جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » جماليات


انهيار السلسلة في عالم السينما والبعد السياسي للبطل


مهند الخيكاني
هل نجاح أفلام الهيروز الى يومنا هذا في شباك التذاكر في أغلب دول العالم وفي المواقع الالكترونية وبقية الوسائل تعني أن العالم بحاجة إليها ؟ أم تعني العكس من ذلك تماماً ، بمعنى أن العالم خصوصاً في الدول المتقدمة تجاوز مرحلة الاتكاء والانتظار المتمثل بالجموع المظلومة لبطل ينقذها من خانة الظلم والطغيان ، فذهبت لاستذكاره واستحضاره كإرث ينتمي الى ثقافة العالم ؟ حتى لا يفوتنا ذكر ذلك ،
هل يمكن اعتبار السينما المنتجة لأفلام الهيروز ، تحقيقاً لحاجة بشرية ملِحة ؟ ولهذا السبب مثلاً هي تتكرر في كل عصر وفي كل حقبة  ؟
حيث تتخذ اشكالاً ثيمية فيها من التقابل والتناظر على مستوى التأسيس والمتن، وتتضاد في التفاتات لامعة تتخلل التفاصيل المسرودة بكيفيات مختلفة . ولعله السبب الأهم في القبول المزدحم الذي تلاقيه معظم الأفكار المعاد انتاجها في أزمنة مختلفة وكذلك معظم المسلسلات . أو لنذهب أبعد من ذلك ونفترض وجود علاقة متينة تخفيها ألوان الشاشة البراقة بين عالمي الأبطال وعالم السياسة ؟، هل أبطال هوليوود أبطال سياسيون ؟
باتمان، زورو، سبايدرمان، ايرون مان، انتي مان، ثور، والمنتقمون افينجرز، وغيرها الكثير، كما يعرف القراء بأن هذه الافلام هي عبارة عن سلسلة لكل واحدة منها، ومن لطائف السينما أن جمعت مارفل أبطالها في سلسلة أفلام متناغمة الى حد ما في توريط المشاهد الى اكمالها بل وانتظارها، فدائما الهدف المادي هو الأساس بمثل هذه الأفلام الرائجة التي صنعت المتلقي الذي تريده منذ عقود، ثم راحت تجوعه حيناً وتطعمه حيناً، فلا هو مصاب بالشبع والملل ولا هو منتفض عليها .
بلا شك اننا اليوم ازاء اعمال فنية، تتداخل فيها الجهود من كافة المجالات لإظهار الفلم بأفضل صورة ممكنة، لكن الذي يحتاج الى الإشارة في خضم هذه الفوضى الجاذبة، تدّخل العامل الاقتصادي وتحقيق واردات خيالية، في كتابة السيناريو !، وإذا شئنا افتراض جملة مسببات لظهور فكرة السلسلة في السينما اليوم، فهي قائمة بالدرجة الاساس على الغرض المادي، حيث إن نجاح فكرة معينة لفلم ما، يضعه في خانة الاستهداف في جعله بداية لسلسلة، حيث ينتهي الفيلم والمشاهد لم يزل بعد في حالة جوع متفاقم لإكمال قصة ثانية، " القصة الفخ " لو صح التعبير، في ظل القصة المنغمس في مشاهدتها، وهكذا يظل المشاهد يعيش انتظاراً محسوباً ومشكّلاً بحسب رغبة القائمين على هذه الصناعة .فالحاجة الى إخراج فيلم وكتابة سيناريو محسوب الحركات واللقطات بدقة عالية، ثم ايصاله الى تلك النقطة التي يبدو معها إن القصة توشك على الانتهاء، لكنها سرعان ما تبدأ بزرع ملامح ضبابية تصنع ثلمًا كان في السابق هذا الثلم غير متوقع، أما اليوم فهو راكز في حسبان المتلقي، ومثل قطع الليغو تبدأ الحلقة الثانية من السلسلة مكملةً ذلك الجزء الناقص، المصنوع بدراية وخبرة سنين لصنع غرف الانتظار وسبائك الترقب المصقولة بالتعطش، وبالآلية نفسها يتم دفع السلسلة الى الختام . هذا التدخل هو من جانب يشير بل ويؤكد أن الغرضية تعلو فوق الصالح الابداعي، ويضع الاعمال الفنية بعد أن تم تحريرها عبر نظريات مختلفة طوال عقود، من الوظيفة والأدلجة وجعلها حجراً ثانوياً في اللعب السياسي والديني، الى تدجين وادلجة من نوع ثان تقوّض فيه القيم وتتداعى خصوصاً وأنها تصدر عن شركات ومؤسسات تضع شرفةً على جبين العالم بأكمله، تنظر اليه وينظر اليها، وهي مؤسسات فاعلة ومؤثرة، ولاعبة أساس في الثقافة العالمية .
