جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » متابعات


من كتاب "أن تفهم" لماريا بوبوفا


ترجمة: سليمان زوقاري
الفصل الصفر
كل هذا - حلقات زحل وخاتم زفاف والدي والجزء الأسفل من السّحب الذي يورّده شروق الشّمس ودماغ آينشتاين1 السابح في جرّة من مادّة الفورمالهيد، كلّ حبّة رمل خلق منها الزّجاج وصنع منه ذاك الوعاء وكلّ فكرة خطرت على بال آينشتاين، تلك الراعية في مرتفعات ريلا في بلدي الأم بلغاريا وكلّ دابّة من دوابها، كلّ شعرة في أذني الكلب شانس المخملية والجدائل الحمراء لماريان مور2 وشوارب قط مونتاني3، كلّ ظفر من الأظافر الشّفافة لمولود صديقتي أماندا الجديد وكلّ حبّة حصى ملأت بها فرجينيا وولف4 معطفها قبل أن تقفز في نهر أوز وتغرق
كل ذرّة نحاس تكوّن منها قرص أغاني الأوبرا الفرديّة التي على متن أولى المركبات البشريّة في اختراقها الفضاء النجمي، كل انشقاق في ألواح الأرضيّة المقطوعة من خشب البلوط، تلك التي تعثر فيها بيتهوفن5 خلال نوبة الغضب التي فقد فيها سمعه، رطوبة كلّ  الدموع المذروفة على كل قبر من القبور وصفرة مناقير الغربان التي لطالما راقبت المنتحبين، كل خليّة في إصبع غاليليو الضّخم وكلّ هبأة غاز وغبار صنعت قمر المشتري الذي كان يشير إليه، الدّب الأصغر الذي تكوّنه حبّات النّمش المحتشدة على سماء زيتونيّة لساعد أحبّه وكلّ رعشة عصبيّة يحدثها الحنان وأنا أعبّر به لها عن حبي، كلّ الوقائع والخيالات التي نلتمسها لإدراك الواقع وإعادة تشكيله - كلّ هذا وذاك انبثق إلى الوجود منذ 13.8 مليار سنة من مصدر واحد لا يتجاوز ضجيجه المقدّمة التي استهلّ بها بيتهوفن سمفونيّته الخامسة ولا حجمه النّقطة التي تتهادى فوق حرف i الذي يعتبر الشكل المصغّر لحرف I عندما ينزل من عرش الكبر.
أ يُعقل أن ندرك كلّ هذا ونستسلم في الوقت ذاته لأوهام الإنفصال والغيرية؟  ذلك هو الغشاء الشّفاف الذي نظر د. مارتن لوثر كينغ جونيور6 - مخلوق  التقاء الحوادث واحتشاد الذّرات - من خلاله عندما تحدّث عن "شبكة التبادل التي لا مفرّ منها" وهو ما أصرّ عليه والت ويتمان7 عندما كتب "كلّ ذرّة تنتمي إليّ بحقّ فهي تنتمي إليك أيضا".
في صباح من صباحات الخريف، وبينما كنت أطالع رسائل شاعر راحل في الفناء الخلفي لمنزل صديقتي ويندي  بمدينة سان فرانسيسكو، لمحت شذرة من ذاك التّبادل الذرّي. حدث ذلك في وسط الجملة، جذبتني رؤيتي المحيطيّة  - تلك الغريزة العظيمة التي نتجت عن آلاف السّنين من التّطوّر - إلى مشهد عجائبيّ: ورقة حمراء صغيرة لامعة تبرم حول نفسها في الجوّ. بدت لي للحظة وكأنّها تراقص نفسها قبل الهبوط الأخير، ولكنّها ظلّت معلّقة في الجوّ ارتفاع ستّة أقدام على الأرض دائرة حول مركز خفيّ بفعل قوّة لامرئيّة. لبرهة من الزّمن، فهمت  كيف يمكن للحوادث العصيّة على الإدراك أن تدفع العقل البشري إلى اختلاق الخرافات أو تجعل متساكني القرى في القرون الوسطى  يلجؤون إلى تفسيرها  بالسّحر والشّعوذة. ولكنّني عندما اقتربت مليّا، شاهدت شبكة عنكبوت رقيقة تلمع في الفضاء الذي يعلو الورقة وهي تتآمر على الجاذبيّة محدثة تلك المعجزة الدوّارة.
لم يكن ذلك من حبائل العنكبوت للورقة أو من خطط الورقة للعنكبوت ولكنّهما كانتا هناك، بفعل بندول أخذ في التمايل عرضيّا جراء القوى عينها التي تبقي أقمار المشتري في مدارها ، لكي تبعثا إلى الحياة  مثل هذه المتعة الزائلة في هذا الصّباح الباكر بفضل القوانين الكونيّة التي لا يقدر الجمال على اختراقها ولا المعنى على الفوز باهتمامها، فيما يعتبرها الوعي البشريّ زاخرة بهما في آن.
نقضي أعمارنا محاولين التمييز بين المكان الذي ننتهي إليه  و المكان يبدأ فيه ما تبقى من العالم. نلتقط صورا ثابتة للحياة من تزامن الوجود متمسّكين بأوهام الديمومة والانسجام والاستمرار الخطّي التي نسقطها على ذواتنا وحياتنا الجامدة فتتحوّل إلى سرديّات ذات معنى. وخلال كلّ هذا، نخلط بين الحظّ والاختيار وبين النماذج والأسماء التي نربطها بالأشياء وبين الأشياء ذاتها فضلا عن الخلط بين ما ندوّنه في سجلّاتنا والتّاريخ نفسه. ليس التاريخ ما حلّ من أحداث وحسب، ولكنّه ما يحيا من حطام الأحكام والحظّ.
يمكننا استجلاء بعض الحقائق مثل الجمال بشكل أفضل إذا ما سلّطنا عليها شعاعاً منحرفاً من الفهم وصناعة المعنى.تتقاطع المدارات، ونحن نمارس الفهم، دون علم بالأجسام التي تحملها في أغلب الأحيان. تحتاج هذه التقاطعات مسافة عقود وقرون لكي نستطيع تجسيمها. تتقاطع الوقائع مع وقائع أخرى لتلقي ظلالا شتى على حقيقة أكبر - نحن لا نتحدّث هنا عن النّسبية بل عن أقصى ما توصلنا إليه من درجات الواقعية. نمرّ عبر مفهوم التّزامن بكوننا كلّ شيء في الوقت نفسه: أسماؤنا الأولى وألقابنا ووحدتنا والمجتمع وطموحنا الجامح وأملنا الأعمى وقصص الحبّ المتبادل تماما أو جزئيا. تعاش الحياة بشكل متواز ورأسي وتنساب بغموض لاخطيّ ولا يمكن فهمها من خلال الأشكال المستقيمة للسيرة الذاتية بل عبر رسوم بيانيّة متعدّدة الجوانب والرّوائع. تتناسج حياتنا مع حيوات أخرى وتنتج عن ذلك النّسيج إشارات تحيل إلى أجوبة على أسئلة  ملتصقة بكنه الحياة: ما هي أسس الشّخصيّة والقناعة والإنجاز الدائم؟ كيف يتمكّن المرء من أن يمتلك ذاته وأن يحقّق سيادة عقله مقاوما الأمواج العاتية للتّقاليد والفكرالمتلبّد المنتصر للمجموعة على حساب الفرد؟ هل يكفي النبوغ  أو التميّز أو الحبّ من أجل تحقيق السعادة؟ يبدو أنّ  الحصول على جائزتي نوبل لم يكن أمرا كافيا من أجل تعويض الكآبة المشعّة التي كانت تظهر في كلّ صورة لتلك المرأة المسربلة في لباس المختبر. هل النجاح ضمان لتحقيق الذّات أم هو مجرّد وعد هشّ يماثل في هشاشته نذرا من نذور الزّواج؟ كيف يمكننا بلوغ الكمال في لحظة وجوديّة محاصرة بالعدم؟
هناك أنواع لا حصر ولا نهاية  لها من الحيوات الرائعة.
تنبع الكثير من أوجه الجمال والعديد من الأشياء التي تدفعنا إلى البحث عن الحقيقة من علاقات خفيّة تربط بين الأفكار و الاختصاصات والسّاكنين في مكان وزمان ما والعالم الداخليّ لكلّ رائد من الرّواد والأثر الذي يحفرونه على جدران كهوف الثّقافة و الشخصيات الباهتة التي تمرر بعضها البعض في العتمة قبل أن يضيء مشعل الثورة فجرا جديدا بأكثر من نصف إيماءة وعود ثقاب منتقلا من يد إلى أخرى.

