمام كاتب مشهور أعزب بدأ هذه الأيام بمراقبة إحدى (المعقدات) وهي تتأمل بحزن ارتطام الأمواج الصاخبة بالصخور. هناك الرجال الذين يذهبون الى الاسكندرية لمقابلة عشيقاتهم ، أو لقضاء إجازاتهم بعد صدمة عاطفية، أو سفر مفاجئ لتنقلب بهم السيارة على الطريق الصحراوي ما بين القاهرة والاسكندرية ، وقد يصلون بالسلامة دون سبب . بيد أن الأولاد بدأوا هذه الأيام يذهبون إلى الاسكندرية للصخب والشيطنة والسباحة مع بنات الذوات . وليس آخراً هناك البحر الأحمر المتخصصة سواحله بتهريب الحشيشة ومطاردات خفر السواحل للمهربين.
السطح والباطن
هذه البيئة المزدوجة بين ماهو فيزيقي واجتماعي، تدخل الواحدة على الأخرى  بسهولة عجيبة داخل الديكورات والبلاتوهات تحت أضواء مسطحة، وهي تظهر بإلحاح عنيف في العديد من (المواقف السينمائية) و(حياة الأفلام). إذا أعتبرنا كل هذه مجرد بيئات مصرية شكلية، أو نوع من إمكانية سينمائية ، فهذا لا يثير صعوبات كبيرة، بيد أن علينا أن نستفسر عن سبب ظهورها الدائم في سياق فكر ومفاهيم واحدة.
هناك شكل محدد جداً من أشكال الوعي والطرح، وأشكال من العقد القصصية والسماجات والأغاني والسيناريوهات، وعلى الجملة بيئات التفكير والحياة الاجتماعية بالمعنى الخارجي السطحي، تقابلها الدوافع الداخلية والاديولوجيات الاجتماعية والسياسية التي تستخدم كل هذه الصناعات لبلوغ أهدافها الكاملة. يبدو أن مناهج التفكير والعمل التي تدير الفيلم المصري، أو تقف خلفه ، تنتمي إلى مصادر اجتماعية متماثلة نسبياً، وهذا ما جعل الحياة الداخلية للأفلمة تدور في محاور معلومة ومحددة، بحيث يبدو معها أن ليس هناك أنواع متعددة من السينما، بل هناك سينما واحدة . والحال هناك اختلافات، بل وفلتات، وأفلام جيدة، لم تستطع للاسف أن تنقل لنا غنى البيئة المصرية الحقيقية، كواقع متحرك ومتناقض. إن عدسة الكاميرا محجوزة في أغلب الأفلام بزاوية واحدة من الناحية الذهنية، والمخرجون والممثلون، ومن ورائهم المنتجون والأغنياء ، ثم الأولاد الصغار، يقفون جميعاً خلفها. 
بين القرية والعزبة
لنطرح مثالاً : الكاميرا في الريف، وهاهي تبدأ عملها في فيلم ريفي. المتوقع وجود غنى في المشاهد الريفية ، لكن الكاميرا تصور العزبة أكثر من القرية. الأخيرة صيغة فولكلورية من حيث الوداعة والسذاجة والرقص الشعبي والزواج والطلاق والأخذ بالثأر.. الخ إنها بيئة تمضي في حالها ، أما العزبة فهي مركز العقدة والحل ومعطاة سيكولوجيا من عدة مشاهد. حتى الأفلام "الإيجابية" التي تريد فضح ظلم الباشا صاحب العزبة على الفلاحين تخلق بطلاً أو محرضاً أو محرراً نادراً ما يكون من الفلاحين أنفسهم: إنه الابن غير الشرعي للباشا، أو ابن العم الذي أخذت أراضيه ظلماً وعدواناً، أو أحد الفلاحين الأغنياء الذي أسس جمعية تعاونية (كما الحال في الأفلام الجديدة). في النهاية تنتصر فكرة (الحق)، بموت الباشا، أو باستيقاظ ضميره بسبب سماعه لآية قرآنية ، أو بسبب موت ابنه الوحيد ، أو انهياره الصحي. الحق هو الذي ينتصر لا الفلاحون – نصر يتم بمعزل عن النظام والدولة، ما يوحي أن الصراع الجاري ذو طابع عائلي.