عادةً الأفكار المدهشة تصدمك في المرة الأولى، بل إنها تشير الى ذلك الادهاش من تلك المرة الأولى التي تترك انطباعاً فيها على المتلقي، غير المألوف والصادم ممتزجا بخبرات المتلقي وعدم جاهزيته في الوقت ذاته، يضاف الى ذلك عدم قدرته على استيعابها بشكل متكامل، يترك فيها شيئاً من الغموض العابث، الذي يشبه الطفل، يركض هنا ويركض هناك قليلاً على سطح العمل الفني، مانحاً قراءات مختلفة وعديدة تزيد من اللذاذة والتأمل . لكن لو اخذنا هذه الفكرة نفسها كمثال، واطلعنا عليها مرة ثانية، ستخبو هذه الشعلة، في المرة الثالثة، ستصبح أقل، في المرة الرابعة ستتحول الى شيء جميل يوضع في قائمة المفضلات، وقد تميل الى تذكره أكثر من الاطلاع عليه من جديد . هذا مع الفكرة الواحدة المستقلة، لكن ماذا لو تحوّلت هذه الفكرة الى فكرة توأم، بجزأين؟، أحياناً في هذه المنطقة بالذات، يكون الجزء الثاني متمماً جيداً لإشباع فكرة عميقة وضاربة وتحتاج الى فرصة أخرى لجعلها اكثر استرخاءً في اخذ نصيبها، فتكون هناك افلام مؤلفة من جزأين أو ثلاثة أجزاء موفقة الى حد ما، ومع ذلك كله، عندما نشاهد بقية الأجزاء تكون الفكرة الأساس قد احترقت، ودخلنا مرحلة جديدة من الاحداث، وهذه الأحداث لا تقوم على الجديد والمختلف وغير المألوف الذي وضعت فيه المشاهد / المتلقي في البداية، فتبدأ معها سلسلة من الارتفاعات والانخفاضات المفروضة في سد وحشو المتبقي، ومن النادر جداً نجاح الجزء الثالث بالقدر نفسه الذي حظي به الجزآن الأول والثاني على المستوى الفني في التلقي والمشاهدة لا على حصيلة شباك التذاكر.
في فيلم الماتريكس مثلاً كان الجزء الأول منه أشبه بصاروخ في عالم السينما، في الجزء الثاني احترقت الفكرة وأصبح المشاهد بانتظار اكمالها، فهي ما تزال عالقة ولم تستولد أفكاراً جديدة بالاستناد على فكرة الجزء الأول بل بقيت تستمد طاقتها من الفكرة نفسها حتى أصيبت بالوهن، في الجزء الثالث أصيبت بالعجز، وما أضاف الى انحساره التدريجي هو تغيير بعض الممثلين بآخرين لنفس الشخصيات التي ظلت حاضرة بكل الأجزاء. بينما لو أخذنا العراب كمثال ناجح عن الأفلام متعددة الأجزاء، سنجد واحداً من أسباب نجاحه  (أجزاء أو سلسلة )هو الفترات الزمنية المتباعدة بين جزء وآخر، والذي صاحب هذه المسافات الزمنية الكثير من التحولات اللاحقة على مستويات اجتماعية وثقافية وتكنلوجية وبيولوجية على مستوى اختلاف عمر الممثل وتغير هيأته، ما أعطى مصداقاً وثبوتات جوهرية ناصعة تتماشى مع قصة الفيلم و لم تحتج الى التلفيق . موضوعة الفلم المتعلقة بالمافيا ساعدت ايضا على استيلاد أفكار مكملة تحمل طاقتها الشخصية، وتمد حبلا رفيعا الى الفكرة الرئيسية يشير الى كونها فكرة متممة، وهي بذلك يمكن مشاهدتها بطريقتين كأجزاء مستقلة وكسلسلة أحيانا، ولابد من الالتفات الى أن الفكرة كانت تستدعي فكرة أخرى تسند القصة وتُشبعها، أي أنها لم تتعرض لعملية الاقحام كما يحصل في كثير من الأفلام وهذا الحديث ينطبق على الأعمال الفنية في مجالات اخرى، ذلك لاعتبارات قائمة على تشابهات جوهرية تتخذ من الفكرة والتفكير والرؤية والرؤيا مزيجاً سحرياً يوضع في آلات إخراج العمل الفني فنقول هذا فلم وهذا رسم وذاك شعر .
سيد الخواتم مثال على نوعية الأفلام الرائعة التي تعرضت للظلم بفعل الدافع الربحي، على الرغم من كونه ينتهي في ثلاثة أجزاء بشكل تام عند أي مشاهد، ولكننا فوجئنا بأجزاء لاحقة اتخذت من زوايا هامشية في القصة الأساس مادة لها، تملؤها الثغرات وكثرة الحشو والتكرار، هذا غير الأفلام التي تبدأ جادةً وتعلوها الصرامة والحدة ثم تتحول بلا مبرر في أجزاء لاحقة الى أفلام تحمل طابعاً كوميديا يتخلل المشاهد والحوارات !
إننا أمام مظلومية كبرى تتعرض لها الأفلام ذات الأفكار الثمينة، انتهاك مبرمج يوماً بعد يوم من قبل الشركات المصنّعة، مرة في إعادة انتاج أعمال سينمائية قديمة، ومرة في مطّ القصص والأفكار خارج حدود قدرتها على الإضاءة وتوليد الاشارات، بحجة السلسلة .
أما بالنسبة للبطل والمتلقي، فالمجتمعات المتقدمة لا تحتاج في ظل الثورة التكنلوجية والميول نحو الفردانية وصناعة العيش بشكل يتناسب عموديا مع الفرد أكثر من كونها أفقية كما في السابق الى الأبطال والمنقذين، فنجد أن المنتمي لتلك البلدان يشاهد أفلام " البطل "، كقصص  متعالقة مع سرديات تاريخية واخرى مثلوجية، تبعث المتعة والراحة وكسر رتابة وصلادة الحياة وقسوتها ذات المنطق الدسم الذي هو واحد من افرازات الفلسفة المادية التي تنخر المجتمعات الغربية . بينما قبالة هذا المتلقي/ المشاهد، يوجد المشاهد المنتمي لدولة منسحقة وشعب متأخر في ظل منعرجات سياسية خائضة ومولّدة للخراب، لا يحظى بأبسط حقوقه، ولا يوجد من يعوض ويسد حاجته النفسية والعضوية والروحية ايضا، فيلتجأ ويميل الى الشخصيات المقدسة، ويتخذ من صورة المنقذ والبطل التي تتشكل وتتفرع في حياة مجتمعات بأكملها طلبا للحياة، ومحاولة في تخليق الأمل، فيبدو المنقذ الهوليوودي منقذا مألوفا وصديقا قيّما، حيث ثمة علاقة حميمة تربط بينهما، فهذا المتلقي رأى ويرى ويعيش مع أبطاله المقدسين المتوارثين منذ ولادته، وحاجته الى البطل والمنقذ تجذّرت بفعل الثقافة الشعبية والشفاهية المحكية المتصدرة لسلوك الفرد، المساعِدة في إنتاج القيم بدورها . وبذلك نحن أمام نوعين من التلقي يُحسم من خلال ثقافة المجتمع ومدى تطوره وعلاقتهما بالسياسة .
في الحقيقة أن القضية برمتها فيها شيء من الظرافة، فنحن اليوم إزاء أبطال يمتلكون قدرات خارقة ويمثلون مجموع القيم والاحلام  غير المتحققة بما فيها من نقص إنساني يبتغي تحقيق حاجات نفسية وترويحية، لكن هؤلاء الأبطال يتقاضون أجوراً عالية لتحقيق رغبة المشاهد ! أبطال صنيعة شركات ما تزال تعزز هذه الأفكار المستهلكة بتغليفها وطرحها بشكل مختلف، يشبه تبادلاً للحاجات، إلا أنه يحدث على ضفتين، يمنحون المشاهد حاجته المعنوية التي هيئوا لها مسبقا، ويتقاضون قبالتها حاجتهم المادية .

احتلت اميركا العالم عبر الاقتصاد القوي، وصناعة السينما، خصوصاً وهي تصدّر الثقافة الاميركية بكل اطيافها وجماعاتها الى العالم، واضعةً المتلقي في حالة تنميط مركّزة، يسعفها التكرار والانتشار، ومع مرور الوقت يجد نفسه مخترقا ومتآلفاً مع ابطال اميركيين ينقذون الكوكب من الدمار، وهم المعادل الموضوعي لكفة الخراب التي تتسبب بها الحكومات الأميريكية المتعاقبة، فحتى في حروبها الماضية كانت السينما تعرض لنا الجيش الأميركي كجيش بطولي ومنقذ لم ينتهك ثقافات ومجتمعات وثروات ولم يقتل مئات الآلاف من الناس، ومثل ذلك إظهار السياسيين والقادة في برامج كوميدية، تقرّبهم وتجعلهم محبوبين من الجماهير، وهم بذلك يزيحون الخوف والارتباك من خلال هذه اللعبة، التي يظهر فيها من يمتلك بحركة من اصبعه تدمير العالم، وكأنه إنسان بسيط واعتيادي يمكنك أن تأخذ معه سيلفي، وتحاوره وتطلب منه في برنامج ما أن يؤدي خدعةً أو يقول نكتةً.
قبل مدة قصيرة أدّت تشارليز ثيرون دور وزيرة للخارجية الأميركية مع الممثل سيث روغن في فيلم "long shot"، وظهرت فيه جوانب انسانية عميقة واحتياجات عاطفية تم التعبير عنها من خلال علاقة حب حدثت بين الشخصيتين داخل الفيلم، وفي احدى حوارات الفيلم هناك مشهد تعبّر فيه وزيرة الخارجية الاميركية وهي تحدث حبيبها عن الحب والخوف الذي تحسّه من الحب، برغم انها كانت مع صدام حسين في مصعد واحد ذات يوم ولم تشعر بمثل هذا الخوف !، إنه أمر مضحك صراحةً، كيف يتم إرسال الرسائل الملونة والمدسوسة من خلال القصص الغارقة بالإنسانية والحب والرومانسية الحالمة، هذا التآلف مع العالم عبر السينما وقربهم من الناس في كل مكان عبر ادوار مختلفة تشتغل في المنطقة نفسها، يجعل المشاهد يشعر بشيء من الأمان والطمأنينة، بل سيرى بالتأكيد أن اميركا صديقة الشعوب لا عدوتها، وإن الحروب هي حروب انقاذ، وإن الحكومات التي كانت سبباً في اسقاطها لم تكن لمصالح اقتصادية وسياسية في المنطقة، بل بهدف إزالة السلطات الدكتاتورية وأحياناً لاستهداف شخصيات دينية متطرفة مثل ابن لادن وصدام حسين وغيرهم بل أنهم يتعكزون على مثل هذه الشخصيات المتطرفة أو الدكتاتورية ليظهروا بهيئة الحمل . لعل ارتباط السياسة الاستحواذية وطبائع الهيمنة الاقتصادية على مقدرات الشعوب بصناعة السينما، وتصدير أبطال اسطوريين وأبطال يمثلون الحياة اليومية، بوجود رؤية سياسية أكبر هو أسوأ ما يمكن أن يتعرض له عالم السينما .



المشاركة السابقة : المشاركة التالية