جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » نصوص


الهدوء رجاءً..جدعون يكتب


بقلم :علي حداد
الكلمة:  الجحيم لايمنع  بوح الروح ..

الإهداء: إلى إبراهيم أحمد.. وبوحه الرائع

لاأعرف من أين تأتي الأقوال الخالدة ..حتى أصبحت كأنها مثلٌ دارج ..وثمة أمم تربي هذه الكلمات وترعاها وتفتخر بها ..وتتباهى بها أمام  بقية الأمم
..فمصر تكتب ولبنان تطبع والعراق يقرأ ..بقي السيد جدعون يفكر بهذا طويلاً وكيف به بصناعة قول يخلده.. وتصبح مقولةً ترفرف مثل علم له قدسيته ..علمٌ يبقى مرفرفاٌ في أعالي السماء بلا تعب..أراد جدعون أن يطرح تساؤلاته أمام زوجته راحيل لكنه عزف عن ذلك حين صاح أحد اولاده ..شاهدها كيف هرولت إليه بساقين سمينتين قويتين تتحدى الأرض.. وتأكلها بأقدامها ....
جدعون رجل متوسط القامة متين البنية بوجه أحمر تزينه عينين بنيتين صغيرتين بشارب كث يمسحه دائماً حين يأكل أويشرب أو يدخن غليونه
..وصارت تلك العادة لازمة ملتصقة به .وهو من أصل يهودي ولد في مدينة هيت التي أحب كل هيتها حتى إنها أمست لازمته الثانية ...
جدعون كان مثلي يكتب القصص القصيرة جداً بوله وعشق شديدين..وكان اولاده وبناته  ..يمنعون بضجيجهم الوحي الذي يريد الهبوط عليه ، حسب اعتقاده ..وكان يشتكي لزجته من دبيبهم في البيت
- أعرف ما ستقولين صحيح إنهم ملائكة جميلة لكنهم يطردون الوحي ويمنعوني من التحليق بعيداً سعياً الى مقولة اريد لها البقاء من بعدي..أو قصة صغيرة ..
- جدعون هذا الهراء لايصدر من جدعوني الحبيب أبداً ...
كان مثل امرأة حانت ساعة ولادتها وهي تبحث بعينين صغيرتين عن مكان آمن لجنينها ..كان يحمل أوراقه وقلمه الباركر وغليونه وينتظر وحيه أن يهبط عليه بقصة قصيرة جدا أو بمقولة ذهبية تبقيه في ذاكرة القراء
- راحيل زوجتي العزيزة ..أنا أشبه بطائر يريد أن يحلق لكن الأولاد يقصون جناحي...تعرفين ذلك  ها ؟
أمسكت بيده اليمنى وقادته الى مكتبه وأجلسته وقبلته ثم أردفت:
- قلم شاربك وشذبه إنه ينغزني
وبعد النكسة التي حدثت في العراق عام 2003 احست راحيل بأن جدعون فقد هيت ..وكأنه فقد ملائكته كلها  ورأته وهو ينطوي على نفسه فالضجيج لم يعد يعم البيت بل عم العراق كله ..وهيته راها ولأول مرة تخلع ثوبها الراقي لترتدي ثياب بالية رثة.. أحزنه ما يجري ..وتراه راحيل وقت غروب الشمس يتمرغ في مزرعته كأنه يودعها الوداع الأخير ..ويشم الأرض والزرع ويحتضن الشجرة الوحيدة في مزرعته  ..شعر إنها ملاكه بعد أولاده ..ربما  هواجسه التي  اخبرته بذلك الفزع الكبير ...وفي العام 2006/2007 أيام  القتل على الهوية ..زمن القتل الطائفي  المقيت حلق جدعون وراحيل وملائكته الى تركيا ومن هناك الى فلسطين ...هكذا فعلت به رسالة صغيرة وفي مظروفها طلقات من رصاص وتخيل كيف سيقتلون أولاده  وزوجته أمام عينيه....
وحين استقر جدعون وعائلته هبط عليه الوحي برواية  نالت وعلى حين غير متوقع جائزة نوبل للآداب ....واليوم إذا أتيح لك الزمن وزرته في بيته لوجدت لافتة كبيرة على الطريق وأمام البيت خط عليها
< الهدوء رجاءً ..جدعون يكتب >
وأنا الكاتب العراقي المهوس في كتابة القصة القصيرة جدا تمنيت كأي كاتب سخيف آخر..ان تغطّي لافتات على طول حدودنا نخط عليها بدموعنا التي صارت بلون الدم
< أطفئوا هذا الجحيم.. فالعراق يريد أن يعيش >

7/8/2019/نريد أن نكتب



المشاركة السابقة