إن تكرار هذه الصياغة يدفع المشاهدين إلى تبني فكرة أن مشكلة الأرض في مصر ناتجة عن نزاع عائلي بشأن التملك وأحقية هذا أو ذاك. المواطن العربي سيفهم هذه المسألة على نفس المعنى في بلده.
يستحيل الظلم الاجتماعي في هذه الافلام إلى شر بالمعنى الخلقي . ثمة إقطاعي طيب وآخر شرير، والصفتان تحددان مسار الصراع . إن المركز الطبقي ليس بذي قيمة ما دامت القرية وحدة اجتماعية قرابية ودينية وخلقية (هذه الفكرة تبناها القاص يوسف السباعي ) . إن طرد الشرير، سواء بموته، أو برحيل نوازعه الشريرة بعد تجربة روحية، مفتاح الخلاص، وسينمائيا هو مفتاح النهايات السعيدة.
هذه (العقد) والتوصيفات لم تتغير إلا نسبياً بعد مرور بضع عشرات السنين، وحتى بعد حصول تغييرات مهمة في المجتمع العربي. إن بعض الأفلام (الايجابية) التي تحدثت عن بؤس الفلاحين لم تفعل الا من خلال السيناريو اللغوي وعروض الشجاعة والاحتجاج لأولئك الافراد الممتازين الذين يملكون قدرات جسدية وعقلية ووجه جميل يميزهم عن الفلاحين . ظلت الكاميرا عمياء في حركتها في هذه البيئة.
في الفترة الأخيرة بدأنا نتعرف على كاميرا جديدة ممسوكة بيد أبناء البورجوازيين الريفيين الذين قضوا حياتهم في المدينة، وباتوا يعرفون حيلة أن يكونوا (هنا) و(هناك) في آن : توظف المدنية التقدمية للتدريب والنصائح الأخلاقية الجديدة، والوقوف ضد الأخلاقيات الخاصة بالثأر والزواج الإجباري ومنع الاختلاط وغير ذلك. هاهم أخيراً لديهم رسالة تقدمية وتكنيك لابأس به. لقد مات الاقطاعي فليعش البورجوازي الريفي المستنير الذي أخذ يضم جهوده الشريفة إلى الجمعيات التعاونية الخاصة بالفلاحين.
بعيداً عن الباشا والعزبة والجمعيات التعاونية للبورجوازيين الريفيين ماذا ينتظرنا في المدينة؟ إن الباشا موجود هنا أيضا، لكن بموقع صناعي شريف يرغب بتطوير العمل لمصلحة الغلابة العمال والحصول على الربح الحلال، فيما ينازعه شريكه الشرير . إن مهندساً شريفاً ، ماهراً ومجداً، يتدخل لمصلحة الأول ، ويدافع عن مصالح العمال وتحسين شروط العمل- دون الإشارة الى وجود نقابة. إنه في النهاية يصبح عضوا في مجلس الإدارة أو رئيسه، بعد زواجه من بنت صاحب العمل . سنسمع منه خطباً أخلاقية عن حالة العمال الغلابة ، وتحسين شروط العمل ، ومن الطبيعي أن يصطدم بالشريك الشرير ويخوض صراعاً مريراً ضده . وفي أثناء ذلك يرتب له الشرير تهمة قتل أو سرقة أو تزوير. النهاية معروفة : الشرير يأخذ جزاءه والشريف يصعد الى الهرم الاجتماعي.
في أفلام أخرى يعترض الأب على زواج ابنته الوحيدة المدللة من المهندس العصامي، أو الموظف البسيط، إلا أن الاخير يستعرض شرفه كامتياز خاص، كملكية وحيدة تساوي الأملاك المادية وأعلى منها . سيراهن على هذه الملكية ويلعب بها ، وقد ينتكس انتكاسات جزئية في معاقرة الخمرة ليفيق في النهاية ويقطع المسافة الى حبيبته وقد أصبح مهندساً (أد الدنيا). ثمة من يسافر الى أوربا ليعود منها طبيباً كبيراً مشهوراً، وبعد صراعات غير مقنعة يستسلم الأب لقوة المثال، ويتزوج البطل بمن يحب.
واضح أن الزواج لا يتم إلا بعد آهلية طبقية يحاول الفيلم تغطيتها بعقد جانبية أو بالأخلاق. لكن إذا ما تم الزواج من دون هذه الآهلية ، ودون موافقة الأب ، وهذا ما يحدث في بعض الافلام ، فإن النهاية ستكون فاجعة: إما أن تزهق الزوجة من حياة الفقر، وإما أن يعيش الزوج في الشك والإحساس بضعة الأصل . عند ذاك تنتهي المسرحية بموت أحدهم ، أو بالافتراق والعودة كل الى حضيرته ، اللهم إلا إذا أراد المخرج أن يكون خفيف الظل ويعقد مصالحة بطريقة ما بين الزوج وأهل الزوجة . ما من قناعة داخلية. الجميع تتحكم بهم قوة أخرى متعالية.
هذه النماذج التي قدمناها، المضافة الى وضعياتها، أو هذه الوضعيات المنعكسة بنماذجها الخاصة ، لا تقدم من دون إضافات أخرى. إن السينما، بالأحرى النظام السينمائي يستطيع أن يبرر اختياراته بمواد من طبيعة أخرى. إنه يجعله أكثر جاذبية أو أكثر مسرة ، أكثر فكاهة وأقل نحساً. إن موضوعاً واحداً يمكن دغدغته وتجزئته إلى عدد كبير من المواد والموضوعات الجانبية. فالفكاهة داخل حكاية مأساوية تمنح المشاهد قناعة ما يدعى ب(الحياة) ، وذلك بانتزاع الضحكة والدمعة. أو تلك الأغنية التي تفسير الحدث من وجهة نظر القلب.. ثم ماذا يفعل هذا الريفي الساذج في هذه المدينة الغريبة؟ إنه صاحب حكمة، لكنه مضحك في حكمته. طيب لكن مضحك في طيبته.. فماذا يفعل غير أن يلعب دور الحكيم الأبله؟ سيظهر في النهاية وقد أثخن جراحاً وألماً ، ليشجب صارخاً مستعيناً بخطبة أخلاقية مرّة وعيناه مليئتان بالدموع تحت نظر أولاد الذوات الذين أحسوا بخلاعتهم وبدأوا يخجلون. عند أقصى الألم وأقصى الخجل يصبح ندا لهم ، إنسانا له كرامة ، وفاعلاً في تغيير النفس البشرية. إن ابن البرجوازي الريفي الذي كان أبلها بحكمته ، والذي تعلم نقض الحكمة الساذجة بالحكمة المثقفة، أي بدأ يتعلم اللعب، راح يغزو قلوب الجميلات.
في مشاهد أخرى يمكن لدموع الراقصة أن تكشف ما أخفته في صدرها من مأساة كبيرة: لقد غرر بها وحملت بالسفاح وهاهي ترقص على هذه النار الكاوية. لكن ثمة منقذ في النهاية : فالعناية السماوية تتدخل لرفع المصاعب، مستجيبة لدعاء الأم والثكلى والمظلوم والمحروم وصاحب الحاجة.
