جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » مراجعات


مقدمات لمكتبة شخصية .. خورخه لويس بورخيس


ترجمة: عباس المفرجي
«دع الآخرين يتباهون بالكتب التي كتبوها؛ أنا أتباهى بالكتب التي قرأتها.» هذه هي العبارة المضبوطة التي عرَّف بها خورخه لويس بورخيس ميله للقراءة، وكيف كرّس نفسه لها. في تاريخه المؤثّر من حياته كقارئ، طلبت منه دار النشر هيسباميركا الارجنتينية عام 1985 انشاء مكتبة شخصية من 100 عمل أدبي عظيم وكتابة مقدمة لكل كتاب منها.
رغم إنه لم يضع سوى 74 عنواناً قبل وفاته عام 1988، كانت اختيارات بورخيس شيّقة وذات خصوصية متميّزة.
ضمّت قائمة مكتبته الشخصية حكايات مغامرات لروبرت لويس ستيفنسون وأتش جِي ولز الى جانب كتب مقدّسة غرائبية، شعر ياباني من القرن الثامن وتأمّلات كيركجارد. نحن نعرف بورخيس بوصفه كاتباً عظيماً، وواحد من روّاد الحداثة في أدب اميركا اللاتينية، فمن الشائق أن نرى فيه جانبه الآخر، القارئ. من بين قائمة المكتبة الشخصية اخترنا مقدمة كتاب دوستويفسكي "الشياطين".
المترجم

مقدمة للمجموعة
مع الزمن، تشكّل ذاكرة المرء مكتبة يائسة، مؤلَّفة من كتب أو صفحات قراءتها كانت متعة ويودّ المرء لو تقاسمها مع آخرين. نصوص هذه المكتبة الشخصية هي ليست بالضرورة شهيرة. السبب واضح. الأساتذة، هؤلاء الذين يوزعون الشهرة، يهتمون بالجمال أقل مما يهتمون بالتواريخ والتغيّرات الأدبية وفي التحليل المسهب للكتب التي كُتِبَت من أجل هذا التحليل، لا من أجل متعة القارئ.
القصد من هذه السلسلة جلْبُ متعة كهذه. سوف لن أنتقي عناوين وفقاً لعاداتي الأدبية، أو لمعيار تقليدي، أو لمدرسة أو أمّة أو عهد معين. أنا قلت مرّة: «الآخرون يتباهون بالكتب التي كتبوها؛ أنا أتباهى بالكتب التي قرأتها.» لا أعرف إن كنت كاتباً جيداً، لكني أعتقد أني قارئ ممتاز، أو على أي حال، قارئ حسّاس وممتن. أردتُ أن تكون هذه المكتبة متنوعة مثل الفضول المشبَع الذي قادني، والذي يواصل قيادتي، في استكشافي لآداب ولغات عديدة جدا. أعرف أن الرواية ليست أقلّ زيفا من القصة الرمزية والأوبرا، لكني سأضمّ روايات لأنها هي أيضا لها اهتمام في حياتي. هذه السلسلة من الكتب المتخالفة هي مكتبة تفضيل.
ماريا كوداما  وأنا طفنا العالم برّا وبحرا. زرنا تكساس واليابان، جنيف وطيبة، والآن، لجمع النصوص التي هي جوهرية بالنسبة لنا، سافرنا عبْر أروقة ودهاليز الذاكرة، كما كتب القديس أوغسطين.
الكتاب هو شيء بين أشياء، كتاب مفقود بين الكتب التي تقطن الكون اللامبالي، حتى يلتقي قارئه، الشخص المقدّر لفكّ رموزه. ما يحدث بعدئذ هو تلك العاطفة الوحيدة التي تدعى الجمال، ذلك الغموض الجميل الذي لا السايكولوجيا ولا النقد يمكنهما وصفه. «الوردة ليس لها لماذا،» قال انجيلوس سيلسيوس ؛ بعد قرون، أعلن ويسلر ، «الفن يحدث.»
آمل أنك ستكون القارئ الذي تنتظره هذه الكتب.
[1985]
فيودور دوستويفسكي، "الشياطين"
مثل اكتشاف الحب، مثل اكتشاف البحر، اكتشاف دوستويفسكي يؤشر على تاريخ مهم في حياة المرء. يحدث هذا، في الغالب، في سنوات المراهقة؛ سنوات النضج تبحث عن كُتّاب أكثر هدوءً. في عام 1915، في جنيف، قرأت بنهم "الجريمة والعقاب" في النسخة الانكليزية المقروءة جداً بترجمة كونستانس غارنيت . تلك الرواية، التي بطليها قاتل وعاهرة، بدت لي لا تقلّ رعباً عن الحرب المحيطة بنا. بحثت عن سيرة حياة المؤلف. هو الذي كان إبنا لطبيب عسكري مات مقتولا، عرف دوستويفسكي (1821-1881) الفقر، المرض، السجن، النفي؛ التمرين المواظب على الكتابة، السفر، والمقامرة؛ و، في نهاية أيامه، الشهرة. اعتنق مذهب بلزاك. متورطاً في مؤامرة غامضة، حُكِمَ عليه بالموت. في الطريق الى المشنقة، حرفياً، حيث أُعْدِم رفاقه أستبدِلَ حُكْم دوستويفسكي، لكنه قضى أربع سنوات أشغال شاقّة في سيبيريا، لم يمكنه نسيانها أبداً.
درَسَ وفسَّرَ يوتوبيات فورييه، أوين، وسانت سيمون. كان اشتراكياً ومن دعاة السلافية. تخيّلتُ وقتذاك أن دوستويفسكي كان نوعاً من إله عظيم لا يُسبَر غوره، قادراً على فهم وتسويغ كل الكائنات. كنت مشدوهاً من تنازله الى مجرّد سياسي، من تجريمه وادانته.
قراءة كتاب لدوستويفسكي يعني دخول مدينة عظيمة مجهولة لنا، أو دخول معركة. "الجريمة والعقاب" كشفت لي، من بين أشياء أخرى، عن عالم يختلف عن عالمي. حين قرأت "الشياطين"، حدث شيء غريب جداً. أحسستُ أنّي رجعت الى وطني. السهوب الروسية كانت تكبيراً للبَمْب  الارجنتيني. فارفارا بتروفنا وستيبان تريموفيتش فيركوفنسكي كانا، برغم اسميهما صعبي المأخذ، أرجنتينيَين لا مسؤولَين قديمين. بدأ الكتاب مع فرح، كما لو كان الراوي يعرف نهايته المأساوية.
في مقدمته لانطلوجيا الأدب الروسي، صرّح فلاديمير نابوكوف بأنه لم يجد صفحة واحدة عن دوستويفسكي جديرة بالتضمين. هذا يجب أن يعني أن دوستويفسكي لا ينبغي أن يُقيَّم بكل صفحة بل بالمجموع الكلي للصفحات التي تشمل الكتاب.
[1985]

الهوامش:
ماريا كوداما (1937-)، أرملة خورخه لويس بورخيس، وهي كاتبة ومترجمة واستاذة جامعية ارجنتينية من أصل ياباني. كانت السكرتيرة الشخصية للكاتب في 1975، ثم زوجته في 1986. هي رئيسة المؤسسة العالمية خورخه لويس بورخيس. في عام 2008، باردت بتأسيس متحف مكرّس لبورخيس – المترجم.
  انجيلوس سيلسيوس (1624-1677)، اسمه الحقيقي يوهان شيفلر، قس كاثوليكي وفيزيائي ألماني، معروف بكونه شاعرا صوفيا ودينيا – المترجم.
  تشارلز ويسلر (1856-1913)، كاتب روايات تاريخية انكليزي. تدور رواياته بين القرنين السابع والحادي عشر، ومبنية على الملاحم الساكسونية، النرويجية أو الدانماركية – المترجم.
  كونستانس غارنيت (1861-1946)، مترجمة إنكليزية للأدب الروسي في القرن التاسع عشر. كانت أول انكليزي يترجم لدوستويفسكي وتشيخوف، وواحدة من أوائل المترجمين الي الانكليزية تقريبا كل أعمال تورغنيف، غونتشاروف، اوستروفسكي، هرزن وتولستوي. ترجمت بالكامل 17 كتابا من الأدب الروسي، الكثير منها ما زال يُطبَع – المترجم.
  pampa – سهل معشوشب مترامي الأطراف في اميركا الجنوبية – المورد.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية