جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » جماليات


رسائل فان كوخ - الرسالة الثامنة والعشرون


ترجمة: ستار كاووش
آرل ١٨ آب ١٨٨٨

تَيّو العزيز
ستتعرف قريباً على السيد باتينس أسكالير، هذا العجوز شديد البأس، الذي يتكئ على فأسه، ينحدر من منطقة كاماراج، وقد كان راعياً للمواشي، لكنه يعمل الآن بستانياً في إحدى مزارع كراو. نعم ستتعرف عليه لإني رسمت له بورتريتاً، وسيصلك تخطيطاً رسمته له بعد الإنتهاء من البورتريت، كما فعلتُ بالتخطيط الذي رسمته بعد انتهاء لوحة ساعي البريد رولان.
ألوان بورتريت هذا الفلاح ليست معتمة كلوحة آكلي البطاطا التي رسمتها في نونِن، لكنه بشكل ما يشبه هيئة بورتييه الذي كان يركل اللوحات ويرميها من باب المنزل! والذي بقي على هذا الحال ولم يتغير كثيراً مقارنة بالتغيرات التي طرأت عليك في باريس. عموماً أرجو أن لوحتي التي رسمتُ فيها هذا الفلاح لا تحبط من يتطلع إليها، ولا أريد منها أن تزاحم مكانة لوحة لوتريك التي لديك، بل أرى أن وجدهما بجانب بعض سيعطي للوحة لوتريك بروزاً أكثر بسبب طبيعة اختلاف اللوحتين وبسبب الضوء المشع الذي رسمته، والشمس التي لفحت كل شيء حتى وجه الفلاح، وهذا ما سيعطي أيضاَ قيمة لأثر مساحيق التجميل والملابس الفاخرة في لوحة لوتريك. وبمناسبة ذلك، لا أفهم لماذا لا يعير البارسيون إهتماماً للأشياء والتفاصيل غير الناعمة، مثل لون الطين ورائحة الطمى وحتى لوحات مونتيشيلي* الخشنة!
وبالعودة الى الرسم، علينا أن لا نفقد عزيمتنا وإيماننا بتحقيق النجاح، فلنسعى جاهدين رغم إيماننا بأن اليوتوبيا غير موجودة بمعناها الخيالي الذي نقرأ عنه. هل تعرف أن ماتعلمته في باريس أخذ بالتلاشي شيئاً فشيئاً، حتى ذابَ وأنا أعود لأفكاري التي إستقيتها من الريف قبل تعرفي على الانطباعيين، الذين أعرف بأنهم سينظرون الى ما أقوم به بريبة أو شك، لأني أَقَدِّرُ أفكار وتقنيات ديلاكروا أكثر من تقنياتهم. أنا لا أريد أن أحاكي الطبيعة فقط، بل أود غالباً أن أوظف اللون بقوة وتأثير أكبر، أريد أن أبعد اللون عن مساره التقليدي وأضفي عليه تعبيرات ضرورية وسطوة تهتز لها اللوحة كما يهتز جسدي أثناء الرسم. وسأعطيك مثالاً لما أريده من الرسم، لنفترض أني بصدد رسم بورتريت لأحد أصدقائي الذين أحبهم. إنه رسام أشقر، يحمل أحلاماً كبيرة، يعمل بجد وينسجم مع ما يقوم به مثل عصفور يغني في الحديقة المجاورة، وهنا أريد أن أعبر من محبتي له من خلال البورتريت. أن رسمته كما يظهر أمامي وبشكل حرفي، فهل سيكون هذا كافياً لما أريد التعبير عنه؟ بالتأكيد لا، وعليَّ المضي الى أبعد مما تراه العين المجردة إن كنت مُلَوِّناً حقاً، عندها سأبالغ بشقرة الشعر بوضعي درجات مختلفة من البرتقالي والأحمر والأصفر الليموني، لكن هل إنتهى الأمر عند هذا الحد؟ وماذا عن المنطقة التي خلف هذا الشعر؟ وهنا بدلاً من الجدار الكالح للبيت البائس، أضع مساحات كثيفة من عجائن اللون الأزرق، حتى ليبدو هذا الأزرق الثري مثل سماء لازوردية عميقة، ومن خلال هذه الطبقات اللانهائية الزاخرة للخلفية الزرقاء يتحول الشعر الأشقر الى نجم ساطع وغامض تحركه قوة خفية. وهذه التقنية وهذا التعبير هو ما قمتُ به في لوحة الفلاح العجوز. هل تتذكر الرجل الغريب الذي رسمته ظهيرة أحد أيام الصيف، وقت الحصاد، وقد لفحه لهيب الشمس بقوة؟ هناك حيث توهج اللون البرتقالي وتدرجات الأحمر التي أخذت لون الحديد المنصهر، كذلك شكل الرجل وخطوط ملامحه التي إلتبست وجنحت عن المألوف، لكن آه يا أخي الحبيب لا أعرف لماذا لا يقدر أغلب الناس هذا النوع من الرسم، وينظرون له وكأنه عبارة عن كاريكاتير! ألم نقرأ الكثير من الكتب التي غيرت نظرتنا لما حولنا؟ ألم تصبح هذه الكتب جزء من شخصياتنا وتطلعاتنا؟ وفي النهاية، ألا ينبغي أن نعكس ماقرأناه على أعمالنا الفنية؟
لستُ متأكداً إن كنت قد نجحتُ في رسم ساعي البريد كما أريد، أنه يشبه العم تانغي كثيراً، فهو مثله ذو سطوة وشديد الحضور. يُحار المرء بالنظر اليه كونه جمهورياً أم لا! هو في الحقيقة لا يطيق ذلك ابداً، فبداخله يتردد من كل شيء له علاقة بالجمهورية، لكن مع ذلك، قد سمعته ذات مرة يردد مع نفسه النشيد الوطني الفرنسي، يالها من لحظة، ظننت وقتها أنني في سنة ٨٩، لا اقصد السنة القادمة، بل اعني قبل ٩٩ سنة، شعرت وهو يردد النشيد بأنه قد خرج تواً من إحدى لوحات ديلاكروا أو دومييه، أو ربما ترجل خارجاً من إحدى اللوحات الهولندية القديمة، مع الأسف الشديد، في تلك اللحظات لم يكن جالساً لي كموديل، فأنت كرسام تحتاج لموديل يحمل هذا الذكاء والدعابة والحضور لتنجز لوحة عالية المستوى.
أعيد على مسامعك أن أموري المادية صعبة جداً هذه الايام، الحياة غالية هنا أكثر مما تتصور، ومتطلبات العيش تقارب باريس في إرتفاعها، فأنا بإنفاقي خمسة أو ستة فرنكات لا أحصل سوى على الفتات، أما حين يتاح لي موديلاً للرسم فحتى الفتات يكون بعيد المنال، لكني مع كل ذلك سأمضي، وأذكِّرَك فقط ان أتيحت لك فرصة ارسال بعض النقود الإضافية فذلك سيكون دعماً للوحاتي الجديدة أكثر مما هو لي. لا مناص يا تَيّو، فأنا بين خيارين لا ثالث لهما، فأما أن أكون رساماً حقيقياً أو رساماً بسيطاً عابراً، وأنت تعرف بأني أمضي في الاتجاه الاول. لكن ذلك أيضاً يحتاج الى متطلبات معينة للبقاء واقفاً، والفرق بين الاثنين يشبه كثيراً ان كان لديك عشيقة رائعة لكنها كثيرة المتطلبات، أو عشيقة سيئة لا تطلب شيئاً، والأمر يتعلق عموماً بالمال. لذا افكر غالباً بأن الرسم يجب أن يدعمه المجتمع كي يسير بطريقه الصحيح، لكن في النهاية علينا أن نصمت ونتحلى بالصبر أزاء اللامبالاة والإهمال الأزلي الذي يعاني منه الفنانين، ويبقى الرسم هو خيارنا الذي يجب ان ندافع عنه بأقل الامكانات.
من جانب آخر، تعافت معدتي واعتادت منذ ثلاثة أسابيع على البسكويت والحليبب والبيض، وأستمد قوتي عموماً من الدفء الموجود هنا، ومجيئي الى آرل كان أهم خطوة قمتُ بها بعيداً عن برد الشمال، فهناك ستمضي صحتي من سيئ الى أسوأ. نعم أشعر بخير الآن مثل الناس العاديين، وهذا ما لم اشعر به في نونِن، وأقصد بالناس العاديين، عمال رصف الطرقات المضربين عن العمل مثلاً، والأب تانغي، والعم ميليه، وحتى الفلاحين. فأن كنت تحمل روح هؤلاء، يمكنك عندها العيش على كسرة خبز وانت تدخن وترفع كأسك وتعمل طوال اليوم، لتشعر في النهاية بوجود النجوم وهي تحيطك بشكل لا نهائي، ويغطي حياتك بعدها شيء من السحر. وجود الشمس هنا هو الحقيقة الكبيرة ومن لا يؤمن بذلك لا يمكنه الايمان بالجمال ولا حتى بالإله.
لقد مرَّ بريد يوم السبت ولم تصل منك رسالة، لكن لا تهتم لذلك، وسأنتظر رغم شوقي لخطابك.
أصافحك بحرارة.
أخوك المحب
فنسنت

هوامش المترجم:
* أدولف مونتيشيلي: رسام فرنسي (١٨٢٤-١٨٨٦) درس الرسم في مرسيليا، وعاش سنوات في باريس حيث جمعته صداقة بسيزان، كذلك رسم الكثير من اللوحات مع جماعة باربيزون الذين كانوا يهتمون برسم الطبيعة. تميزت لوحاته بالخشونة وكثافة الألوان التي يضعها على شكل طبقات وعجائن على قماشات الرسم.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية