جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » مراجعات


العمارة وجنّي المكان لدى معاذ الآلوسي


عبدالسلام صبحي طه
دُعيت قبل أسابيع لحضور محاضرة للمعمار معاذ الآلوسي قدمها في جامعة الزيتونة، بالعاصمة الأردنية عمّان، تحت عنوان  (العمارة والهوية). العم الآلوسي بالطبع غني عن التعريف فهو أحد شيوخ العمارة البغدادية، كان إلقاؤه كلقياه عفوياً لذيذاً وهو يسترسل بفيوضه الممتعة (يدعوها حكايا ودردشة من دون تكلّف لتسهيل التقبل والتواصل مع الحاضرين).
انطوى موضوع محاضرته على أهمية عظيمة كونه يمسّ عصب الهوية وتشكيلاتها في عالم يزخر بالمدارس الفكرية والفلسفية المتقاطعة التي تعتبر العمارة إحدى تمظهراتها. وسأدون انطباعاتي عن المحاضرة في شقين، أولهما مثال عن عمارة عراقية محلية، ما لها وعليها، وثانيهما سرد لأمثلة عن عمارة معولمة  بلا ملامح أو ارتباط بموروث.
العمارة المحلية
1- جنّي المكان: لكل مكان خصوصية نابعة من الموروث، هي أشبه بتيار مستمر غير مرئي من طاقة، يدعوها الآلوسي بـ"جني المكان المحلي"، هو ما يفتش عنه دوماً، ويحاول محاورته والعمل معه، كشريك أصيل  في مشاريعه.
ولبغداد وفرة من الجان توازي عدد مناطقها ومحلاتها، فهناك جنّي رصافي وآخر كرخي، وفي داخل كل محلة ستتعثر بجنّي، له رائحة مميزة تشبه رائحة الطبخ وأنت تنتقل من دربونة إلى أخرى. ومن الجدير بالذكر أن الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار قد استنبط مصطلحاً مقارباً دعاه "روح المكان".
2- نقطة الارتكاز: هي السُرّة (الروحية- الاجتماعية) للبيت والعائلة، التي يتجمع حولها كل ما هو حي كدفء الشمس وضوء القمر والشجر والبشر والعصافير... إنها فضاء تتنفس فيه الحياة وسط بيئة حارة ومغبرة، ورد إبداعي لإنسان هذه الأرض على البيئة، ومحاولاته التناغم معها بطريقة فطرية وعبقرية في الوقت ذاته، حسب رأي كاتب المقال. إن لفكرة المرتكز ربما جذوراً تاريخيةً موغلةً في القدم، متغلغلةً في روح هذا الشعب، تمتد إلى عصر رواد الحضارة العراقية القديمة، ففي أوروك (الوركاء) وتصميمها الفطري (حوالي 3500 ق. م) معبدان أحدهما للإله آنو والآخر لإينانا، ومن حولهما شُيّدت الدور، حيث تتجه واجهاتها صوب المعبد، فكانت فكرة الانبثاق الأول (للسُرة أو القبلة)، وهي مرتكز المدينة.
يتفاخر الملك كلكامش بأنه نفّذ مشيئة الآلهة وسوّر أوروك وجعل لها بوابات، وقد يكون للموضوع، إذاً، بعد روحي متأصل قديماً، حيث كل الموجودات تعيش وتطوف حول نقطة ارتكاز مقدسة، وما كان يحصل خارج الدار (ربما !)  إنسلّ الداخل، حيث عثر ليونارد وولي على مخطط دور سكنية ترقى إلى عصر أور الثالثة (حوالي 1900 ق. م)، لعلها الأصل في فكرة الحوش العراقي المرتكز على فكرة الانفتاح نحو السماء، وخلق فضاء معيشة مسوّر.
3- التكرار: بلغت هندسة العمارة في المدرسة المستنصرية ببغداد أوجها، وهي ترجمة حية مكثفة لأفكار المعمار العراقي العربي، حيث تلاحظ في المبنى تجسيداً للكثير من التفاصيل، التي ربما تمر عليها من دون أن تستوقفك. تدهشك حركة معمارية ، لا أروع منها، هي التكرار في الأقواس والشبابيك والمقرنصات، ويجعلك الايقاع تدور كالعارف في حلقة الصوفية. هذه فلسفة محسوبة وليست محض حل إنشائي أو تفصيل تزويقي. لدى كاتب المقال مقاربة لموضوعة التكرار في الشعر العراقي القديم، حيث يتم تكرار الكلمات والجمل، وربما يبدو ذلك مملاً لقارئ اليوم، لكنه كان ثابتاً فكرياً موغلاً في القدم تغلغل وتمظهر بشتى صنوف الإبداع، وربما كان له نصيب في العمارة.

المدرسة المستنصرية و مدينة بغداد المدورة
4- الطين: جُبلت حضارة الإنسان العراقي بشكل متفرد من الطين، الذي تشكل بعبقرية الإنسان في مظاهر مختلفة، من رقيم المعرفة المسماري، الذي قد لا يتجاوز حجمه علبة الكبريت إلى الطابوقة (الآجرة)، وهي الخلية الإنشائية التي شاد بها معابده ومسكنه وسوّر مدينته.
الشيخ الآلوسي يحترم الطابوق، يتحسسه، يشمه، يثمل برائحته ويفيض به إبداعاً، أفاريز ودلكات خارجيةً (أعمدة مغلفة بالطابوق)، وسطوحاً و بيوتاً واطئة الكلفة، ومنها بيته في الحي العربي بمنصور بغداد، تجربة لمسكن مثالي قليل التكلفة من مواد وتقنية بناء محلية، مادته من طين وماء دجلة، السقوف معقودة بأيدي أسطوات ورثوا شرف المهنة أباً عن جد، والقوس البغدادي المتغلغل وريث التاريخ يرفرف فوق الواجهة  كشراع دجلة.

بناية مستشفى الوزيرية والتنفيذ بالمواد المحلية والاتقان على طريقة المعلم  الآلوسي البغدادي
5- محاولة لفهم ظاهرة  ترييف المكان: في محاولة لفهم كارثة رثاثة الذوق الحالي في العمارة  المحلية، يقف الآلوسي على تجربة حية قام بها عام 1986، خلال شروعه في مشروع تطوير إحدى الاحياء السكنية الشعبية  ببغداد، فقد أعطى علب أصباغ للسكان لطلاء واجهات دورهم، فاختار الكثير منهم اللون الأحمر، لكنهم نفذوه بتشوش بصري واضح ( وهذه ظاهرة لها دوافعها الاجتماعية و الاقتصادية بالطبع)، لكننا نرى صداها قد تكرر في حملة تغليف واجهات البنايات التجارية باللون الأحمر بشكل رث بعد غزو العراق في 2003. كما ذكر، في الوقت ذاته، اورد شاهد حي مشابه من مدينة إشبيلية الأندلسية في جنوب إسبانيا، يتمثل باستخدام الطلاء الأحمر على واجهات بعض الأبنية، لكن بطريقة أكثر أناقةً و تناغماً مع البيئة.
حي شعبي في بغداد  في بغداد – 1986    تغليف بناية في قضاء النعمانية -  بعد 2003

واجهة بناية في مدينة أشبيلية
6- شارع حيفا: هل كان نصف نجاح أم نصف فشل؟
التزم الآلوسي بالمشروع لا لرغبته في تدمير النسيج السكاني لمنطقة عشقها، وله فيها جذور ممتدة، بل حاول ما أمكنه تقليل الخسائر، فالمشروع كان سينفذ بيده أوبأيدي سواه. كانت الفكرة تقوم على  تقليل  الارتفاع البشع للأبنية (العمارات الفنلندية البيضاء)، مع الاحتفاظ بالقدرة على الاستيعاب السكاني، وقد وجه بعضهم نقداً للمشروع زاعماً أن كفتي النجاح والفشل غير متكافئتين، غير أن  الآلوسي اعتبر ذلك المشروع أحد أهم مشاريعه.

تأملات وآراء في العمارة المعولمة
1- زها حديد:
عمارتها تحلق بأجنحة من خيال، تستشعرك وكأنها لا تريد أن تحط بك على أرض، خطوط كومبيوترية ممطوطة لا رادع لها سوى المخيال، فالهوية في العمارة قد لا تكون من ثوابتها. ففي قبرص نُفِذ لها مشروع لجسر بإضاءة مبهرة في أيامه الأولى (فايبر أوبتك)، وقد وجه الآلوسي الكثير من النقد لهذا المشروع رغم معارضة القبارصة لتحفظاته. زها حديد أصبحت الآن ظاهرةً بين المعماريين الشبّان، الجميع يستسهل مداعبة خياله على الكومبيوتر.
2- مدن الصدفة:
دبي وأخواتها، الممولة من الوقود الأحفوري، يعتبرها الآلوسي مدناً بلا حشمة، ولا اعتبار للثوابت، إنها محض خوازيق كونكريتية بتكوينات من زجاج وفولاذ منبثقة من التراب باتجاه الفضاء، لا تصلح لتقديم وجبة معرفية حضارية، كل شيء مستورد حتى الإنسان الذي رفع قواعد تلك الأبراج الفارهة التي يجري تسويقها بإحضار نجوم عالميين للقفز من أعلاها، أو حتى استضافة مباراة تنس على سطوح فنادقها.
3- قلق الإغريق:
قبرص جزيرة إغريقية لا علاقة لها بالإغريق، تشبه طاولة مزات ملونة بما  لذ وطاب،  حيث ينهال المعماريون على الأرض العتيقة من كل حدب وصوب، منذ برلين الشيوعية وانتهاءً بزمن العمارة الكومبيوترية، هناك تشتتٌ بصريٌ منفر يصفق له سكان الجزيرة بدهشة مثيرة للشفقة.
4- الكونغو:
حيث عمل الآلوسي ردحاً من الزمن، وفشل في التحاور مع جني ذلك المكان.
ربما كان أفريقياً فرّ بذيله وهو لا يلوي على شيء جراء المجاعات والحروب. هناك عمارة كولونيالية، لكنها محض منجز مستورد لا علاقة له بالبيئة المحلية. صمم الآلوسي في تلك البلاد، على مضض، قصراً لحاكمها وآخر لوالدته من دون الاستعانة بالجان.
في نهاية المحاضرة فُتِح باب الحوار مع الحضور، وكانت مشاركات الطلبة خجِلة، مما دفع
الاستاذ الآلوسي إلى أن يختمه بكلمة، خصّ بها الجيل الناشئ، أكد فيها أن "معمار اليوم
يحتاج إلى أن يعي أنه فنان مُجيد رائد في مجال تخصصه، لا مجرد رسام على جهاز
الكتروني، وأسير رغبات رب العمل. يحتاج هذا الجيل إلى أن يثقف نفسه ويعي تاريخه
وتراثه، ويسافر كثيراً ما أمكنه ذلك. العمارة إنسكلوبيديا تحتاج إلى الكثير من البحث المعرفي".
معاذ الآلوسي، وقد تجاوز العقد الثامن من العمر، ما زال يحتفظ بروح شابة متفردة، ويتفاخر بتبغدده، وعشقه للحياة والحسناوات، بمسكنه المكعب على ضفة دجلة، والذي دخل خلسةً إلى القائمة الطويلة للبوكّر من خلال رواية للأديبة عالية ممدوح تحمل عنوان (التانكي). 
دار الآلوسي في بغداد و الشهيرة بالمكعب ومرتكزه الفناء الداخلي
كنت طوال صحبتي له، في زيارته الأخيرة إلى عمان، أحاول عقد مقارنات بينه وبين أبطال الإغريق، لعلمي بولعه بآلهتهم وشخوص أساطيرهم، من عوليس المتغرب والمفتون بإيثاكا البعيدة إلى زوربا الفيلسوف بروحه الطفلة، وهو يفيض دهشةً، ويرقص على أنغام سنوات العمر. تحدثنا طويلاً عن السينما وآلهتها، و كيف استوقفه فديريكو فلليني في رائعته (لاسترادا)، التي ربما ألهمته عنوان كتابه الثالث (ذرُومُوس ويعني ترجمةً عن اليونانية  الطريق أو الدرب) وهو الكتاب الذي خصصه  لحكاية مهنته كمعمار، في نهاية الرحلة وعدني أن نلتقي مجدداً في زيارته المرتقبة عند حلول الربيع القادم، تمعنت طويلاً في قسمات وجهه المستدير الذي خطته السنون، فإذا بي أطالع فيه خارطة مدينتي الحبيبة بغداد.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية