جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » جماليات


خضير الحميري في معرضه الأخير..حرب الكراسي وحرب طروادة!


خالد خضير الصالحي
1
تتحقق، في الرسم الكاريكاتيري، تواشجات نادرة، وتفاعلات بين واقعيتين تشكلان حتماً الرسالة الكاريكاتيرية: أولاً، واقعة بصرية: هي سواد مادة الحبر الصيني بخطوطه، ومساحاته الداكنة، واللون، الذي بدأ يخالط الحبر بدرجات متفاوتة، فلاقى قبولاً من متلقي الرسوم الكاريكاتيرية، في الآونة الاخيرة، وحتى من شكل الحرف الذي يكتب به الرسام تعليقاته، وهي وقائع بصرية علاماتية دالة ذات طابع ثقافي متواطئ عليه في الثقافة الشعبية،
وهو ما يعطي لتجربة خضير الحميري فرادة أسلوبية متميزة، وثانياً، واقعة لغوية موجودة حتماً، حتى وإن اختفت كنص مكتوب (أي كتعليق) فتظهر حتما كنص لغوي تأويلي ينبثق من الواقعة البصرية بحكم تشخيصيتها، أو تشبيهيتها دون الحاجة الى وجود تعليق.
لا يتطلب عملية التلقي، برأينا، درجة من الآلية المستسلمة (للعبة المدركات الحسية)، كالتي نجدها في السطوح الرثة إلا لشكل طفيف، حيث يستلزم تلقي خفايا العمل الكاريكاتيري المليء بالدلالات السرية، بحثاً يماثل البحث عن أشكال الحيوانات والكائنات في الحيطان العتيقة، والغيوم، وهي لعبة تتيح التمثل السلبي لحفريات الواقعة الفنية، وهو ما يهيئ عملية التلقي باتجاه تفعيل الطاقة التعبيرية لخفايا، وحفريات (متعرجات) سطح النص البصري، وعمقه، على حد سواء، ونقصد بحفريات الرسم الكاريكاتيري: الصور والعلامات البصرية، والتواطؤات الثقافية التي تشكل الدلالات الأعمق فيه، وهي كلها تحكمها نسختان من الواقع: الواقع العراقي المعيش كما يرسمه خضير الحميري، ونسخة مفترضة من الواقع وفق اشتراطاته التي تحققت للبشر في العالم المتحضر.
2
يعول الرسام خضير الحميري، (في معرضه الشخصي الكاريكاتيري (كراسي)، الذي أقامته مؤسسة رؤيا، وأقيم في دكانة رؤيا في (شارع المتنبي)، يعول على أن يتم تلقي اعماله استناداً الى الخزين الاجتماعي الذي يهيمن على الثقافة العراقية، وخصوصيتها، وطابع ذلك الخزين الذي تلعب فيه المفارقة والنكتة والطرائف الثقل المحسوس، مما بجعل ظهور الجاحظ وغيره من كتاب النوادر الفكهة انبثاقا طبيعيا في الثقافة العراقية، ومما سيجعل تلقي رسوم الحميري نتيجة لافق متوقع مما  تبنته الثقافة الشعبية العراقية، والذي يجيد الحميري التلاعب به وعليه، مما يمنح كاريكاتيراته مفارقة عالية تثير بالقارئ متعة البحث عن (نسخة الحميري) من الواقع، واكتشاف أوهام توقعات ذلك القارئ، التي يجيد الحميري كسرها سواء بطريقة مضحكة او محزنة ومبكية، بسبب التعارض المحزن بين واقع الحياة الذي يقدم الحميري نسخة منه بطريقة مبالغ بها، وبين النسخة التي يقدمها افق التوقع المقبول بشريا للحياة في حدها الأدنى. 
3
أُعد تجربة خضير الحميري علامة فارقة في الكاريكاتير العراقي.. واعتقد أن أهم ما يميزه الوصول بالفكرة، وبالشكل الى أشد درجات البساطة، مع القدرة على بقاء العمل وكأنه يشكل دبوساً واخزاً يدفع المتلقي لاتخاذ موقف من قضية ما..
يولي خضير الحميري التناول الشكلي عناية فائقة وإن كان يخفي ذلك بمنتهى الذكاء فالنماذج التي أقام بها معرضه (كراسي)، تنطوي على انزياحات شكلية ملفتة، ومؤثرة، وإن كانت تشتغل بطريقة مستترة تفعل فعلها دون أن ينتبه المتلقي لها، فـ(شخصية السياسي): بنظارته، وانفه المعقوف، كإنوف بعض السياسيين، وهي ترتفع كأنف (علي الاديب)، وسبابته النافرة كسبابة صدام حسين وعلي عبد الله صالح، ومؤخرته الكبيرة التي كان والدي الأمي يعتبرها علامة سيميائية للطبقات المتنفذة بالمجتمع العراقي أيام الخمـستينيات فكان يصفهم (البرجوازية أهل الطيازة (المؤخرات) الكبيرة)، وإن كل هذه السمات الشكلية تؤثث الفكرة، عند الحميري، وتهيء المتلقي للنظر الى الشخصية المحورية، وهب تمثل صوت الشعب، التي تقع عليها اوزار الافعال السيئة للسياسيين العراقيين، وهي شخصية (حنظلة) العراقي، الرجل المسحوق، الذي كانت اهم خصائصه الشكلية: الظهر المحدودب، والعرق المتصبب، والوجه (المجعوص)، وأهم الانزياحات المخالفة لقواعد التشريح المتعارف عليه: شكل اليد المحنية عكس اتجاه المفصل، وكل هذه التوكيدات الشكلية يتلمسها المتلقي بسلاسة ودون أن يفكر بتفاصيلها، أو أن كانت تطابق المنطق التشريحي أو لا.
4
لقد كنت، حيثما اريد الكتابة عن أنسنة الاشياء، يخطر ببالي، بشكل آلي، النحات ايف تانكي والنحات هنري مور، وكيف شاكّلا بين أشكال الحصى وأشكال البشر، فصارت أشكال الحصى كائنات تشعر وتفرح وتتألم، وأيضاً يخطر الرسام السوري يوسف عبدالكي، الذي تحولت بقايا الأسماك والحيوانات والأشياء عنده الى كائنات حية، تعقد صلات مع المتلقين، وايضا كيف تحول البشر الى كائنات بسحنة (بطاطية)، دون تشديد الطاءات، في لوحة (آكلو البطاطة) لـ(فان كوخ)، ولكنني بعد معرض (كراسي)، لرسام الكاريكاتير الصديق العزيز خضير الحميري سأستخدم رسوم الحميري، في معرضه هذا، نموذجاً لأنسنة الاشياء، فلم تعد الكراسي ما كانت عليه سابقا، تكوينا يفيد جلوس البشر، ومصممة لتستوعب اعجازهم بمقاساتها (الطبقية) المختلفة، لقد صارت الكراسي، (بعد) خضير الحميري، أمراً آخر مختلفاً، كائنات بدأت: تختلف، وتتخاصم، وتصدر عنها مواقف شتى..
5
آخر ما جلب اهتمامي في رسوم خضير الحميري الكاريكاتيرية تحولات نمط (التعليق) التي ترافق رسومه، فقد تجاوز هذا الرسام الانماط التقليدية: التعليق العادي الذي يكتب أسفل الرسم الكاريكاتيري، أو أسلوب التعليق بالفقاعة او الفقاعتين للحوار بين شخصيتين، أو أكثر، التي توشر الى شخصية المتحدث بما يشبه السهم الذي يشير اليه، أو اختفاء التعليق ليتحول وجوده الى عبارة (بدون تعليق)، فتحول التعليق عند خضير الحميري الى (نص) له سمات إخبارية، أو حكائية سردية، أو معلوماتية، ولكن باسلوب فكه كاريكاتيري وإن كان في الغالب سوداوياً حزيناً..
نموذج 1:
سيدتي ربة البيت..
إذا فَسُدت (الطبقة) فأن التخلص من بيضة واحدة منها لا يجعلها صالحة..
ولذلك .. وحرصاً على سلامة عائلتك الكريمة ننصحك بالتخلص منها كاملة .. مع (الكارتونة)!"..
نموذج 2:
أسباب التظاهرات(28):
المواطن يتظاهر لأن ثروات البلد ومنذ 16 عاماً كانت تُستثمر بهذه الطريقة!..
نموذج 3:
أسباب التظاهرات (29):
كلما (راكمَ) السيد المسؤول من:
"مقتضيات المصلحة العامة"
و"خدمةً للصالح العام"
و" بناءً على متطلبات المصلحة العامة"
كلما أصبحت مصلحته الخاصة في متناول اليد!!..
6
لقد كتب خضير الحميري عن الكراسي:
"الكرسي من أشهر قطع الأثاث وأكثرها إلفة واستخداما في حياتنا، فهو موجود في المقهى والرصيف والمطعم والمطبخ والصالة والمدرسة والدائرة والعيادة والوزارة و قاعة الأستقبال وقاعة المغادرة وقاعة البرلمان، وقاعة الأمتحان ،وقاعة الأنتظار، غير أنه أُختصرَ( وربما شُوهَ) رمزيا على نطاق واسع بدلالة السلطة والهيمنة والنفوذ!.
وقد كان الكرسي حاضراً في مخيال الفنان التشكيلي لأسباب جمالية و فلسفية عديدة، ويُعد كرسي (فان كوخ) الأشهر بين الكراسي المرسومة، كما يُعد الكرسي ذو الرجل المكسورة أمام مبنى الأمم المتحدة في جنيف ( لدانيال بيرست) الأشهر بين الكراسي المنحوتة، ودخل الكرسي في أعمال العديد من الفنانين الآخرين كبطل رئيسي للعمل الفني أو بصفة كومبارس، كما كان حاضراً في الأعمال الأدبية أيضاً (قصصاً وأشعاراً ومسرحيات) بدلالته الرمزية أو الأجتماعية أو السياسية، ممدوحاً مرة ومهجواً عشرات المرّات.
وقد تطور الكرسي تاريخياً من حجارة كبيرة طاب لأحد أجدادنا الأقدمين الجلوس عليها بعد أن شعر بألم في ركبتيه، الى (مسطبة) من الطين أو الحجر صنعها وطورها لاحقاّ الى (دكة) ثم (تخت) فكرسي بأربع قوائم بلا ذراعين ولا مسند، وبعد فترة نبتت له ذرعان وإتكأ على مسند عريض، ثم آلت الأمور أخيراً الى كرسي يهتز ويُدَلِك ويدور ويمشي و.. يطير أحيانا!!".
7
شكراً للصديق خضير الحميري الذي حفز أدمغتنا لسبر غور الكراسي لنعرف ما الذي تحبه الكراسي، وما الذي تكرهه الكراسي، وكيف تنقسم الكراسي طبقياً، وكيف تكون الكراسي مقياساً للوجاهة، وكيف تفرح الكراسي، وكيف تتقاتل الكراسي، وكيف، وكييف، و... كييييف.. ونموذجنا الأهم هنا، ساحة الصراع العراقية الآن، والتي هي في حقيقتها (حرب كراس) فاقت شهرتها وغرابتها حروب: طروادة والبسوس والأفيون والعلمين!..



المشاركة السابقة : المشاركة التالية