جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » مراجعات


سيدات زحل.. امتلاء العقل وهشاشة الروح


فلاح حكمت
سأعترف منذ البدء أن النصّ أعلاه يمثل لدي واحدة من الخوارزميات المعيارية التي أراها تفي بمعايير  تسمُ الخوارزميات الإبداعية من حيث قدرتها على تمرير جملة من الخبرات المركزة والمضغوطة في صيغة من إقتصاد مذهل وبساطة محببة ،
وأحسب أن شفرة أوكام العتيدة Occam's Razor ستقف عاجزة  عن الإتيان بأي فعل تشذيبي مع هذا النص ؛ إذ ليس ثمة من منفذ يتيح إمكانية جز رأس أية كلمة أو إعادة ترتيب أي سياق ؛ فالنص يبدو أيقونة إبداعية كُتِبَت بوحيٍ من خبرة متراكمة ممتدة  . 
  يلقي النص الباهر والكاشف حزمة ضوء ليزرية التركيز على السمات السايكولوجية والذهنية والشخصية التي تسم الفتى ( سرمد ) : ذلك المولود في بيئة جحيمية موبوءة بالعنف والقسوة والقتل المجاني والتي كل  ما فيها يبعث على إختناق مميت بخاصة لشخصية بمواصفات ( سرمد )  ذي الإمكانيات الرياضياتية والفيزيائية الهائلة والتي ستؤهله لاحقاً للإلتحاق بمركز الدراسات النووية في مختبر - سيرن - قرب جنيف السويسرية . أبدعت الروائية اللامعة لطفية الدليمي وتفوقت  في متابعة تفاصيل نشأة ( سرمد ) الذي ربما سيكون الوليد الحلمي الخارج من أتون المقبرة البغدادية والعراقية بعامة ، والمعوّل  عليه في حمل جرثومة الحياة  في أصولها الرافدينية المشرقة  .
  لنبحث الآن وبرؤية تنقيبية معمّقة في عناصر خوارزميتنا الروائية الثرية هذه  : -
1 . يفتتح النص بعبارة تحيل لحظياً الى أجواء الفضاء الأسطوري الكلكامشي في مقاربة موضوعة المعرفة الشاملة . مفردة ( نظرياً )  التي يُفتتحُ بها النص هي بالضبط كلمة مفتاحية Key Word  هائلة التأثير والدلالة ؛ إذ ليس ثمة حياة بشرية تَسَعُ اختبار كل  التجارب الحياتية المتوقعة بسببٍ من ضغط عنصر الزمن ومحدودية القدرة الفيزيائية وندرة الموارد ، ولأجل مداراة هذا النقص  الخطير والمزمن في الحالة البشرية يلجأ الراؤون و المسكونون برغبة جارفة في إكتشاف التخوم إلى إعمال الجهاز الميتافيزيقي لديهم وتشغيله بأقصى  كفاءة متاحة . يمثل الجهاز الميتافيزيقي لدى الرؤيويين ذخيرة كفوءة وعظيمة الفعالية في فتوحاتهم المعرفية من وجهة نظر  الكشف الفلسفي ؛ أما على المستوى المهني فتُفهَمُ العبارة "  يعرف كل شيء " على أساسٍ من رغبة متأصّلة في ربط المباحث المعرفية مع بعضها في صيغة دراسات مشتبكة الإتجاهات وعدم الإنزواء في مجرد تخصص بائس أو وضع مهني مربح مع الإستعداد الكامل لدفع كل الأثمان المترتبة على فقدان الإمتيازات التي تضمنها الترتيبات المعيشية المعتادة والسائدة  .
2 . يُحيل ( نبات الظل ) إلى سمة سايكولوجية طاغية في معظم الشخصيات الخلاقة تتمحور في هيئة رغبة لايمكن دفعها في تشكيل فضاءات موسومة بسمات الشخصية ومُؤشرة ببصماتها ،  والإجتهاد في خلق فلترات ( مرشّحات )  تمنع تسريب أية أدران قبيحة أو  قاتلة إلى ذلك الفضاء الغني الموسوم بسمات عرفانية طاغية تبعث على إدامة توهج الطاقة الخلاقة . إنّ هذا الفضاء هو بمثابة الفردوس الأرضي لكل روح مسكونة بشغف البحث والتقصّي الذي لاتحدّه تخوم  .
  لعلّ التوحّد ونظراءه من طيف السمات السايكولوجية الدالة على الإرتكان إلى والارتياح  في فضاء جوّاني مفرط في ذاتيته الثرية هو محض آلية دفاعية Defence Mechanism  ؛ بل ربما بعبارة أدق ، مناورةٌ لاواعية شديدة الذكاء لإبعاد عناصر التشويش  الخارجية المرهقة وفلترتها بغية الإنصات لصوتنا الداخلي الأبهى و الذي يمثل  الجوهرة المتوهجة في جعبة مقتنياتنا الرمزية الثمينة  .
3 . ثمة هشاشة بنيوية في الروح هي صنوُ كلّ روح خلاقة ؛  إذ لاتستقيم غِلظة القلب وقسوة الضمير وانتفاخ الذات مع هشاشة محببة في الروح بعيدة تماماً عمّا توحي به المفردة من إنكسار ؛ بل هي لافتة تومئ أن حاملها لايرتكن إلى مواضعات صلبة وقاسية ونهائية تستحيل " دوغما " إقصائية ونابذة  للاخرين . الهشاشة هنا هي نظير الروح المحلقة والعابرة للقوميات والمحليات تتحسّس مَواطن الحاجة البشرية  في التوق إلى الألفة والصداقة والحب . الحقّ أنني لم أجد  ما يصلح مرادفاّ إلى الهشاشة تعبيراً عن فضاء سايكولوجي مفعم بالدفء والنظر في حاجة الآخرين سوى في عبارة إنجيلية مركبة تتحدّث عن إنكسار الروح الذي يعقب عملية  الولادة من فوق : الولادة الجديدة بالتعبير الإنجيلي المرادف  للخلاص والتطهر . تقول العبارة الإنجيلية : " طوبى لمنكسري الروح لأنهم سَيُعَزّوْن " ( أي سينالون تعزية ، بضم الياء وفتح العين في صيغة المبني للمجهول ) . أرى أن العبارة  الإنجيلية تؤكد مواضعة سايكولوجية مختبرة تكشف أن انتفاخ الروح يصنع حجاباً مانعاً من رؤية المعاناة الإنسانية وتحسّسها مع ما يستوجب من سلوك لائق بشأنها  .
4 . لطالما كان البشر المجبولون - و لو بقدر ضئيل -  على العنف  و القدرة الفائقة في تصميم وسائل وأساليب المناورة والمخادعة عناصر تشويش ومصدر قلق دائم للروح الخلاقة التي  لاأحسب أنها تستطيب العيش وسط ملاذات ملغومة بأناس وضعوا جلّ همّهم في تطوير وسائلهم في الخداع و الحيلة و المناورة التي تبتلع الكثير من إمكانياتهم المهدورة عبثاً .
  لا بد من تثبيت ملاحظة حاسمة هنا أنّ المنظومة الدينية بعامة لا تفيد بشيء مؤثر في ميدان كبح جماح أحابيل  البشر و تعظيم قدرتهم على الإتيان بالفعل الجميل . الأفعال الحسنة ليست نتاج آلية قص وتقطيع وتلزيق أقرب إلى المونتاج توصي بها الأديان بلغة باردة هي أقرب إلى لغة المواضعات الصلبة التي لاتلامس الضمائر المرهفة التي تتحسس لأفعال المناورة والمخاتلة . هنا بالضبط تنبع أهمية الملاحظة الحاسمة حول الخلاقين الأصلاء الذين لا يمتلكون الذخيرة المعتادة التي تشكل أساساً لعقد التفاهمات و الصفقات بين البشر ، وربما كان هذا هو منبت الإستعصاء المزمن في قدرتهم الذهنية والسايكولوجية على إنشاء قنوات إتصال نشطة وفاعلة مع نظرائهم البشريين  .
5 . ليس ثمة من رابطة سببية قاطعة مثبتة في الأدبيات الطبية بين القدرة "  على استيلاد النظريات الغريبة " و " أنواع محددة من الإعاقات الجسدية " ؛ بل إن العكس هو السمة الطاغية حيث تحفز النشوة  الناتجة من فعل الإنجاز الخارق القدراتِ الجسدية بعامة ؛ لكن  ثمة علاقة سببية مؤكدة بين الإعاقات الجسدية والاضطرار الملزِم إلى  العيش في بيئة كابحة ومعيقة للرؤية ( الثورية ) المخالفة ، و غالباً ما تنشأ هذه الإعاقات من الأذى الخطير الذي يلحق بالجهاز المناعي الناشئ  عن مكابدة ألم سايكولوجي مزمن ومعاناة متواترة تفضي إلى فعلٍ مَرَضي تراكمي  يشكل إعاقات خطيرة - وربما قاتلة - تسمى في مجملها بأمراض
المناعة الذاتية Autoimmune Diseases .
  تطفح أعمال الروائية المثابرة لطفية الدليمي ، ومثلما يفعل كل روائي مجتهد ، بالكثير من الخوارزميات التي تختزن كماً هائلاً من العمق و الثراء الفلسفيين  إلى جانب إحالاتها المهنية الدقيقة التي تستبطن فهماً متراكماً و خبرة معتقة تتجاوز عتبة المعرفة البشرية الإختبارية إلى فضاء من الكشوف العرفانية التي لطالما أخبرنا عنها عرفانيونا الكبار والميتافيزيقيون العِظام سليلو فلاسفة عصر التنوير الأوربي  ، وتمرر كلَ هذه الخبرة في إطار لغة روائية محكمة الإنضباط عُرِفَت بها الكاتبة لطفية الدليمي : الروائية اللامعة والباحثة المدققة والعرفانية التي تجتهد - ولطالما اجتهدت  - في كشوفاتها الثرية  .



المشاركة السابقة