جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » نصوص


قضْمة آلَانْ تورنغ


وليد هرمز
أيامٌ انقضت، أو ربما أسابيع، لا أُحسِنُ ضبط عددها الآن، يوم تركتُ العمارة الخضراء على ساحل البحر المهيئة للاجئين فقط، منتقلاً إلى شقة جديدة في عِمارة أغلب سكَّانها سويديون، لكنها لا تبعُد كثيراً عن شقتي السابقة.
  انتظرتُ وقتاًً لا بأس به كي تُبلغني سارا، الشاميَّة السمراء، بالموعد الجديد للمحاكمة.
ولكي أكونُ دقيقاً في نبشِ طبقات الذاكرة بمعولِ التذكيرِ، ذكَّرني بها السيد "غوغل"، إمبراطور العالم الإفتراضي، يوم طرقْتُ بابه، باب السلطان الخُرافي الشفَّاف، المُسالم، الذي لا يُدْرَك مداه، رافعاً شعاره الآدمي: (لا تكُن شريراً). سلطانٌ يُقدم خدمات معلوماتية أُسطورية، سريعة، جاهزة، كطعامِ شهي جاهز، بجميع لغات العالم، عبر خيوط عناقيده العنكبوتية اللَّينة، المُتْقنة تسطيراً في مسالك الدهشةً الضوئية. طرقت بابه بحثاً عن أغنية "وحْدُن".
  "غوغل" ـ أكبر اختراع عرفته مُغامرات العقل البَشَريِّ. مغامرات كانت مُغمىً عليها، دفينة بين تعرُّجات دماغه. مخزنٌ معلوماتي يتصل بشبكةٍ خلاَّقة مُصنَّفة حسْب التقويم الحرْفي في صندوقٍ العجائب الذي لا تُحصى مداركه وخدماته. سيُضيءُ ما يختزنه، هذا العمُّ السخي، عبر شاشة مربوطة بأسلاكٍ من نعيم الطاقة الكهربية إلى صندوق العجائب هذا.
  سيُظْهر لي العم "غوغل" خدماته الجليلة بلمسة من الفأرة الضوئية المُتنقِّلة على عجلة وحيدة تنزلِق بحركة من اليد، تتشمَّمُ الحروف المسطَّرة على شرشفٍ من ضياءِ الحيلة، سعيا للوصول عبر تأشيرةٍ ونقرةٍ، بتعقُّبٍ سلسلٍ، بواسطة السهم الصغير المتراقص على سطح الشاشة الزجاج المُسترخية على طاولتي الخشب.
  لم يشأ العم "غوغل" البقاء يتيماً خائضاً مغامراته العجيبة بلا أبناء، أو أصْهار يُشاركونه أعباء القلق الذي فاض به سجنُ العقل بعد أن ضاقت حُجُراته المُقفلة بغفلة من نداء الفكرة العبقرية، فخرجت تتشظَّى على سطح الشاشة.
  ولكي لا يُتَّهم، السلطان غوغل، أنه لقيطٌ من لقطاء قَدَر خزْنة العقل، ومُصادفة من مُصادفات التجريب، فالاختراع، كحقيقة مُقامِرة، مُشعَّة على هياج البزوغ الضوئي الساحر الذي لفظه، بلا صِدْفةً، في وجه الكون، مهموماً يبحثُ عن مُبرِّرٍ لكيانه الفذ فارتأى توزيع الأدوار على أبناءٍ وأصهار الأُمم يتشاركهم المحنة المُسلِّية، وأن يُري ما لم يُرَ عبر شعاع ضوئي صامت. لم يعُد، لوحده، يتحمل هول النَّقر عليه بالفأرة العجائبية.
  "ليكُن لك أبناء ومريدون، وبنَّاؤون، أيها الأب الشرعي، توزِّع عليهم بعضاً من مفاتيح القَدَر الجهنمي، الذين سيورثونكَ أحفاداً أجلاَّء يتقنون، برقَّةٍ، اللعب مع كل نقرة من الفأرة المُطيعة، فتُحيِّر الذين تحيَّروا بأمرك باحثين عن الذي أنجبك خادماً للعالمين".
  هكذا نزلت على عمنا غوغل آيةٌ من آيات المنام عبر خاطرات طويلة من ليالي الأحلام المؤجلَّة ففَزَّ مذعوراً. صلى وابتهجَ بالنور الذي غسَله بعافية العقل المدى، فكان "اليوتيوب" من بين الأبناء الذين أنزلتهم الريح، بلا صِدامٍ، بل عوناً راقياً لروحه المقدسة. لكن، ورغم استئناسه الأمرَ، لم يشأ أن يُبقي اليوتيوب يتيماً، مشاكساً، أو مُتبختراً بنعيمٍ من وحي أبيه الغوغل، أو جالساً على كرسي الزعامة الموروثة بعد عناءٍ سليم الهدف والمعنى، فأنجب القدَرُ الإلهي الكامن في عقل الغموض سائراً على سكة اليقظة الفنطازية، ثلاثة أخوةٍ من فاكهة البداهة، لكنها بداهة أكثر تسليةً وجلالاً، التي طفحت من أعماق البئر الأولى. أخوةٌ ثلاثة يتربَّعون على بَرَكَة حرية الاختصاص المتنوع والمُسلِّي: "الفيسبوك"، "والتْويتَر"، "والسْنابْشات".
  طرقتُ، بيدٍ مرتجفة، باب العم الجليل غوغل مرسلاً إليه كلمة "وحدُن"، عبر نقرة من الفأرة الحمراء تتراقصُ تحت يدي اليمنى، بلا تفصيل أو شرحٍ: هكذا، كلمة واحدة من مجهول المعنى.
  لم يجفل سلطانُ الخدمة المجانية من طلبي. لم ينفعل، أو يستشِطْ غضباً من مجهول الكلمة التي أرسلتُها بلا عنوان، أو تفصيلٍ، أتمنى الرد السريع.
  بلا إحالةٍ إلى أحد أبنائه، أو أصهاره، قفز على سطح الشاشة الضوئية، من بئر العجائب، العم "يوتيوب"، يزودني بعدة مقترحات: أمامكَ أغنية وحدُن بصوت فيروز: "وحدُن بيبقوا مثل زهر البيلسان".
  سأُدهش: الأغنية الفيديو بصوت فيروز، بلا تفصيل. ثم يطرح العم يوتيوب أمامي خَيارات أخرى. أمسكُ الفأرة وأذهب بها نقراً على فيديو آخر حيث الأغنية وزِّعت بتقنية أجمل، وأفضل، مُصوَّرة بروحٍ حيَّة في غابة من غابات لبنان.
  "هل تعلم أن أغنية وحدُن كُتِبت لهؤلاء؟"، يُبلغُني سيد التوثيق، والدهشة، السيد غوغل حيث ينتقل بي مشهد الأغنية إلى ثلاثة شبان يُعدُّون خطة للقيام بعملية فدائية على أحدى مستعمرات اسرائيل.
  في ملف آخر، من خزنة اليوتيوب، فلم وثائقي يُحاكي اللحظة التي انبثقت فكرة القصيدة للشاعر طلال حيدر جالساً في بلكونة بيته المطل على غابةٍ، حيث كان الشبان الفدائيين الثلاثة يتنقلون فيها، راسمين على تُرابها خطة عمليتهم الفدائية، ثم فجأة يختفون، لتظهر لقطة جديدة: صحف بيروت تنشر صورة الفدائيين تعلن استشهادهم بعد تنفيذ العملية.
  سأُسِرُّ جارتي سارا بذلك الاكتشاف الجميل:
  "الشهداء الشهود موجودون بيقين من خيالِ دهشة "الانترنت"، يا سارا"، نفس المُلصق الذي لديكِ، قلتُ لها، في لقاء حميم، جالسَيْن في مقهى "الصخرة الحمراء"، على ساحل "كليبَّان"، باسطاً أمامها شاشة حاسوبي الصغير، المتنقل علامة ((Apple.
  وسط دهشتها، واستغرابها، بهذا الاكتشاف الجميل. بين محبة وامتنان حميمين أبدتهما سارا لي بهذا الاهتمام، قالت لي :
  ـ أنت إنسانٌ نبيل، يا هرميتس، 
    "وحدُن بيبقوا مثل هلغيم العتيق،
    وحدهُنْ وجوهُنْ وعَتْم الطريق".
  رددت سارا مقطعين من القصيدة بصوتٍ مشروخ الأوتار يئنُّ في قبو حنجرةٍ تشقَّقَت مساماتها، تتكئ كتفاها على  أغصان مُرتجفة. ثمة تجاعيد على وجنتيها تسوطُ بها لعنة الغْربة الباردة.
  ـ أتسمحي لي بسؤالٍ، يا عزيزتي سارا؟
  "تفضَّل"، أجابت.
  "أما من سرٍّ تُخبئينه، يتعلق بالشهداء، الشهود؟ لماذا يخصك أمرُهم دون غيرهم من الشهداء، يا سارا؟". سألْتُها وأنا أُلْقِمُ سيجارتي ناراً من قدحة الزناد.
    تأمَّلتني، سارا، بتمعُّنٍ؛ تأمُّلٌ تستجلي عبره الفضولَ المُباغت من سؤالي. سؤالٌ لا غموض فيه البتَّة.
    رمقَتْ سارا كوب قهوتي الذي امامي. سحبت نفساً عميقاً من زفير دُخاني المتطاير أمام وجهها: 
  "رائحة تبغكَ سلسلة، خفيفة الشمِّ والطيران، لكن قهوتك السويدية مُفلْتَرة، لا حِثْلَ في آخر رشفة منها؛ لا طالِعَ يأتي من خُلاصتها، يا هرميتس"، رمت سارا كلماتها مُسلْفنة بابتسامة ودٍّ، خالية من أي جواب، إلاَّ من مُشاكسةٍ تُدغْدِغُ فضولي عن سرِّ العلاقة بينها وبين الفدائيين الثلاثة.
  "التفافُكِ، مفضوحٌ، يا سارا، مُشتَّت، كأني أُكلِّمُ نفْسي"، أجبْتُها ضاحكاً.
  لم تُعلِّق سارا على استغرابي من هروبها المُنشرحِ روحاً وبراءةً. غسلتني برشاش باردٍ من عينيها العسليتين، إذ رأيْتُ فيهما جوقةَ خيول تُهرولُ ناهشةً الأرض بحوافِر منزوعة الحدوات؛ حوافر آدمية بأصابِعَ وأظفار. خيولٌ تتراجع إلى الوراء، فيما سارا تُدوِّر بأصابعهاُ، بقلقٍ مفضوحٍ، خاتمها الفضي.
  ارتعبتُ. أغلقتُ عيني. ساد بيننا صمتٌ غير مُفْتعل؛ صمتٌ دغْدغهُ وشيش أمواج زاحفة من بعيد تتشمَّمُ رائحة ارتطامٍ في صخور الساحل البازلتية.
  "من أين أبدأ كي أُجيبكَ على سؤالك القديم الحديث، يا هرميتس؟ أنا ثرثارة في الحديث إن أثارني سؤالٌ مَّا أُفلِّسُ جوابه، ثم أغسلهُ، وأتركه يجُف تحضيراً لتحميصه في مقلاة الفم على نار القلب الحامية؛ جوابٌ قد أتِيه فيه فتتيهُ أنت معي. نبشُ ماضٍ، يا هرميتس، يعني صفقَ أبوابه بضرباتٍ من رياح الوجع. صريرُ رياح الوجع مُرعب، يا صاحبي. لا أُحب أن أردَّ رداًّ مقتضباً على سؤال يُذكِّرُني بتفاصيل جارحة ذهبت مع من ذهبوا، خوْف أن أجرحَ أسرارهم؛ أن أتساوى معهم في المصير الذي اختاروه؛ مصيرٍ لا يليق بي الأن. مصيرُهم مُقدَّس، كما أسرارهم، وأحلامهم. لا أُحبُ أن أقضُم جوابي لك قضماً بفمٍ أدْرد. أحب سماع صوته وأنا أُفصِّله. لا تدعنا نتوه، لذا اعذرْني". 
  فتحت سارا حقيبتها. أخرجت الصليب الذي لمحته في غرفتها. وضعتهُ أمامي:
  ـ هذا لكَ، ياصديقي الطيب. لم أنسَ ملاحظتك الصليب في غرفة نومي. لي رغبةٌ أن أهْديك إيَّاه، إن سمحت.
  "ماذا يعني تعليق الصلْبان في البيوت، يا سارا؟، الصُلبان، في اعتقادي، مكانها الكنائس".
  ـ وجوده، في بيتي، يُهدِّأ من حدة قلقي. لستُ مؤمنة، بمعنى الإيمان الكهنوتي؛ ولستُ من أتباع المواعظ الجافة.
  "لكنه صليبٌ غريب، ليس كباقي الصُلبان المُتداولة، يا سارا"، أردفتُ باحثاً عن تفسيرٍ مُقنع للشكل الذي عليه صليبها.
  لم ترُدَّ سارا على استغرابي شكل الصليب غير المُتعارف عليه كبقية الصُلبان. 
  "لِمَ تتنازلين عن صليبك، كهدية لي، يا سارا، سيما أنه يُخفف من حدَّة قلقك؟".
  ـ لا تنازل بمعنى التنازُل، يا جاري المحبوب. لا حقَّ لي في التلاعُبَ بتصميمه، أو تعديل شكله وإعادته إلى الشكل الكلاسيكي المُتعارف عليه في أشْكال الصلبان. أصبح يُشكل لي إحْراجاً مع معارفي وأصدقائي كلما رأوه معلقاً في بيتي.
  "من أين لكِ، هذا الصليب، يا سارا؟".
  ـ أهْدانيه "ريكاردينو"، أستاذُ الفلسفة  يوم  تخريجي من كلية القديس يوسف اليسوعية.
  "ماذا تتوقعين مني، يا سارا، هل أجرؤ على التلاعُب في تصميمه، سيما أنه هديتُك إليَّ؟".
  "أَتْرُكْه لديك، كما هو، إن سمحت. سأعتبرها هدنة بيني وبين المصلوب، أو ربما هرباً من خذلان يُلاحقني. لم تُفِدْني تضرعاتي إليه".
  "هل حاولتي أن تُعلقيه في مكانٍ، خارج غرفة نومك، أو في مكانٍ  لا يجلُب انتباه الآخرين؟".
  "حاولت ذلك، لكنه كان يتسلل بغتةً إلى غرفة نومي كلما باغتتني الحاجة إلى رجل يُصغي إلى أحلامي، ويُدوِّن مناماتي، أو يهدهدني كي أنام".
  "لكنْ يؤرِّقكِ وجوده كما تقولين، أليس ذلك نقيض التبرير الذي يُساوركِ، يا سارا؟".
  "ما المكان الذي تجدهُ مُناسباً لإبْعاده عني، وعن عيون الفضوليين؟"، سألتْني سارا باستغرابٍ حزين.
  ـ ارفعيه. ضعيه في خزانة الملابس. سينساه من لا يُناسبهم شكل وجوده، يا سارا.
  "أخاف على التفاحة أن تذبَل وتتعفَّن، ويقضمها الدود"، ردت سارا رداًّ غير مُفتعَل.
السويد



المشاركة السابقة : المشاركة التالية