جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » زمان ومكان


كراساتي الباريسية


مقاطع
لطفية الدليمي

وليمةٌ مُحرّمة
لم يكن وُجودي في باريس التي يحلم بها الآخرون إلاّ محض مصادفة مربكة لم أحْتَطْ لها، لم أضعها في الحسبان ولم أحلم بها أو أخطط لها، وبالتالي لم أنبهر بها كما ينبغي لمن يراها أوّل مرّة ؛  فقد كنت في غاية الإرتباك والحيرة  عندما قررت البقاء فيها ،
ووجدتُني في موقف تستحيل معه العودة إلى بغداد مثلما لايسعني الرجوع إلى الأردن ثانية من غير تأشيرة - قد لاأحصل عليها - بعد أن غادرت  عمّان لحضور مؤتمر حرية الإعلام الذي أقامته اليونسكو في باريس سنة 2007 .  كنت حينها رئيسة تحرير مجلة (هلا الثقافية ) التي تُعنى بالتنوير وجماليات المكان العراقي ومعالم حضارته (توقفت المجلة حين كان العدد الخامس في المطبعة ) خلال الحرب الطائفية ،كنت في حيرة  لاأرى من ورائي سوى العتمة والخوف ولاأبصر أمامي غير المتاهة .
جمالُ باريس المهرجاني المتاح ليس لمثلي ، ليس لنا ، هو امتداد تأريخيّ  لأهلها يترافق  مع الفكر والفلسفة والأدب والفن ، يؤطره النزوع البشري نحو المُتَع وهَوَس التأنق الذي يبلغ حد أن يكون آيديولوجيا وعقيدة ومعياراً للحكم على البشر .
جمالُ باريس الفريد يتواشج مع أنفاس ناسها ومبدعيها وسياساتها وعثرات اقتصادها ، يلقي الجمال وشاحاً من السحر على معضلات فرنسا وسياستها ، ويموِّهُ عثرات العيش وبعض عنصرية كامنة تبرز بغتة  لدى فئة من أناسها .
لايسعُني الإمساك بشيء من باريس ولا يمكنني تحاشيها ، وسيكون عليّ أنا الغريبة أن أتعامل معها وكأنها وليمة محرّمة لاتخصّني ؛ ولكني أرى بعض مايتبدى للعابرين من أطايبها ، تفتنني روائحها وأناقتها وتنوّع مذاقاتها ثم أحيد عنها فهي لم توجد لأجل الغرباء والعابرين ، صنعها أهلها لحياتهم لتقوم على أبهة يتخالط فيها الأرستقراطي المتعالي مع البورجوازي المتاح ، عقيدتها الحرية ومعبودها الجمال ، تعززت هذه العقيدة ورسخت سلطتها عبر مائتي عام بعدما انطلقت أولى إشعاعات التنوير التي بشر بها الفيلسوف ( كوندورسيه ) و ( إيمانويل كانت )  و ( ديدرو ) حتى غدت مدينة العقل والعواطف المتأججة في آن معاً ، مدينة المتع والغانيات الشهيرات إلى جانب كونها مدينة الفلسفة والفن والجدل العقلاني المؤطر بنفحة كاثوليكية .
كنت أسير وحدي في متاهات أزقتها الضيقة  أو شوارعها التي تؤطر أرصفتها المقاهي والضحكات وأشذاء القهوة والأنخاب ، خيّل إلي أنني ألمح شبح الكاتبة ( جورج صاند ) رفقة معشوقها الموسيقار ( شوبان ) وهما يترجلان من عربة تجرها الخيول ، أسمعها تتحدث عن كل ما أصاب فرنسا خلال واقعة (كومونة باريس ) وبعد انحسار جحيمها من إراقة دماء وخراب وثأر ونهب وتدمير مبانٍ وتماثيل ونصب عظيمة . كان الموسيقار شوبان ساهماً يفكر بإحدى مقطوعاته الليلية ، بينما كان ظلُّ ( غوستاف فلوبير ) يلاحق  شبح ( جورج صاند ) ويعارض مقولاتها ومواقفها المؤازرة للجمهورية ، و صوته الأرستقراطي  العميق يرفض فكرة المساواة :
- كيف يبرِئون القتلة ؟  إن كلماتٍ مثل مملكة وجمهورية ستجعل الأجيال القادمة تسخر منا ، نحتاج إلى نخبة أرستقراطية تُعيد التوازن  لبلادنا . إن أفظع ما حدث لنا وما أعدُّه عار جنسنا البشري هو التصويت العام الذي يسمح بسيادة عنصر واحد على بقية عناصر الشعب . عليكِ ياصديقتي أن تتعلمي الكراهية لتري الحقيقة .....
تردُّ عليه :  وإذن تريدني أن ( لاأحب ) ، أن أتخلى عن إنسانيتي ، عن الشعب الذي هو أنت وأنا وأهلي وأهلك ، أعلم أن فرنسا تعاني سكرات الإحتضار ، هذا صحيح ، وقد إنتابنا الجهل والمرض والفساد والفشل ، فإذا قلتَ أن هذا  قدرنا فسيكون قولك ياصديقي تأكيداً للخرافة ، وإذا قلتَ سيان لدي وأن الأمر لايهمني لكنت مخطئًا ؛ فالطوفان سيجرفنا جميعاً ، وعبثاً ستحاول التراجع وتنسحب  ، كلُّ ملاذاتنا ستغرق حينها ونغدو عراةً  مع الجميع .....
تماثيل ونافورات
لحظةَ رأيت باريس المعاصرة غمرتني بالحبور والمتعة هيئاتُ التماثيل الكلاسيكية والمنحوتات الحديثة والنوافير الراقصة والمسترخية التي تتخذ هيأة شلال ناعس يشيع الحياة  بهمهمات جذلة ، من بلاد الماء والظمأ أتيت إلى مدينة تتدفق فيها مياه الينابيع التي تهب الريّ للعابرين وتتدفق من فوهات أسود ودلافين ، ثرثرة النوافير وأغاريد ( إديث بياف )  أزاحت مشاهد الثورة الفرنسية والكومونة التي أثارتها في نفسي ساحةُ الباستيل وعمودُها التذكاري المنقوش على جهاته أسماء الضحايا من السجناء ، سحرتني النوافير وسبلُ ماء العيون ؛ فقد جئتها من بغداد التي تحتضن نهراً عظيماً لكنها  - وياللأسف - تكابد ظمأ مريعاً للحياة .
تخيلت باريس ؛ غير أني  لم أحلم بها  لسبب بسيط:  أُغويتُ منذ زمن بعيد بمدينة لندن وفضائلها التي ميّزها إنحيازي لها على مدن أوروبا أجمعها ، لا تربطني بباريس غير استيهامات غامضة عن الحرية والفن والكتب والمتاحف والنهر والعُشاق ومقاهي الأرصفة ، وأعلم أن المدينتين تشتبكان بوشائج وتناقضات وذاكرة حروب واختلافات خفية ومعلنة بين العرق ال *** وني والعرق الغاليّ ؛ فهما مدينتان عالميتان كانتا تتصارعان على سيادة عالم ماقبل الحرب العالمية الثانية ، تتجه إليهما أسهم السياسة والإقتصاد وأحلام المهاجرين من قارات كانت قد استعمرتها الدولتان ، مع ذلك فلندن وباريس تمثلان لنا مركزية الثقافة الغربية وهما مدينتا  فلسفة وروايات وعلوم وقد قُدِّر علينا - نحن سكان الهوامش - أن نقرأهما وننشغل بهما طويلاً ونغفل عن مُدوّنات حضارتنا الفريدة المهملة ، عرفنا أنهما مدينتا قوانين ومدونات عدالة وأحلام حرية ؛ فلندن تباهي بوثيقة ( الماغنا كارتا ) وباريس تزهو بشعار ثورتها الذي سألني عنه المُحاضِر في جلسة الإندماج الأولى ورحتُ أتحدث عن الثورة الفرنسية ورموزها كأنها ثورتنا وبعض تأريخنا !! .
تتعارض المدينتان في تفسير الجوهري والعارض إزاء وعي الجمال :  لندن لها " إميلي برونتي " و " ديكنز "  و " كاترين مانسفيلد" ولباريس " فكتور هوغو" و " بلزاك " و " بروست "  و " ألبير كامو "  ، وهناك " دي .إج .لورنس " و " أوسكار وايلد " وهنا " بوريس فيان " و " المركيز دو ساد " الذي زرت قلعته الشاخصة فوق هضبة صخرية قرب قرية لاكوست  ، هناك " فيرجينيا وولف" و " جماعة بلومزبري " وهنا " مارغريت دورا " و " ناتالي ساروت " ، هناك " ديفيد هيوم " و" جيريمي بنتام " وهنا " ديدرو " و " ديكارت " و " أوغست كونت " ، هما مدينتان تتعارضان وتتقابلان وتتخاصمان ؛ لكنهما تبثّان في القادمين إليهما أوهام الحرية وأشواقها وتسقيانهم ترياق التمرّد على معتقدات الأمس وتأريخ الأسلاف .
فزعتُ ونفرتُ نفور الملدوغ عندما أخبَرَنا المُحاضر في جلسة الإندماج أننا لكي نصبح مقبولين كمواطنين محتملين علينا التخلي عن ذاكرةٍ أتينا بها من أوطاننا الحزينة ! وإلا فإننا لن نلِجَ فردوس الوطن الجديد :
- تخلوا عن ذاكرتكم لتصبحوا مواطنين جديرين بالعيش في فرنسا ، أسّسوا لذاكرة جديدة على أنقاض ذاكرة تثقل خطواتكم وتعيقُ تقدمكم في مدى الحرية  ....
ذاكرتي ؟  يإإلهي ! ما أنا سوى ذاكرتي ومُخيلتي ؛  فكيف لكاتبة أن تهدر ذاكرتها ؟ من سأكون  حين التخلي ؟ وما الذي سيتبقى مني  ؟ هل أنكِرُ أحد أهم مكونات شخصيتي مقابل العيش في مدينة تدحض تأريخي الشخصي ؟
تناولتُ في مسرحية ( الكرة الحمراء )  التي كتبتها سنة 1993  موضوعة الذاكرة . كان  سؤال  النص المحير  بعد كارثة الحرب : هل نحتفظ بذاكرة الألم أم نسعى للتخلص منها ؟ كان لدى الدكتور ( صلاح القصب ) فكرة تقديمها على المسرح  ولم يتحقق ذلك . إنقسم الناس في المسرحية بين فريقين أحدهما يرجو الخلاص من العذابات والأصوات والنحيب والصرخات التي تعشّش في الرؤوس ، وفريق رافض يدحض فكرة محو الذاكرة  إذ سيغدو الناس محض أجساد خاوية تستغلها القوى المهيمنة لتشكيل ذاكرة جديدة يغذونها  بأفكار ومعلومات محدودة تضمن تدجين الجموع  التي لاتعود تشكل خطرا على المجتمع ، وعندها سيتصدى فريق علماء وأطباء لإجراء عمليات تفريغ الذاكرات في مقرات سرية تشرف عليها الدولة ، يتظاهرون بأنهم يجرون عمليات تنشيط للأدمغة حيث يجري خطف الشباب والنساء ليؤهَّلوا ويصبحوا كائنات مطواعة، وتكتَشَفُ الجهود السرية بملابسات بوليسية ، ويُحرِّرُ الغاضبون سجناء محو الذاكرة .
ذاكرتي - أيها المحاضر -  حصيلة عُمرٍ من الحب والأمومة والألفة والحنين والروائح والموسيقى والتمرد وعصيان الوصايا والأغاني والمذاقات والنشوات والدموع والحروب والأمل ؛ فكيف أتخلى عنها ؟ هي ثوب طفولتي المطرز ، وصندلي الأحمر المقطوع ، وظفائري المربوطة بشرائط وردية ، وفستان مراهقتي الأنيق من قماش جورجيت بنما المنثور بأزاهير برية زرقاء الذي خاطته الآنسة جانيت وأفاضت بسعة تنورته الكلوش وجمّلته بالتماعات أزرار لؤلؤية .  الذاكرة هي حديقتي السرية التي ألوذ بها كل ليلة أحاور وأعشق وأستلهم القصص ، هي أمسيات الصيف في شارع ( أبو نؤاس ) ونهارات الخريف التي وسمت طفولتي بألعاب تحت ظلال عناقيد الرمان وسعف النخيل في بيت صديقتي اليهودية مادلين  لنحتفل معاً بعيد العرازيل ( المظال ) حيث يُقام كوخ من سعف النخيل والأغصان في فناء بيت خالتنا خزنة زوجة رحمين الصائغ .
ذاكرتي هي اجتماع الأصدقاء على وليمة وسَماع ، الذاكرة هي جولاتي مع صديقاتي في شارع الرشيد وارتياد دور السينما وحضور المسرحيات  والبحث عن فستان أنيق في شارع النهر أو في أوروزدي باك ، الذاكرة هي ارتعاشات الحب الأولى عندما يُلقي مراهق خجول  أمام مجموعة من الفتيات رسالة مطوية على وردة ذابلة وهُنَّ في الطريق إلى المدرسة ، الذاكرة هي مسكن أحلامي الحية والموؤودة ، فكيف أنجو بدونها ؟ من أنا بلا ذاكرة ؟ لاأحد ، محضُ اسمٍ غريب عائم في فوضى المحاولات والتحديات .
عند لحظة غضبي تلك وانهمار التداعيات والصور والإستعادات الشهية ، اتخذتُ القرار المعاكس  : أن أنجو بذاكرتي وأغادر إلى تحديات جديدة.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية