جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » تحقيق


الجانب المعتم في حياة المرأة الغربية


فاضل عباس هادي
كأن صمتا ثقيلا يخيم على أوروبا. صمت تجسده صورة ميتران العجوز وهي تطالعنا بين الحين والآخر في الصحف، بعد عقد أو يزيد من اضمحلال المشاريع الاشتراكية. باريس تجهد للحفاظ على أسطورتها كأكبر عاصمة للإبداع. البطالة هنا وهناك. بريطانيا التي يفصلها بحر المانش عن أوروبا لاتقل صمتا وترقبا. وأنت تتجول في المراكز الفنية تشعر بالصمت وحركات المارة الجامدة. كثيرون يجلسون لوحدهم. وإذا اجتمعوا مثنى أو ثلاث تجد الضحكة مخنوقة والابتسامة مصطنعة. لقد بلغ وعي الإنسان الغربي بفرديته حدا كبيرا. أشباح تتجول في أقفاص زجاجية.
الهموم الأساسية أصبحت المرض أو الخوف منه، الابتعاد عن الآخر أو الشك في جدوى اللقاء به السرطان، الايدز، البطالة في كل مكان. وأنت العربي المغترب تبحث عن الفرح العفوي فلا تجده. الذنب، بالطبع، ذنبك، لم تقرأ الغرب بشكل صحيح، جئت وفي ثنايا كيانك المتلاطم صورة سينمائية مزيفة. وحتى عندما شاهدت فيلم «البقرة المسكينة » لم تكن ترى الجانب المأساوي في حياة الغربيين الذين تطحنهم عجلة الرأسمالية الكريهة. كنت تعتقد بأن المرأة الغربية حرة، وأنهم، الغربيون، على حق عندما يطالبون بضرورة تحرير المرأة الشرقية. إلى أن تلتقي بنساء غربيات فتكتشف بأنهن وقعن، منذ زمن لا يتذكرنه، في فخ من صنع حضارتهن بالذات المصورة البريطانية جو سبنس نتابعها منذ فترة عن طريق تجميع ما يكتب عنها في الصحف ومن خلال عرض أعمالها هنا وهناك بين فترة وأخرى معرضها في مجمع «الساوث بانك » في لندن هو سبب هذه المقدمة الشعواء التي سطرها مداد حبر أقل ما يقال عنه أنه أسود أسود، كالقار المصورة كانت مصابة بالسرطان. قصتها مأساوية إلى حد كبير، وهي نموذج لمئات النساء الغربيات اللواتي وقعن ضحية الحضارة الغربية وأولوياتها المقلوبة رأسا على عقب. نرجو أن لا يفهم القارئ الكريم أننا نتشفى أو ننظر بقلب متحجر إلى عيون تتوسل بنا أن نفهم ونتعاطف إذ أننا عندما نندب حظ الآخرين، في الواقع نندب حظنا، ولا نكف عن التساؤل: أين موقع الفرح ياترى؟ أين روح الدعابة ولماذا جميع النساء في أعمدة «القلوب الوحيدة » في الصحف والمجلات البريطانية يبحثن عن شخص يتمتع بروح الدعابة. جو سبنس مصورة وإنسانة فاعلة في الساحة البريطانية. بدأت حياتها «الفنية » في التصوير التجاري وكانت تدير استديو يحمل اسمها لتصوير البورتريت والأعراس، إلا أنها سرعان ما أصيبت بخيبة من العمل التجاري وقررت أن تبحث بشكل عميق في القضايا الإنسانية الأساسية مثل الفقر والحرمان الاجتماعي والهوية والذات وعلاقة البنت بأمها وكذلك وضع المرأة في المجتمع الغربي وركزت أيضا على إمكانية الاستفادة من الكاميرا في التحليل النفسي والغوص عميقا في أسباب التعاسة التي يعيشها البريطانيون في مجتمع يفترض فيه أن يوفر للجميع حياة ديمقراطية ناعمة. ولهذا تعتبر المصورة من الشخصيات الرافضة للمفاهيم الاجتماعية السائدة عن المرأة كما تجسدها الإعلانات التجارية أو في خيال الشعراء، المجتمع يطرح صورة جمالية بحتة عن المرأة أي أنه يفرغها من محتواها الداخلي، يصورها كمادة جامدة تمثل الجمال المظهري. وهذا أول ما ثارت عليه جو سبنس التي لا يمكن اعتبارها لا امرأة تقليدية ولا مصورة من النوع الذي نصادفه كثيرا. ومنذ البداية، وبسبب كونها ابنة الطبقة العاملة الفقيرة كانت واعية تماما لاسباب القهر الاجتماعي وعملت على تطوير 1056 نظرية نقدية للمجتمع الأوروبي الذي تعيش فيه. ودخلت منذ تجذر الوعي هذا بداخلها، دخلت عالم التجريب بواسطة الكاميرا للكشف والاستنطاق وكتابة سيناريوهات مسرحية للغور عميقا في وجدان الناس بصورة عامة والمرأة بصورة خاصة، وكانت تتعاون مع معارفها وصديقاتها ومصورين ومصورات وغير مصورات، بأبسط العدد الفوتوغرافية وكانت تدعو جميع من يهمهم الأمر إلى المشاركة في عملية البحث الاجتماعي والنفسي للتنبيه إلى المشاكل التي نتجت مباشرة عن الحياة الغربية المعقدة التوثيق وما وراء التوثيق، دراسة الصورة مفهوم الأمومة، وكيف يرى المجتمع المرأة وكيف ترى المرأة نفسها، تأريخ العمل في المجتمع، هذه كانت بعض القضايا التي أرادت جو سبنس تناولها. إنها تريد للتصوير أن يطرح أسئلة، أن يساعد على اكتشاف وتأسيس طرق جديدة في التفكير وكما فعلت المصورة الأميركية سندي شيرمان نرى أن موضوع عدد كبير من أعمال جو سبنس هو سبنس التي طرحت نفسها كنموذج لبنات جنسها، وجو سبنس نفسها وما مرت به من مشاكل منها الإصابة بسرطان الثدي الذي أدى في النهاية إلى موتها المبكر، ومن خلال أعمالها نكتشف بأن المرأة الغربية تعيش اشكالات عويصة أشرنا إلى بعضها أو أهمها في السياق، ونكتشف أيضا بأن عوامل القهر الاجتماعي والنفسي والطبقي موجودة في الغرب أيضا وبأشكال تختلف عن القهر في المجتمعات الشرقية. إلا أن في مقدور الإنسان الغربي، بفضل الحرية المتاحة، أن يعبر عن ثورته على هذا القهر وأسبابه بدلا من أن يخبأها تحت البساط أو يدفعها بعملية نفسية، إلى أعماق العقل الباطن.
عن: كتاب "السيدة لايكا تنتظرك في البيت" المعدّ للطبع



المشاركة السابقة