جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » جماليات


حاخامٌ شعريٌّ في معبد السينما


محمود عوّاد
كلّ شيء شعر، حـتى براز القطط حين تلامسه الكاميرا يصبح شعراً. بهذي الثــــقة المطلقة دأب سيرغي براجانوف على تعقّب خفايا الوجود ببصيرة كاميرته، فالحياةُ لديه مختزلة في مطاردة ظلال الحلم  واستدراجها إلى مخدع الوجود المرئي من خــــلال الـــتوهج في خلقه للصورة الناجمة عن إيمان داخلي بطقوسية العين. هذي الأخيرة إن لم تمــــــتصّ الاشياء بتحديقة مواربة،
يكون من اليسير الافلات من دائرة الدهشة البصرية الــــتي في تحـقّقها يُشعّرن الزمن بالفعل المكاني النابع من اعتماد الحديث من أسفل الأشياء، ذلك لأن الكاميرا آلة بوليسية تضفي على لــــحظة التصوير  زمنا مواربا.

ذلك  في ملامستها للأعـــماق، ولا يستبطن العمق من دون العمل على تعميد الشكل بمــياه الحادثة. وكلــــما لوّحت الكاميرا بالفعل البوليسي، أكّدت العين طقوسيتها. ويأتي الرهان عـــــــلى ضرورة طقسنة العين في المسح الشعري للفضاء، لإنتاج حساسية بصرية مهمّتها استجواب اللغة وتوضيح عجزها بطاقة الصورة. فمن خلال إصراره على استنطاق الكائن البشري يبدو أن براجانوف أراد أن يقول لنا بأن العين هي حاسة طقوسية أو هي الوحيدة من بين الحواس الأخـــرى لديها القدرة على طقسنة الجسد والوجود على سواء، إذ في أغلب أفلامه يـــــسعى إلى خلق سينما فيها من التداخلات النصية ما يضعها في قائمة الابتكار والتفرّد. فعند التنزّه بين أرفف مكتبته الفلمية، نكتشف أن السينما تكمن في قدرة الكاميرا على الدخول في صفقة مع الزمن، الغاية منها إقناعُ الزمن نفسه على الكلام من الأعماق على رأي روب غرييه، وهــذا لا يتم إلّا بوجود مـخيال خبير في فتح مسام الصورة بالطقس، بمعـنى أن يكون الصانع السينمائي على قدر عالٍ من اكتشاف الحواس بالشكل البصري ويمــــكن عدّ العين هــي الفلتر الحـــــسي الذي تمـر عبره كل الارسالات. متى ما امتلكت السينما هـذي الخاصية، صار لزامـًا على الزمن أن يستجيب لغوايتها، لأنها الفارس الوحيد المؤهل لدخول معركة الأشباح، فالسينما بحسب دريدا هي نِزال الشبح، ربما عنى بذلك مناورة الزمن بظلاله المتمثلة في مخــــاوف الإنسان من أن يُدهس بقطار الزوال. من هذا تتضح فرادة براجانوف إذ يتـــنقل بين أخيلة متنوّعة في بناء نصه البصري. ويمكن عدّ أفلامه سير طقسية للنشوء السماوي، فما يقدمه من خيالات تتراوح ما بين الحـــضور التعبيريّ والانعــــتاق السرياليّ المتـــأتي من ضـرورة التشكّل الحسي للمشهد. هذا التوهّج الجمالي يـشير إلى ولادة سينما سائلة كما نوّه باومان في  تناوله لتجربة براجانوف فأن تدخل في سجلّ السوائل، يعني أنك في قــــلب المستقبل، لأن الفكر السائل لازمنيّ بامتياز وَيُعنى بفتح قنوات حوار مع اللانشوء بواسطة محاكاة النشوء المحتمل المتمثل في الوجود المرئي غير الموثوق بجديته بحسب فلـسفة العدم.
ثــــمة شعرية مبتكرة  تمتاز بها سيــنما براجانوف، ويتسع مدى التـــميّز في توظيفه للمعارف المثـولوجية بوعيٍ حلميّ واضح المعالم لا يخلو مـــــن رغبة المخرج في قراءة كوالـــيس المأزق الـتأريخي للروح البشرية، ففي اعتـــماده على الطقس بشقيه التهريجي والعزائي يكــــون قــــد أعلن تفرّده واختلافه عن مخرجين جاهروا في تبنيهم لمشـروع الســينما الشـــعرية، في مقدمتهم بازوليني وبونويل وتاركوفسي وثيو انجلوبولوس وجـودوروفسكي وبرجمان وجـــوبلر روشا. فإن فتشنا في الحقائب الاخراجية لهؤلاء المخرجين، فســنطّلع على عوالم طقوسية متعددة، فالمشغل الطقوسي لدى بازوليني هو رابليــهي صرف، والرابليــهية هي تدنيس المقدس من خلال استضـــافته أرضــــيا بحسب باختين، فيما ينصهر بونــويل في طقوسيات مقاربة لمناخات القســــوة لدى آرتو. في المقابل نجد أن انجلـــــوبولوس وبرجمان ينطلقان من مـخيال طقوسي يعمل على اكتشاف الزمن المراسيمي. أما الطــقس البراجانوفي فهـو تنقيب أسطوري في مخطوطات زمن الأسلاف في تبيئته للصورة، أي جــــعلها أرمنية الملامح في توظيــــفه للأزياء والموسيقى، أي أنه فهم خطورة اللعب مع الفلــكلور. ويُعد فلم لون الرمان عـــــلامة فارقة في الأرشيف السينمائي ، فقد استطــــاع المخرج بفيلمه هذا أن يؤسس مــعبدا بصريّا يتـــماهى  معه كبار فلاسفة السيــنما، منهــم غـودار الذي يقول أن الانحناء في حضـرة براجانوف اعترافٌ بعــبقرية السينما، ما يعضد نتاجه أنه سعى إلى صناعة سيــــنما تُشببه!!، وليـس ثمة شبيه للشــــــــمعة سوى لهبها الذي يتمنى أن يراها مشتعلة دوما. فأحلامٌ مثيـــرةٌ للجـدل لاشك أنها ســــتأتي  بسينما منبوذة من قبل سلطات القتل، لكنها عندما تــُـــستَوعب مؤكد أنها ستضمن خاصيتها الانبعاثية في ضمير الأمة. إضــــافة إلى اعتماده الفلكلورين الملبسي والغنائي، عــــمد الحالم الجورجي إلى طقسنة الصورة بالمكان للفوز بقراءة شعرية للمـــــــــــضمر المعماري، وقد ألغى بذلك حوائط الرؤية، مراهنًا على إيروسية البصيرة، فأفلام "مثل لون الرمان والاسطـــورة وذكرى الأجداد المنسيين" كي نمسك بمفاتيحها، توجب على المشاهد أن يــــجتهد في كسر زجاج البصر بحجارة البصيرة.
إن التوّهج الفلسفي للمكان السينمائي يفـــــترض أن يتم اختياره على وفــق توافر مخيال طقوسي، فمن دون ذلك تصبــــح عملية الاحتفاظ بزمن اللازمن معجزة كبرى ،وربما لا تتــحقّق أصلا. وفق هذي الرؤى أستطيع تسمـية المخيال البراجانوفي بصائد ظــــلال الشـــــعر سينمائياً.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية