جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » نصوص


ظل التبريزي


سعاد الجزائري
مر من هنا قبل زمن غير معلوم، ربما بداية الميلاد او بعده بألف عام، كان متعجلا وكأنه على موعد مهم، مر أمامي انيقا، طويل القامة، حزين الوجه، تائه العينين، وفي موقع القلب فراغ مفتوح وكأنه تجويف عملية استئصال..
تجاوزني بسرعة لكنه ترك لي ظله الذي استدار نحوي ثم اقترب، واقترب أكثر، ثم التصق بي.
لفني الظل بذراعيه، ضمني إلى قلبه الذي ظل يخفق بقوة حتى وهو يتسرب قطرة قطرة في روحي، ثم تبخر منها نحو السماء لينزل مطرا باردا على صحراء قلب تيبس.
اين رأيتك قبلا، سألت الظل، فأجابني:
- أنا حبٌ نساه الزمن وسحقته الايام..ابتلعت الساعات عمري سحبني الغياب إلى بئره المظلم، فحاولت التسلق اليك عبر شعاع شمس سقط بهذا البئر، لكن الشعاع أطفأته ظلمة الحزن..
وأكمل قائلا؛ جسدى مضى مسرعا، وأنا ظله، اخترت التخلي عنه لأكون معك..
مددت يدي لأتحسس ملمس الظل، لكن يدي سقطت في فراغ، فعادت فزعة لتختبىء في حزني..
جالسني الظل، لامس كهواء أطراف اصابعي، وتحسس خدي برقة ماء، استكانت معه روحي وشعرت بخدر يسري ببطء في أطرافي.. غفوت وانا مسندة رأسي في فراغ الظل، حلمت اني أمسك بيده وشعرت بقوتها وحرارة دمه التي أيقظت بي رغبة ذلك الحب البعيد..
نمت بعمق حتى اني نسيت كيف وصلت لمنطقة الظل، ورغم غياب الشمس وضمور الضوء حولنا لكن الظل بقي ساكنا، ينتظر صحوتي..
وعلى غفلة مني ومنه، عاد الجسد ليسحب ظله بقسوة، كنت امسك بفراغ الظل لأبقيه معي، والجسد يشد بكل ما أُوتي من قوة، وفي النهاية شدنا معا فسقطنا معا في بئر قُتل فيه التبريزي، فتلاشى الظل، تاركا خلفه لمسته المائية، واختنقت انا بعبرة الغياب..



المشاركة السابقة : المشاركة التالية