هوامش المترجم:
1- أنشتاين: عالم فزياء نظرية ألمانيّ اشتهر بنظرية النسبية وكان من رواد الفيزياء الحديثة
2- ماريان مور: شاعرة أمريكية عرفت بدقتها اللغوية ووصفها العميق وملاحظاتها الحثيثة للناس والأمكنة والحيوانات والفنون.
3- مونتاني:  من أشهر فلاسفة عصر النهضة بفرنسا. هو أول من جعل المقالة صنفا أدبيا منفردا بذاته.
4- فرجينيا وولف: روائية أمريكية اشتهرت بانتحارها قفزا في نهر أوز بعد أن ملأت جيوبها بالحصى
5- بيتهوفن: موسيقار ألماني اشتهر بسنفونياته المجنونة رغم فقدانه حاسة السّمع. كان من أبرز وجوه الانتقال من العصر الكلاسيكي إلى الرومنطيقية. أعتبر من أعظم الملحنين والموسيقيين.
6- د. مارتن لوثر كينغ جونيور: هو قس مسيحي أمريكي اشتهر بكونه وجها من الوجوه البارزة لحركة الحقوق المدنية للزّنوج الأمريكيين. أغتيل سنة 1968.
7- والت ويتمان: هو شاعر وكاتب مقالة وصحفي أمريكي. عرف بمواقفه الإنسانية وكان من الوجوه البارزة للفترة الانتقالية بين الفلسفة المتعالية والواقعية. يعتبر من أوائل الشعراء اللذين كتبوا الشعر الحرّ.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية