جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » مراجعات


كيف اخترع القديس أوغسطين الجنس (1-3)


ترجمة: عباس المفرجي
نَجَّى آدم وحواء من الظلام، ابتدع عقيدة
الخطيئة الأصلية*1  – والباقي هو تاريخ جنسي
ذات يوم من عام 370 ميلادي، ذهب فتى في السادسة عشرة من العمر مع والده الى الحمّام العمومي في المدينة الإقليمية ثاغاست، التي تدعى الآن الجزائر. في لحظة معينة أثناء زيارتهما، ربما لمح الأب انتصاب قضيب الفتى بشكل لاإرادي،
أو ببساطة لاحظ ذلك على شعر عانته النابت حديثا. لا يكاد هذا أن يكون حدثا تاريخيا عالمي، لكن الفتى كان اسمه أوغسطين*2 ، الذي شكّل اللاهوت المسيحي للروم الكاثوليك والبروتستانت معا، الذي استكشف الأعماق الخبيئة للحياة الباطنية، ليورثنا جميعا الاقتناع بأن ثمة شيء أساسيّ معطوب بشأن كامل الجنس البشري. من المرجّح إن لم يعد هناك مفكر غربي أكثر منه أهمية في السنوات الألف وخمسمئة الماضية.
في "اعترافات"*3  المكتوب حوالي 379، وصَفَ أوغسطين ما حدث في الحمّام قبل سنوات من ذلك. في ذلك اليوم رأى فيه باتريسيوس. والده، علامات الـ"inquieta adulescentia" *4 ، الرجولة الفتية القلقة، فكان – حسب الترجمة الجديدة المحكية على نحو مؤثر لسارا رودِن *5  – «فوق السحاب»*6  بالتفكير إن ذات يوم قريب سيكون له أحفاد. من السهل، حتى عبْر مسافة واسعة في الزمن، استحضار حياء رائع لمراهق. لكن ما ثَبَّتَ نفسه في ذاكرة أوغسطين، بدلا من ذلك، هو شيء حدث عندما وصل المنزل: «في سروره الغامر قال لوالدتي – كان سرورا مُثمِل من النوع الذي كان فيه هذا العالم المسكين نَسيكَ، أنت خالقه، وبدلاً من ذلك وقع في الحب مع الذي خلَقْتُه.» ("اعترافات" أوغسطين كانت موجّهة الى ربّه.) والدته، مونيكا، كانت مسيحية ورعة، وأجابت على نحو مختلف جدا. لأن الله كان بدأ سلفا بناء معبده في صدرها، «كابدت هي تشنجا عنيفا من احترام، ارتعاشا هيّابا.» النضوج الجنسي لمراهق غير معمَّد غدا مناسبة – ليست الأولى وبالتأكيد ليست الأخيرة – لتصدّع جدّي بين والديه.

لم يشغل باتريسيوس نفسه بالتطوّر الروحي لإبنه على ضوء يسوع، ولا نظر الى الدليل على رجولة ابنه بأي شيء سوى السرور. ردّا على ذلك، شرعت مونيكا بتوسيع الفجوة بين الإبن والأب. «بذلت في ذلك جهدا معتبرا،» كتبَ أوغسطين باعجاب، «لتكفل أن تكون أنت، يا إلهي، أبي، عوضا عنه هو.» على شيء واحد كان الأب والأم متفقين: يجب أن يحصل ابنهما المتّقد الذكاء على تعليم يناسب مواهبه. أُوفِدَ الفتى أوغسطين للدراسة في المدينة السارّة مادوروس *7 وأظهر براعة لافتة للنظر في التفسير والأداء الأدبيين. بدت جامعة قرطاج قريبة المنال – متبوعة، ربما، بمهنة مربحة في القانون أو الخطابة. باتريسيوس صاحب موارد متواضعة، اقتصد واستخدم علاقاته خلال سنة ليجمع رأس المال المطلوب. حين غادر أوغسطين ثاغاست، لابد وإنه كان يرى والده للمرّة الأخيرة، لأنه يذكر في "اعترافات" إنه كان في السابعة عشرة من عمره عندما توفي باتريسيوس. الإشارة الى ذلك في الكتاب كان باردة بصورة جلية.

إذا شعرت الأرملة المفجوعة ببعض الارتياح بموته – لأنه كان ذا تأثير خطر على ابنها الحبيب – فان أي آمال في سلوك أوغسطين طريق العفاف تبدّدت بسرعة. «جئت الى قرطاج،» كتبَ هو، «الى مركز مقلاة حيث ممارسات الحب الفاحشة تهسهس من حولي.» اعترافه بأنه لوّثَ «القناة المشتركة للصداقة بتهيّجات جنسية نتنة» تبدو كأنها وصف شديد السخونة للإستمناء أو اللواط؛ البقية، عبارات مكثّفة على حد سواء، وغامضة على حد سواء تثير تعاقبا من علاقات غرامية تَعِسة مع نساء. العلاقات الجنسية المحمومة، إن كانت كذلك، إنْحَلَّت بسرعة نسبيا الى شيء ثابت تماما. خلال عام أو عامين، اِستقرَّ أوغسطين مع امرأة، عاش معها وكان، حسب روايته، مخلصا لها للأعوام الأربعة عشرة التالية. 

الترتيب الذي توخّته مونيكا كان من المحتمل هو الأفضل في هذه المرحلة من حياة ابنها، بالنظر لطاقاته الجنسية المضطربة. أكثر ما كانت تخشاه هو زواج مستعجل قد يعوق مسيرته المهنية. مجرد العيش مع امرأة شكّل تهديدا أقل بكثير، حتى عندما أنجبت المرأة ابناً، اديوداتوس. بمقاييس ذاك الزمن، كانت العلاقة علاقة محترمة. على الأقل من وجهة نظر أوغسطين – وتلك كانت وجهة النظر الوحيدة التي لدينا – لم يراوده أي تفكير بالزواج من تلك المرأة، التي اسمها لم يكلف نفسه حتى بذكره. هو يتوقّع من قارئه أن يفهم الفرق «بين النطاق المصادَق عليه للزواج، كرابطة متعاقَد عليها لغرض انتاج أطفال، وبين اتفاق نابع من افتتان شهواني.»

فخورا بنفسه على ذكائه وحسّاسيته الأدبية، درَسَ القانون؛ شحَذَ مهاراته في علم البيان؛ دخل في مسابقات درامية؛ استشار المنجمون؛ تَسَيَّدَ على النظام المعقد، المتعرّج للفكر المرتبط بالديانة الفارسية المانوية ، الى جانب عشيقته وابنه، من قرطاج الى ثاغاست، حيث تعلّم الأدب، ثم عاد الى قرطاج، حيث أعطى دروساً في الخطابة، ثم الى ميلانو، حيث احترف استاذية لامعة لعلم البيان.

في ارتقاء أوغسطين على مدى عقد من الزمان، كان هناك مشكلة رئيسية، وكان اسمها مونيكا. حين وصل الى ثاغاست لمنصبه التعليمي الأول، كانت والدة أوغسطين مشمئزّة من مشاركته منزلاً، لا بسبب عشيقته وولده بل، بالأحرى، بسبب معتقداته المانوية*8. تلك المعتقدات – التي تقول بوجود قوتّين، واحدة خَيِّرة والأخرى شريرة، في حرب في الكون – كانت بغيضة عندها، فقامت بعرض ملحوظ من بكاء مرير، كما لو أن ابنها مات.

دموعها تضاعفت ، عند عودته الى قرطاج، استعد للرحيل الى روما: «كانت تمسك بي بقوة، محاوِلة أمّا أن توقف رحلتي أو تذهب معي فيها.» كاذباً، قال لها إنه ذاهب فحسب ليرى صديقاً، ومقنعا إياها في قضاء الليلة في ضريح قرب الميناء. «ذهبَت هي، فولّيتُ هارباً.»

لا بدّ أن الإبن أحسّ بشيء من الذنب. ومع ذلك، وهو يتذكّر تلك اللحظة، سمَحَ لنفسه هذه المرّة بالتعبير عن غضب إزاء أمّه: «شوقها، الذي كان جسديا، هُزِمَ تحت ضربات سياط الحزن المبرِّرَة.» العبارة التي استخدمها اوغسطين لهذا الشوق –  carnale desiderium *9 – قد تبدو أكثر ملاءمة لعاشقة منها لأم. كانت مونيكا أخذت ما كان مُحبِطا وغير مشبع في علاقتها مع زوجها وأسقطته على ابنها. اوغسطين، مختنقا، كان عليه الهرب. والمعاناة التي حلّت عليها بهربه، بسبب، كما يعبّر هو، من كونها امرأة: «كشفت هذه العذابات عن بقايا حواء فيها، كما الآهات التي بحثت بها عمّا منحته الولادة بالآهات.»

***************************
1-  Original Sin – أو الخطيئة السلفية، هي عقيدة مسيحية تشير الى وضع الانسان الآثم الناتج عن سقوط آدم. وهو تفسير للشرّ بدأ في المسيحية في القرن الخامس الميلادي مع القديس اوغسطين وساد الفكر الغربي طوال قرون عديدة، يفيد بأن آدم هو الأصل الذي كان الجنس البشري بجملته حاضرا فيه عندما ارتكب خطيئته، فخطيئته هي الأصل والسبب لجميع الخطايا التي ارتكبها البشر على مدى التاريخ البشري – المترجم.
2-  اوغسطين (354-430)، كاتب وفيلسوف من أصل نوميدي-لاتيني. أبو اللاهوت السياسي، وواحد من أهم الشخصيات المؤثرة في المسيحية الغربية. تَعدّه الكنيستان الكاثوليكية والانغليكانية قديسا ومنبعا للاهوت المسيحي – المترجم.
3-  Confessiones – أو "اعترافاتي"، مجموعة من مؤلفات القديس اوغسطين، يحكي فيها عن حياته وكيف تعرّف الى الله فانتقل بعد ذلك الى الفكر المسيحي. يتألف من 13 كتابا وكُتِبَ باللغة اللاتينية بين عامي 397-400 – المترجم.
4-  "المراهَقة القلِقة"، باللاتينية في الأصل – المترجم.
5-  سارا رودِن، شاعرة، مترجمة، كاتبة ومبسِّطة لغوية توراتية أمريكية. تحمل شهادة الدكتوراه في الفيلولوجيا (فقه اللغة التاريخي والمقارن) من جامعة هارفارد، والماستر في الكتابة من جامعة جون هوبكنز. تدرّس اللاتينية، الانكليزية، والكتابة في جامعة هارفارد – المترجم.
6-  Over the moon –  تفيد معنى الرضا، الابتهاج – المترجم.
7-  كانت مدينة رومانية بربرية تقع في مدينة ماداروش الحالية في الجزائر – المترجم.
8- المسيحية والبوذية والزرادشتية – المترجم. 
  9- 'شوق (أو رغبة) جسدي متّقد'، باللاتينية في الأصل – المترجم.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية