جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » تقييم


لعبة الأمم و الأحلام النووية الضائعة..قراءة لكتاب "أوبرا أوزيراك في بغداد"


أحمد خالص الشعلان
صدرت عن "دار ضفاف للنشر" وبعدها صدرت عن "المكتب العربي للمعارف" في القاهرة رواية ملهم الملائكة الجديدة بعنوان "أوبرا أوزيراك في بغداد". ويواصل الكاتب ما استعمله من تقنية الكتابة التي وظّفـها في روايته السابقة "إعترافات أهل القمة". وتذكرنا تقنيته هذه بالمسلسل الأمريكي "ملائكة تشارلي" الذي تتلقى الملائكة الفتيات الثلاثة فيه توجيهات العمل من تشارلي الغائب ولا يرينه مهما حاولن!
وعلى هذا النحو نتعرف على "وكالة علاقات عامة" مقرها في أربيل عاصمة كوردستان العراق، التي أصبحت مدينة دولية تعج بمراكز ارتباط ومكاتب ووكالات تجارية وعامة.
في الوكالة نتعرف على "موسى حنون/ تشارلي" يوزع توجيهات لـ"رافد البنا/ الجليس" الذي يتنقل عبر بلدان القارات ومدنها (سويسرا، إيطاليا، برلين، القاهرة، مالطا، بريطانيا، العراق، فرنسا، وغيرها). وبمعاونة "فيفيان حلبي" مترجمة بثلاث لغات تتجلى وظيفة رافد البنا بدورِ جليسٍ يتلقى معلومات مهمة بشكل إعترافات من  أشخاص مهمين منتشرين في مدن العالم المتباعدة (دبلوماسيون وعلماء وعسكريون ورجال مخابرات و تجار ووسطاء لبيع المعدات والأسلحة) يتحدثون للجليس بأسرار وخبايا السياسة والمال والمؤامرات. ودور الجليس هنا قد يبدو للقارئ متراوحاً بين نوع من محلل نفسي psychoanalyst  أو كاهن إعتراف confessor . وإن كانت الرواية تصور لنا دافع المـُعترف بوصفه بائع معلومات informant يتلقى مالاً لقاء اعترافاته، إلا أن بعض الأشخاص المعترفين قد يبدون للقارئ أناساً يسعون لإراحة الضمير بالتحدث في برنامج اعترافي من نوع TVconfessionalمثل برنامج أوبرا وينفريOpera Winfrey!
الموضوع الأساس الذي تغطيه الإعترافات على مدى صفحات الكتاب يتعلق بمشروع المفاعل النووي العراقي الذي قصفته إسرائيل عام 1981 و الحرب العراقية الإيرانية كان قد مضى عام تقريباً على رحاها تدور.
تأخذنا صفحات الكتاب ضاجةً بمعلوماتها الفريدة، و بأسلوب صحفي يمتاز به ملهم الملائكة، فيذكرنا بإسلوب إرنست همنغواي صحفيا. وعلى الرغم من متعة القراءة التي يوفرها الكتاب إلا أن قارئه العربي، بخاصة العراقي، قد ينتابه خليط من أسى وصدمة وخيبة أمل جراء ما يمر به من مشاهد لعلاقات سياسية ومعرفية ومعلوماتية تتكشف عبر صفحات الكتاب، كونها غير متوازنة ولا متكافئة بين دولة المصدر المجهزة للمفاعل النووي و دولة الهدف المتلقية للمفاعل، بما يتخللها من استغفال وملابسات تتبرأ منها الدولة المجهزة بسبب غفلة سياسية وفقر معلوماتي ممزوج بحماسة فارغة ورومانسية ونرجسية يتصف بها قادة الدولة المستلمة، لدرجة أنّ القارئ الواعي قد يتصور أن الدولة المجهزة (الفرنسيون والسوفيت قبلهم) تتصرف حيال الدولة المستلمة و كأنها تبيع سيارة مستعملة لا مفاعلاً نوويا.
في معلومات تمهيدية نستقيها من الجليس نتعرف على محاولات الدولة العراقية المبكرة في عهد عبد الكريم قاسم (ولربما كان الزعيم قد تأثر بفعل الدعاية التي حظي بها السوفييت بوصفهم داعمين لحركات التحرر ودولها الناهضة) للحصول على مفاعل نووي للأغراض السلمية من السوفيت الذين استغفلوا العراقيين و باعوهم معدات مفاعل لا فائدة ترجى منها. وحين أتى  العراقيون بتلك المعدات و نصبوها في موقع "التويثة" وبسبب قلة خبرتهم ظنوا أنها قد لا تحتاج الى إعادة تأهيل، ولكنهم اكتشفوا بعد حين أنها بحاجة لذلك. وعند مفاتحة السوفييت بأمر إعادة التأهل واجههم السوفيت بحقيقة عدم أمكانية إعادة التأهيل، ما يعني أن المعدات كانت منتهية الصلاحية! وهكذا ذهبت تكاليف صفقة المفاعل، تكاليف شرائه وبنائه ونصبه أدراج الرياح!
وعند صعود نجم صدام حسين بمجئ البعث العراقي ثانية الى السلطة بإنقلاب عسكري في 17 تموز1968، تدغدغت مشاعر صدام العروبية الرومانسية (حاله بهذا حال كل زعماء تلك الحقبة) برغبته بتدمير إسرائيل وإلقائها في البحر، ففكر بإحياء مشروع المفاعل النووي العراقي. وبعد إعدادات دبلوماسية، بدأ المشروع عام 1974 بذهاب صدام حسين (مستصحبا معه طائرة لسـﮕـف السمـﭻ! و بذا صارت سابقة للقذافي الذي كان يصطحب خيمة لنصبها في العواصم التي يزورها!) إلى باريس للقاء جاك شيراك رئيس وزراء فرنسا لتوقيع إتفاق إنشاء مفاعلين نووين في العراق في الموقع السابق ذاته (التويثة)، و سيسميهما العراق "تموز 1" و "تموز 2" و سيسمي الفرنسيون الأول "أوزيراك" و الثاني "أوزيريس".
ومع الفرنسيين، مرة أخرى أستُغفـِلَ العراقيون ببيعهم المفاعلين، وإن لم يكونا مثل المفاعل السوفيتي منتهي الصلاحية، فهذا لا ينفي كونهما حلقة من مفاعلات كانت الصناعة النووية الفرنسية قد تجاوزتها متطورة بمراحل، إي أنّ المفاعلين الفرنسيين اللذين بيعا للعراق لم يكونا (بتعبيرنا العراقي) سوى "بالة" نووية، ما يؤكد أنّ الغرب عموماً لا يبيع للدول النامية سوى حلقات التصنيع التي سقطت ستراتيجيا! ومثلما سيفعلون فيما بعد، كي يتخلصوا من حلقات تسليح سقطت ستراتيجيا بإثارة حرب بين إيران والعراق (وكانت موضع ترحيب صامت من السوفيت لأنهم سيكونون من المستفيدين) ولتسريب الأزمة  الرأسمالية التي بدأت تلوح بوادرها منتصف السبعينيات. 
في كتاب ملهم الملائكة، عند العودة إلى جولات الجليس رافد البنا، ولا تخلو من رومانسية، في مدن العالم يتلقى أثناءها إعترافات مهمة عن أحداث مضت تخص مفاعلي العراق/ فرنسا النوويين، وهي معلومات ما عادت لها في الواقع أهمية ستراتيجية سوى للسرد الروائي الذي نحن بصدده "أوبرا أوزيراك في بغداد" و التشويقِ لإرضاء فضول قراءٍ غشم من شاكلتنا لمعرفة ما فاتهم من معلومات عن قواعد لعبة الأمم. وبذا سيمر بنا الجليس متلقياً معلومات مثيرة بات مسموحاً بكشفها من/عن دبلوماسيين و علماء عراقيين وأجانب وعسكريين عراقيين وفرنسيين وإسرائيليين يكشفون بها تفصيلات عن مراحل توقيع الإتفاق بين صدام وشيراك و تسويق وشحن المفاعلين و نصبهما مع أتفاق فرعي نووي آخر مع إيطاليا.
وأن تصبح المشاريع النووية العراقية، منذ لحظة إبرام إتفاق صدام وشيراك، هدفا للتخريب من قبل الإسرائليين، فهذه حقيقة لا مراء فيها، طالما كان حكامٌ عربٌ من شاكلة صدام و القذافي يأتون من المجهول ليتسلقوا السلطة تحت شعار إبادة إسرائيل و تحرير القدس السليبة! وهكذا تتكشف أثناء قراءة "أوبرا أوزيراك في بغداد" حقائق مثيرة و محبطة في آن عن علماء عراقيين أفسدت إسرائيل ذمم بعضهم بتوظيف عاهرات حسناوات فرنسيات (مشاهد إعتدنا على رؤيتها في الأفلام و كنا نتصورها مبالغة يضعونها لغرض التشويق!)، و آخرين غُيبوا ترهيبا، وغيرهم تخلصت إسرائيل منهم بالإغتيال.
نتفاجأ بفيض معلومات تتحدث عن قدرة إسرائيل المنفلتة لتدمير بعض معدات المفاعلين وهي  ما تزال في فرنسا وإيطاليا قبل شحنها. أمعقول أن موضوعاً أمنياً يخص معدات بالغة الخطورة  يكون سائباً إلى هذا الحد في بلدين أوروبيين لولا تغاضي مخابرات ذينك البلدين عن تصرفات إسرائيل؟  والأدهى من ذلك كان العراق يتحمل (بكرم صدام البدوي!) تكاليف إصلاح تلك المعدات مع أنها تعرضت للتخريب عند البائع و قبل تسليمها للمشتري! 
و في هذا المنحى، تأتي المعلومات عن قدرات الموساد الإسرائيلي بإختراق الكابل المحوري العراقي (وهو كابل أمني) في صحراء الأنبار، بنصب جهاز إعتراض لأغلب الاتصالات العسكرية العراقية و بضمنها اتصالات المفاعلين، والفضيحة هي أن إكتشاف هذا الإختراق لم تقم به الأجهزة الإستخبارية العراقية، وإنما جرى كشفه صدفة عن طريق سائق شفل كان يحفر في المنطقة! وأدهى من ذلك تأتي المعلومات المثيرة حول لحظة قصف الطائرات الإسرائيلية لمفاعل أوزيراك التي وُجـِهت بصمت كامل تقريباً من لدن المقاومات الأرضية العراقية المحيطة بمنطقة المفاعل.
فصل كتاب ملهم الملائكة الأشد إثارة هو الذي  رشحت منه معلومات عن عملية "أوبرا" المختصة بتشكيل طاقم الطيارين الإسرائليين الثمانية الذين تدربوا لمدة  طالت أشهراً على وفق خطة محكمة أمنياً وعملياتياً، وذلك بتصميم موقع في صحراء النقب يشبه موقع مفاعل "تموز 1". و ما إن أنجزوا تمارين الدقة المطلوبة بتدمير الهدف خلال 90 ثانية تحدد موعد عملية "أوبرا"، و بضمنها خط سير طائرات من طرز F16 و F15  كيلا تكتشفها الرادرات  والمموهة الشكل بالطلاء كيلا تكتشفها العين المجردة. والأشد إثارة هنا هو أنّ رادرات الأردن و السعودية اللتين مرت بأجوائهما الطائرات لم ترصد الطائرات، لكنّ الملك حسين، وبمحض الصدفة لاحظها بالعين المجردة متوجهة نحو العراق أثناء ما كان يسيح بيخته في خليج العقبة. و قيل أنه بعث برسالةٍ إلى صدام يخبره فيها تخميناً بتوجه طائرات إحتمال أن تكون إسرائيلية نحو بلده، غير أنّ الرسالة، بتقنيات ذلك الزمان، وصلت بعد فوات الآوان! وهكذا وقع المحذور ودٌمر المفاعل. وستُجهز طائرات التحالف من طراز B52 القاذفة العملاقة بعد عقد من الزمان عام 1991 في حرب الكويت على ما تبقى منه في موقع التويثة!
أفصح الطيارون الإسرائيليون عن المخاوف التي انتابتهم يومَ صيفٍ من عام 1981 و هم يطيرون نحو الهدف، ذلك بسبب الهالة التي إنخلقت حول قدرات العراق الحربية (بوصفه الجيش الخامس في العالم)، وبخاصة أنّ إيران كانت قد سبقتهم بغارة فاشلة على المفاعل في سياق عمليات الحرب العراقية الإيرانية. والقارئ هنا وهو يمر على قلق الطيارين الإسرائيليين أثناء عملية "أوبرا"، لا بد أن يتذكر ما أشيع عن قلق مناحيم بيغن  أثناء تطورات عملية "أوبرا" حين كانت زوجته تساله عن قلقه و قلة نومه فأجابها "دعيني لقلقي!". وحين وصله خبر نجاح عملية "أوبرا" بإجهازها على مفاعل "تموز 1" قال لها "الآن تبدد قلقي و سأنام!"
"أوبرا أوزيراك في بغداد"،  المتعة التي توفرها قراءة هذه الرواية مكلفة من الناحية النفسية، بخاصة للقارئ العراقي، فما بين سطورها وخلفها تكشف حقائق مهمة للقارئ اللبيب منها:
- قواعد لعبة الأمم لا تحمي المغفلين و المتعالمين من حكام دول نامية مثل دول الشرق الأوسط.  فالدول الفقيرة تقنياً والساعية لإمتلاك سلاح ستراتيجي غالباً ما تقع ضحية خديعة الدولة المجهزة لهذا السلاح. وعدا الأمثلة التي تتوفر في كتاب ملهم الملائكة عن نفاق الفرنسيين بروحهم التجارية النفعية في صفقة بيع المفاعلات الى العراق بعدم حماية معداته من تجاوزات الموساد الإسرائيلي، تتداعى إلى الذهن فورا سياسة النفاق الفرنسي، وهي الأشد بين دول أوروبا، حين كانوا خلال الحرب العراقية الإيرانية يوهمون إيران بأنهم حلفاؤها و يوهمون العراق بذلك أيضا ويوهمون الإسرائيليين أيضا ببيعهم السلاح للجميع بوصفهم أصدقاء! ويخطر في الأذهان فورا أيضا موضوع طائرات الميراج التي إشتراها العراق وتفاجأ العراقيون بإقفالها من باريس أثناء حرب الكويت!
- بائعو السلاح، حتى بحلقاته الاستراتيجية للحروب الإقليمية، لن يسمحوا لانتصار دولة نامية في حرب بالصعود الى مصاف المواقع الستراتيجية إقليميا. والدول بائعة السلاح لا شان لها بمغامرات حكام تلك الدول الرومانسية، وتتعامل معها على طريقة المثل الأردني القائل "فخـّار يكسر بعضو!" 
- في الحالة العراقية، محنة نخبة من العلماء و الخبراء النوويين العراقيين المتميزين المخلصين الساعين لنهضة عراقية علمية تقنية حقيقية وإضطرارهم للعمل بإمرة شلة من الحكام و السياسيين الجهلة من أمثال صدام وصهره حسين كامل وباقي الشلة الحاكمة آنذاك وذيولها!
- وما دمنا  بصدد الحديث عن مفاعلات نووية، تحضر الى الذهن المشكلة القائمة حاليا بخصوص النووي الإيراني. وبظني أنّ دول النووي  العظمى (أمريكا و بريطانيا و فرنسا بل وحتى روسيا و الصين) قد تسمح لأسباب جيوبولتيكية تخص لعبة الأمم بقيام دولة متسيدة في الشرق الأوسط و بمشاريع نووية، لكنها لن تسمح بدولة معها نووي ينتج سلاحاً، لذا فمصير النووي الإيراني قدلا يختلف عن مصير النووي العراقي وهنا ستكمن الكارثة!
و ختاما فإن فجوات التحرير في طباعة كتاب "أوبرا أوزيراك في بغداد" لن تمنع قارئ الرواية من الحصول على متعة قراءةٍ قد تكون أضعافَ متعته في قراءة هذه المقالة!



المشاركة السابقة : المشاركة التالية