إن جاذبية الأفعال والإنقاذات السريعة تجري في سياق الحكم التي تضربها الحياة ، حكم مشدودة لا بالحياة الداخلية للحكاية – بالأحرى إنها تصنعها – بل بالحياة الاجتماعية التي يعيشها المصريون من خلال قيم سائدة . هذا ما جعل السينما المصرية تحتل مكانة هائلة في صفوف أوسع الجماهير الأمية المتأخرة ثقافياً، المخدوعة طوال الوقت بالقهر الطبقي والاكاذيب والخرافات والشعوذات التاريخية ، كما استدخلت في حياتها فكرة عدم آهليتها إزاء الممتازين من علية القوم . هذه الجماهير في أوضاع التخلف لا تتعرف على الأهداف الفكرية الكامنة خلف الرواية السينمائية، كما لا تستطيع أن تكشف الضحالة السيكولوجية وغش النماذج الإنسانية المعروضة ، فهي تمتلك قناعة عميقة بالحكمة الشعبية بتناقضاتها المعروفة والرضا بالفقر والإذلال الاجتماعي والنفسي . إن الفيلم المصري يعطي تلك الحكمة من خلال بيئات ثقافية واجتماعية محددة تبررها، ومن خلال صدامات القدر وتقلباته. واستناداً الى تلك الحكمة لا يعرف الفلم المصري التوسطات ، فهناك دائما ثنائية قدرية بين الخير والشر، بين الله والشيطان . هناك دوماً نماذج إنسانية سهلة متطابقة مع نفسها تشبهها : فكل شيء سبب، ولكل حركة غاية وهدف، ولكل ما يحدث حكمة، والحكمة الأصلية في الغيب ، والقدر يترصد بنا، ونحن ضعفاء، وهناك من هو أقوى منا.. والظلم ينتهي، ينجلي، والصبر الصبر. والناس درجات، وكل نصيبه، البخت، الحظ السيئ، النحس، الملعون، المحظوظ ، الشرير، الطيب ، المحسود، المهندس، الطبيب، الباشا، ابن الباشا، الفقير القانع والفقير الطماع، الغني الشريف والغني الشرير، ابن الأصول، ابن الحرام، ابن السعد..الخ ..
هذه المفاهيم – النماذج الفردية يمكن رصدها في الحياة الاجتماعية الفعلية بسهولة.. وهذا هو سر (واقعية) الفلم المصري، وسر جاذبيته. إنه يحافظ على صيغة المفاهيم الاقطاعية للمجتمعات الزراعية المتخلفة التي تستخدم الدين في تبرير الواقع القائم. إنه وجدانها السينمائي ، فخرها، تاجها الايديولوجي.
تطورات ونتائج
في غضون السنوات العشر الأخيرة تطورت السينما المصرية في التقنية واختيار الموضوعات ، بيد أن هذا التطور ظل محدوداً. وبصرف النظر عن تطور التكنيك السينمائي ، إلا أن اولئك الشباب الذين أحسوا بتسطح السينما المصرية من حيث عرضها للحياة الانسانية والنفسية وأرادوا إعطاء العمق الكافي ، فالتجأوا الى الموضوع السيكولوجي أو تناول مشكلات ذات طابع سيكولوجي – اجتماعي، مبتعدين، على هذا النحو أو ذاك، عن سينما النماذج والكليشات. لكن هذه المحاولات كانت مجرد تشبهات ساذجة بالفلم السيكولوجي الاميركي: إنها خليط من عقدة بوليسية تنمو في بحر سيكولوجي معطى سلفا. تنمو العقدة ولا تنمو الحياة السيكولوجية. لقد شاهدنا في هذا السياق عددا من (المعقدين) الذين يفاجئونا بأفعال تقف خلفها أسبابا غير مقنعة.
وكانت السينما القديمة عالجت الموضوع السيكولوجي أيضاً. وكلنا يذكر نسوة مرهفات الحس يصبن بالشلل بعد حادث خطير، ثم يشفين بعد حادث آخر، وهو موضوع لا يختلف كثيرا عن موضوع إصابة الإنسان بعمى فجائي أو بصمم فجائي دون علة واضحة.
وثمة تطور آخر يستنير بالحياة المعاصرة وتجسداتها الاجتماعية والنفسية والعاطفية ، يتناول ما يسمى (صراع الأجيال). لقد أنتجت عشرات الأفلام في السنوات الاخيرة عن هذا الموضوع تراوحت بين حالتين :  مأزق الابن وصمم الأب ، خطيئة البنت التي تتسع وتتشعب بسبب عدم فهم الأب ، دلال الأمهات وسهو الآباء أو قسوتهم ، تعصب العائلة وطموح الشباب وتحررهم ، وأخيراً، طيش الشباب، عربدتهم، صراعاتهم، شبقيتهم. إن تأثير أفلام الخمسينات الامريكية واضح ههنا. وعلى حين كان الفيلم الامريكي أكثر إقناعاً من حيث الحوار والتصوير والنمو القصصي، تختلق السينما المصرية سيكولوجية وعقد تناسبها غاية في السطحية والضحالة، مضيفة إليها تركيبة من الأغاني والرقصات والإغراءات الجنسية والحماقات والتهريج . يعرف طلاب المدارس الحيارى كيف يبتهجون. هم ثلاثة أصدقاء : الأول مهرج يذكرهم بالعمر الحلو، والثاني أخلاقي خائف ، والثالث مجرم بالسليقة. الاول من عائلة ريفية ، والثاني من عائلة بورجوازية ، والأخير من عائلة كادحة أو دون عائلة. إن الأسباب مفهومة .. اليس كذلك؟
ماهي بالضبط التطورات الاساسية التي يمكن رصدها في أفلام مختلفة؟
إنها أفلام تعد بالأصابع ، قسم منها انتجها القطاع العام ، والآخر فلتات تجريبية لا تشكل قاعدة متينة لانطلاقة جديدة. وإذا عزلنا تقنياتها المتطورة قليلاً ، نجد أنها تعيش في دائرة الخوف البورجوازي الصغير. هذه الصفة الأخيرة هي التي جعلت منها ذات بناء ثوري في الظروف المصرية المعاصرة.
إن السينما المصرية لم تتحرر بعد من طغمة السينمائيين (الاجتماعيين) التقليديين، ممثلي العهد الاقطاعي الفاروقي ، يشاركهم سينمائيون من البورجوازية الريفية المستنيرين بالعلم والتكنيك.
والفئة الأخيرة تلعب على حبال عديدة في صناعة السينما، فهي ضد الإقطاع لكنها تستثمر فكراً اقطاعياً ، وهي ضد الاشتراكية لكنها تتضامن مع دولة القطاع العام في ظروف انعدام التنظيم الفلاحي، وهي أخيراً علمانية في المدينة في ظروف خاصة، دينية في الريف، موضوعية ووضعية في أوساط المثقفين وأساتذة الجامعة.
ترى ماذا تستطيع هذه الفئات في ظروف المجتمع المصري أن تقدم غير اللعب الجميل؟!
إعادة صياغة فيلم مصري
ما الفيلم المصري الذي يطوي في داخله كافة التصورات السيكولوجية والاجتماعية لأكثرية الأفلام المصرية؟ بهذا المعنى قدمنا استفسارا وتحدثنا فعلا عن السينما المصرية من خلال شرائح متعددة وضعناها الواحدة على الأخرى، كما وعدنا بإعادة صياغة أحد الأفلام المصرية على الأساس نفسه.
إن اختياري لأحد الأفلام لم يتطلب بصيرة خاصة، فلقد حدث أن شاهدنا وما زلنا نشاهد مئات الافلام المصرية، والمعنيون بالثقافة راقبوا بأسى اهتمام الناس وشغفهم بها ، متفقين على أنها سيئة وذات تأثير ضار على عواطف الناس وذائقتهم . إن شغف الناس بهذه الأفلام يجب الا يدعونا إلى الحكم على ذائقتهم وثقافتهم بالفساد . بالعكس يجب الإشارة الى أوضاعهم حتى النهاية، كما أن هذا الحكم لن يفيدنا بشيء. لكن لنا أن نتساءل عن الأسباب الحقيقية وراء هذا الشغف ونفتش عنه في الفلم المصري نفسه، بحيث يمكن أن يكون نقد الفلم المصري هو نفسه نقدا للذوق العام . علينا قبل كل شيء أن نعرف الآليات التي يعتمدها الفلم المصري في التأثير، أي عواطف يقدم، أي عقد قصصية، أي سيكولوجية. هذه المعرفة تزودنا برؤية صحيحة للمشكلة. هذه المهمة لا تحل بتوفير أفلام جديدة فقط ، بل وفي عرض الحقائق على الناس ايضا.
الفيلم الذي اخترناه للتحليل والتشريح اسمه (حب حتى العبادة) . إنه فيلم يسلم لنا تلك الآليات التي أشرنا إليها . إنه فلم أنموذجي!
السر الأول
محامي مشهور (حسين رياض) يعيش مع ابنه الوحيد المهندس الناجح (صلاح ذو الفقار) بتفاهم كامل . بدأ الابن يحب فتاة (زيزي البدراوي) وعدها بالزواج ، وفعلا يخطبها من أمه (عقيلة راتب) التي ما أن تعرف اسم أبيه حتى تشعر بالغضب. لقد كانت موافقة ولم تعد كذلك الآن . ما السر في هذا الانقلاب؟ بدوره ما أن عرف الأب اسم الأم حتى راح يغضب ويزبد. ما السر؟ هل الفتاة سيئة؟ الابن لا  يدري. بات في دوامة، والثقة بأبيه راحت تتزعزع . لقد شعر بوجود أمر لامنطقي مع سوء نية، فاصطدم بأبيه وغادر البيت يائساً من معرفة الأسباب. لكننا سنعرف من خيط جانبي أن أم الفتاة كانت الزوجة السابقة لأبيه، وأنها خانته فكرهها وطلقها. هذه الخيانة سنعرفها في نهاية الفلم بعد موت الأب.
أين يذهب الغاضبون واليائسون والمطعونون بالقلب، أيا كانوا، أشرافاً وغير أشراف؟ الرجال الى الملهى والنساء الى الحضيض. هذا ما حدث للابن. لابد من تمريغ اليأس، والإنسان نفسه ، في الوحل، لكي نقتنع أن التطهير النفسي ممكن، لكن بعد السقوط. والآن هاهو الابن اليائس بدأ يعشق راقصة ، وهذه بدورها بدأت تحبه : حب لذيذ ، غريب جداً ، فحيثما ترتفع الشهوانية الجنسية تبدأ الموسيقى بالضرب المفزع والمنبه. ماذا؟ إن علاقتهما أشبه بعلاقة أصدقاء، لكن النظرات والجسد والرقص، كل هذا يعصف بالرأس ، ثم لا يحدث شيء بالمرة . إنهما يخافان من شيء مجهول غريب. في أحد المرات كانا وحدهما في غرفة : صمت،  نظرات تلتقي، الموسيقى تتصاعد والتنفس يهدر، وعند لحظة الفعل، إذ لامفر من قبلة وملامسة جسدية، تهب عاصفة وتبرق السماء وينفتح شباك بقوة. هو ذا النذير السماوي أخيراً.. ويفترقان على نار، وعلى خوف، وعلى سر.
سر آخر
وصلت أخبار العلاقة السيئة التي تربط الابن بالراقصة إلى الأب الذي بات يعيش وحيدا. الفتاة التي احبها ابنه سابقا تزوره في البيت وتستجدي عواطفه باللوم : انظر ماذا فعلت بابنك .. ماذنبي أنا؟ وينهار الأب عاطفياً. عندما تغادر الفتاة ، تتصاعد عند الأب مشاعر الذنب، بالأحرى ذنبان – وههنا حكاية جديدة – إذ أن الاب سبق أن اقترف خطأ قديماً، فقد طرد زوجته – أم ابنه – وتزوج من أم هذه الفتاة ثم طلقها، وأخبر ابنه وهو ما زال صغيراً أن أمه ماتت.
بعد الندم يأتي التفكير: أين هي زوجتي أم ابني حبيبتي؟ الخادمة التي تعرف الأسرار تبكي تضامناً وتخرج من أحد الجرار صورة امرأة وتتأملها بحزن . تقترب الكاميرا من الصورة فإذا هي صورة الأم.. إنها الراقصة التي يحبها الابن!
سنشارك الأب الإحساس بالعار، ونتحول إلى الإحساس بالعطف والشفقة على الجميع . هناك التوتر بالطبع ، إذ لابد من منع الابن من اقترافه جريمة كبيرة . إننا من دون أن ننتبه نشترك في مهزلة أخلاقية لا يمكن أن تحدث ، ولابد من منع وقوعها بأي ثمن . إن قلوبنا تدق فزعاً منتظرة ما تخطه الاقدار.
ثمة "أوديب" واحد وقد مات، والآن يجب منع الاوديب الجديد: وقد حدث عن طريق المصادفة أنه أثناء ماكان الأب يبحث عن ابنه أن رأى زوجته السابقة التي طردها "الراقصة" .. كلام ، أسف، يأس. إنه لا يعرف بعد أنها هي من لها علاقة بابنه. ثم يكتشف الحقيقة بمصادفة الدخول إلى غرفة والخروج منها ثم العودة إليها: ياللهول! ياللفظاعة! ياللجريمة!. الابن عرف الحقيقة.. فياللعار!
والآن، كيف يمكن أن تعاد خيوط المصائر الى الوضع الطبيعي وينتهي الصراع؟ الأب يموت . إنه المسؤول عن كل هذه الدراما . لكن على الابن مهمة تصليح ما تخرب. إنه يذهب الى أمه ويقول لها الحقيقة الرهيبة ويدعوها أن ترافقه الى البيت. تمانع . إنها راقصة لا تستحق هذا التقدير، لكنه يدعوها لأنها أمه ويقول إن حب الابن لأمه هو (حب حتى العبادة) – وهذا هو اسم الفيلم . ولسوف تنزع رداء الراقصة وترتدي الأسود حزناً على الراحل.
قصة أخرى
لا لم ينته الفيلم. هناك قصة جديدة في داخل. بعد إصلاح الأخطاء العائلية لابد من معالجة المكانة الاجتماعية. نحن نعرف أن الابن مهندس ناجح طيب وخدوم يحب الغلابة العمال. يصادف الآن أنه مرشح في الانتخابات النقابية لأحد المعامل الصناعية ، وسنعرف كذلك أن أحد أصدقائه المهندس "عمر الحريري" الذي ينافسه على احتلال قلب فتاته "زيزي البدراوي" ينافسه الآن على احتلال المنصبين: رئاسة النقابة وقلب الفتاة!
ماذا يفعل هذا الصديق كجزء من هذه المنافسة المضاعفة؟ إنه غيور وحسود وكذاب. إذن سيشهّر بصديقه أمام العمال : أيها العمال هل تنتخبون شخصاً يعشق راقصة ويقضي لياليه في الملاهي؟ العمال الغلابة يقولون لا ، لكنهم من جهة أخرى يحبون مهندسهم طيب القلب الذين عرفوه وخبروه. وهكذا تنقلب الانتخابات إلى تفضيلات أخلاقية وتشهيرات وخطب عن غضب الرب . ويتصارع الأقطاب في الاجتماع الانتخابي بهتافات مضحكة : يعيش المهندس ... يسقط المهندس عشيق الراقصة، الخمرة، الليالي الحمراء.. الخ. أليس غريباً أن أن يكون ممثلي العمال من المهندسين؟ أين يحدث هذا وكيف؟ إن أخلاقيات الفيلم المصري لا تخجل من اللعب على الكادحين . بالرغم من ذلك ، فهي بطريقة ما تعكس الوضعية القائمة في الحياة النقابية المصرية التي تتحكم فيها الدولة.
ينتهي الفيلم بخطاب أخلاقي صارم يلقيه المهندس الطيب.. خطاب يجعل الجميع يخجل ، ثم يغادر القاعة الى البيت. لكن العمال الذي اضطرم الخجل في داخلهم وأحسوا بالعيب وتأنيب الضمير، ومعهم مرشحهم الشرير، يسيرون بتظاهرة تشق الشوارع وتقف أمام بيت المهندس الطيب وتهتف بحياته ، والأخير يظهر ويحييهم ويتفق الجميع على نسيان الماضي!
هل نحن بحاجة إلى تحليل؟



المشاركة السابقة : المشاركة التالية