جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » مراجعات


هتلر والسينما .. هواية الفوهرر المجهولة


عرض تاتو
صدر عن دار المدى كتاب (هتلر والسينما) تأليف بيل نيفن وترجمة هيثم لمع.
يبدأ الفصل الافتتاحي بتناول عادات هتلر في جلساته الخاصّة لمشاهدة الأفلام، والتساؤل إلى أي مدى وصل تأثير الأفلام فيه، ثمّ يدرس الآراء المختلفة حول «فيلمه المفضّل». وهنا يفرض الحذر نفسه، إذ من الصعب الوصول إلى حقيقة أكيدة.
وبينما تبدو بعض العناوين المرشّحة لتكون «فيلمه المفضّل» أقرب إلى التصديق من غيرها، ففي النهاية ربّما المسألة ليست في تفضيلات هتلر المفترضة من الأفلام الفردية بقدر ما هي استهلاكه غير المحدود على ما يبدو لأيّ عدد من الأفلام التي كانت توفّرها له وزارة الدعاية. وما يُدهش هو الانتقائية التي ميّزت ذوقه في اختيار الأفلام. هكذا بينما يتناول الفصل الأوّل هتلر كمستهلك للأفلام، يركّز الفصل الثاني على سياسته في اختيار الأفلام، ويدرس الأسباب التي كانت تدفعه إلى حظر أفلام معيّنة، أو معارضة منع أخرى. ويُحلّل القسم الثاني من الفصل حالتين تدخّل خلالهما هتلر تدخّلاً بارزاً: طلبه إنتاج فيلمين وثائقيين حول قطع تناسل ذوي الاحتياجات الخاصّة (بعنوان «ضحايا الماضي»، 1937)، وحول الحرب الأهلية الإسبانية (بعنوان «في المعركة ضدّ عدوّ العالم»، 1939). لقد اعتنى هتلر بمشروع إعداد هذين الفيلمين النازيين المهمّين كي يروّج لأفكاره الأساسية ونظرته إلى العالم: الحاجة إلى «حماية» الألمان من المعوّقين عقلياً وجسدياً، وإلى مناهضة أطماع البولشفية في العالم. وينتهي الفصل الثاني بمناقشة نوع آخر من التدخّل: التزام هتلر مشاريع إنشائية ضخمة متعلّقة بإنتاج الأفلام. لقد كان مُخطّطاً للرايخ أن يضمّ استديو أفلام وصالة سينما يُمثّلانه فعلاً ويعكسان المكانة الخاصّة التي كان هتلر يوليها للأفلام.
هذا الكتاب عبارة عن قسمين. من الفصل الأول إلى السادس، وباستثناء التعرّض في مكان أو اثنين لمرحلة ما قبل الحرب والحرب، فالتركيز على سنوات السلم في عهد هتلر، أي 1933-1939. وتُركّز الفصول الأربعة الباقية على سنوات الحرب. وثمّة سبب عملي لهذا التقسيم، فوضع الفصول بحسب المواضيع بين 1933 و1945 كان سيُنتج فصولاً غاية في التطويل، وقد أردنا تجنيب القرّاء عناء التفكير الدائم رجوعاً من نهاية الحرب حتّى بداية نشأة الرايخ الثالث. هناك أيضاً لتقسيم الفصول بين فترتَي ما قبل الحرب والحرب سبب متعلّق بالتبويب؛ فقد أصاب الحياة تغيّر جذري مع بداية الحرب العالمية الثانية، وتغيّرت أيضاً في عالم الأفلام - وليس أقلّه بالنسبة إلى هتلر نفسه. كما يظهر في الفصل السابع، فقد قلّل هتلر كثيراً من جلساته الخاصّة لمشاهدة الأفلام، وكفّ عن مشاهدتها في صالات السينما الألمانية منذ اجتاحت القوّات النازية بولندا، لكنّه أبقى نظرته الدقيقة والساهرة على إنتاج الأفلام الوثائقية الألمانية حول الجهود الحربية النازية، مثل فيلم «حملة في بولندا» (1940) وفيلم «الانتصار في الغرب» (1941). أمّا الفصل الثامن فيُظهر بدوره أنّه بقي مطّلعاً عن قرب على إنتاج الأفلام المعادية للسامية، وكان أشهرها الفيلم الطويل «اليهودي سوس» (1940)، والفيلم النازي الوثائقي «اليهودي الخالد» (1940). لقد كُتب الكثير عن هذين الفيلمين، لكن دور هتلر في إعدادهما كان أكبر ممّا يُعتقد في العادة. لقد وصلا إلى صالات السينما الألمانية في أواخر العام 1940، بالضبط عندما كان التأسيس النازي للسياسة المعادية للسامية يتّجه نحو الإبادة الجماعية. ويدرس الفصل أثر فيلم «اليهودي سوس» في المشاهدين الألمان وغير الألمان. وقد رافق رواجه برنامج هتلر للإبادة في كلّ من مراحله.
إذاً بعد 1 سبتمبر 1939، ارتبط انشغال هتلر بالأفلام بطريقة أو بأخرى بالحرب النازية، كما تدلّ مشاهدته المنتظمة للشريط الإخباري الأسبوعي الفوكنشاو، وهي محور الفصل التاسع. أخذ هتلر على عاتقه، بصفته القائد الأعلى للقوّات المسلّحة، أن يهتمّ شخصياً بما يغطّيه الفيلم الإخباري من المجريات. بعد الخسارة في ستالينغراد في فبراير 1943، ومع تزايد صعوبة نقل صور عن النجاح العسكري الألماني، انحسر اهتمام هتلر تدريجياً بالأفلام الإخبارية. وإذ كان وضعه الصحّي يتدهور، تناقصت رغبته في الظهور في تلك الأفلام. لسنوات بقيت صور هتلر جزءاً أساسياً من الأفلام الوثائقية والإخبارية النازية، ما ثبّت الانطباع بالحاجة إلى الماسّة إلى وجوده. وكان يتمّ التركيز مراراً وتكراراً على التزامه الدفاع عن الرايخ تجاه حشد من الأعداء، وبالتالي كانت صورة النازية كدفاع عن النفس رسالة شجّع هتلر عليها في الأفلام التي كان يظهر فيها. هكذا كان من تأثير انسحاب هتلر من الأشرطة الإخبارية منذ 1943 أنّه جعل بعض روّاد السينما الألمان يشعرون بالضياع وبأنّه تمّ التخلّي عنهم.
ويعود الفصل الأخير إلى موضوع الممثّلين. مع إدراك هتلر أهمّية الأفلام كوسيلة للترفيه وللدعاية السياسية على السواء في ظلّ حرب قاسية، حرص على إعفاء الكثيرين من الممثّلين الألمان البارزين من الخدمة العسكرية، وفي المقابل عبّروا هم عن امتنانهم للمزايا التي نالوها بمساهمتهم في دعم حرب هتلر. هذا الكتاب ليس عن إنتاج الأفلام النازية، فهناك العديد من الدراسات التي تناولت هذا الموضوع أو نواحي أساسية منه. إلّا أنّ النصف الثاني من الفصل، تماماً كالقسم الختامي في الفصل الخامس، يتناول عن كثب أهمّية أبرز أفلام الدعاية السياسية النازية كي يُظهر كيف عكست مدى تأثير أيديولوجية هتلر، ومدى المرونة التي اتّسمت بها، وقابليتها للتكيّف مع الوضع الذي كانت تُنشر فيه. حتّى نهاية الحرب، فعل جوبلز كلّ ما في استطاعته للحفاظ على استمرارية إنتاج الأفلام، على الرغم من نتائج قصف الحلفاء. في 30 يناير 1945، تزامن خطاب هتلر النهائي الذي وجّهه إلى الأمّة عبر الراديو ودعا فيه إلى مقاومة لا هوادة فيها ضدّ العدوّ، مع العروض الأولى لآخر نجاحات السينما النازية: «كولبرج»، عن الألمان الذين قاوموا الفرنسيين في فترة حروب نابوليون. إذاً حتّى اللحظة الأخيرة تقريباً، بقيت سياسات هتلر والأفلام النازية تعمل جنباً إلى جنب.



المشاركة السابقة