جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » نصوص


ليليان ....


أوس حسن
ها أنت تتمددين الآن عارية  إلى جانبي في السرير..أعوام طويلة وأنا أسمع صوتك في ذهني،لقد عشت معك عمرا ً كاملاً دون أن أرى صورتك
تكلمي ليليان  لماذا أنت صامتة ؟
نجحت في حل معادلات الرنين المغناطيسي  وحصلت على بطولة عالمية في الشطرنج
وآلفت كتابا ً شعريا ً عن الكواركات وحركة الالكترونات ...لقد نجحتُ يا حبيبتي
كانت صفراء شاحبة  وجسدها  متيبس إلى جانبي،أنا أيضا ً كنت إلى جانبها في السرير،لكني ظننتها أنها هي من تفوهت بتلك الكلمات،أصوات عديدة كانت تطرق مسامعي
لكنني كنت متأكدا ً من أنها متمددة إلى جانبي  فكلما أدرت جسدي نحوها  كنت أرى وجهها الهزيل وحركة عينيها الرخوتين  يمينا ً ويسارا ً،بينما نهديها ظلّا لفترة طويلة عبارة عن كتلتين متحجرتين فيهما أثر بسيط للشقوق والندوب،لكن كلما أطفأت الأضواء وغرقت الغرفة في ظلام دامس؛كنت أطيل التحديق في وجهها  وأرى ابتسامتها اللامعة والمخيفة في العتمة.
أنا أيضا ً حركتي كانت غريبة جدا ً،حركة لم أعهدها من قبل في مشيتي ،شعرت أن فقرات ظهري تستند إلى كتلتين عظميتين،وأن قدمي تساعداني على القفز لمسافات طويلة وبعيدة
حتى شعر جسدي صار كثيفا ً فجأة،أليس الأمر مريبا ً ومخيفا ً أن تنمو لي حوافر  قذرة
وينبت الشعر أو الوبر في جسدي؟ لكني لست خائفا ً الآن ..سابقا ً كانت تخيفني أشياء عديدة:..  صوت أبي وتقريعه لي،سخرية أطفال الحي مني وضربهم المتكرر لي،قطعان الكلاب الضالة
مسؤوليات العمل التي لم أنجح في أي منها ،وكنت مرتاحا ًومطمئنا ً عندما يأتيني قرار إداري بالفصل . في هذه الحياة لم أجد لي أعداء ولا حاسدين،الكل كان ينظر لي بعين الشفقة والرحمة القاسية،تلك الرحمة  التي ينظرون بها البشر لأي كلب غريب ووحيد مثلي.
حتى ليليان لم تكن تحبني،بل كانت تطعمني من يديها الملائكيتين،وعطر آخاذ يجذبني لها
لكنها كانت تعيدني إلى قفصي بعد ربطي بالسلاسل دون أن تنظر لعينيّ الراجفتين والدموع تسيل منهما .
تكلمي ليليان لماذا أنت صامتة ؟
حسنا ً سأجلب لك الدواء من أقرب مكتبة هنا. خدر يسري في أطرافي ولا أستطيع النهوض بهذه الحوافر الجديدة .
هناك قدمتان كبيرتان تحت الطاولة تتحرك أصابعهما  بطريقة دائرية ،أستطيع  التعرف إلى الشخص من ملامح قدميه،أظنه  من الأشخاص الذين كانوا يضربونني ويسخرون مني دائما ً هذا الشخص الذي لم استطع الإجابة عن أسئلته يوماً ،لكنني الآن أستطيع وأقولها لكم بكامل ثقتي وقوتي،وصرخت بكامل صوتي  أنا أستطيييييييع ....
وفعلاً أجبت عن جميع أسئلته التي كانت تربكني وتخيفني،أجبت عنها جميعا ً دفعة واحدة.
بقعة دم كبيرة على أرضية الغرفة،منظر الدماء يشعرني بالراحة والطمأنينة،لكن يبدو أن المشهد  قد فسد وكل شيء صار واضحا ً أو ربما شبه لي ذلك.
وجه يخرج لي من باب الخزانة الموارب يحييني بايماءة من وجهه،ويغمز لي بعينه اليسرى ،كان وديعا ً ولطيفا ً وهو صديقي  الآن،لم يكن مخيفا ً أبدا ً هذه المرة حتى أني استطعت الإجابة عن أسئلته مرة واحدة  وبطريقة مذهلة فاجئته جدا ً،جميل أن تحقق معجزة كبيرة في هذه الدنيا،أن تثبت للآخرين أنك حققت شيئا ً ظنوه مستحيلا ً في قاموسك،حقاً أنها سعادة عميقة وسحرية،سعادة لا توصف يشعر بها الإنسان في تلك اللحظات.
عليّ أن أسرع  يجب أن أذهب إلى المدينة حالا ً،لأجلب لك الدواء لكن الضباب  رمادي والأرض مطاطية لا أستطيع الركض ،سأحاول ..فأنا لم أعد أخاف شيئا ً بعد اليوم
كانت قفزة هائلة أنا أطيربخفة وأحلق عاليا ً دون أن أغرق في لزوجة الوحل السماوي  لكن يبدو أن سرعتي جنونية سأهبط  في الحال،في سري كنت أسأل ما حاجة البشر إلى الجاذبية  ،إذا كان الإنسان  ينتصر على الضوء والجاذبية في هذه الظروف
في الحي القديم  مرّ بي أشخاص مقربون جدا ً إلى قلبي،لم أكترث بهم وسلمت عليهم سلاما ً عابرا ً. الدكاكين والمنازل يرتادها أشخاص غرباء بمعاطف سود.نجارون يصنعون التوابيت لأهل الحي،لم أكن خائفا ً حاولت الإقتراب من هؤلاء النجارين أصحاب المعاطف السوداء،لكنهم كانوا منهمكين في عملهم ولم يلتفتوا الي أبدا ً أو يرفعوا رؤوسهم نحوي.
شخص ضعيف وقامته محنية  يرتدي نظارة طبية وقبعة أخبرني بصوت خافت:..
أن ليليان ماتت ..همس لي ومضى مسرعا ً  ثم اختفى. تيبس الصراخ في حنجرتي،وصوت
  دوى في السماء مع هدير الرعد،صوت امتزج مع صوتي  بين ثقوب السماء الخفية
ليلياااااااان ....ليليااااااااااان ....ليليااااااان
كنت متسمرا ً في غرفتي بهيئتي الحيوانية الرثة،وكانت ليليان  ما تزال ممددة على السرير،لا أدري إن كنت حقا ً قد ذهبت فعلا ً لأجلب لها الدواء  أم أنني كنت هنا أبكي  طوال هذه الفترة ؟
أطلت النظر في عنقها الأبيض الطويل والمكتنز،كان هناك شريان بارز من هذا البياض
عندما أجوع أشرب منه الدماء ...لقد حفرت هذا الثقب بأنيابي ، سامحيني حبيبتي فلم أقصد ايذاءك أبدا ً
تكلمي ليليان لماذا أنت صامتة ؟

  مازلت ممدداً إلى جانبك في السرير ...ها أنت تتحركين  وتقتربين مني،أنا حيوانك الأليف 
أشعر بجسدك يطوق جسدي وأنفاسك الحارة تلفح رقبتي ووجهي في العتمة
سيقانك تلتف حول حوافري  ..ولسانك الطويل يلحس رقبتي وفكي ..وصدري
أنت تنبضين الآن ...أنت تتحركين
ليليان ................ لقد نجحتِ  يا حبيبتي


-2-
في يوم شتائي من أيام ديسمبر  وتحديدا ً في الرابعة والربع فجرا ً التهم حريق كبير منزلنا ونحن نيام،ليلة الحريق كنت قد قرأت عن أقوام غريبة تعيش في العالم وعن بوابات النجوم التي عبرها أسلافنا في الحضارات البائدة  وعن السحر وعبادة الكائنات الفضائية وقد تأخرت في النوم ساعتين  عن الموعد المحدد.
تمتعت بنوم عميق جدا ً وخدر كان  يسري في جسدي،لكن الذي أيقظني قط شيرازي أحمر كنت قد اشتريته قبل فترة من سوق الحيونات لذكائه وخصائصه الغريبة، لا أدري كيف فتح باب غرفتي المقفل وأيقظني
استيقظت بصعوبة شديدة  عندما سمعت صوت مواءه وتوسلاته  وهو يلحس رقبتي وأذني بلسانه،كان البيت عبارة عن عاصفة من الضباب والدخان والنيران الملونة.
هرعت إلى غرفة أمي واستطعت انقاذها وخرجنا أنا وهي من بين النيران التي لم تكن قد استفحل خطرها بعد.
بعد فترة قصيرة جدا ً انفجرت بعض الأجهزة الكهربائية في البيت وشبت النيران وكبرت في جميع أنحاء البيت ،كنت أنا وأمي خارجا ً نسمع صوت اخوتي في الطابق العلوي وهم يصرخون ويستغيثون عندما اقفلت أبواب غرفهم نتيجة الضغط والحرارة .
  أجل وجه الموت مروع ومرعب لكن صرخة الكائن البشري أكثر قوة وقداسة للتمسك بهذه الحياة .أنا ايقظت الجيران وأهل الحي بصوتي كنت أبكي وأنظر عاليا ً حيث وجه الله والمتاهة،استعدت شريط حياتي في لحظات قصيرة مع أخوتي وتذكرت طفولتي معهم دفعة واحدة،ازداد نحيبي  وأحسست أن ثقبا ً غريبا ً انفتح في السماء،لم يكن الموقف غريبا ً عني  لقد رأيته هذا المشهد في زمن بعيد كنت أبكي وكانت أسناني تسقط من فكي العلوي.
بمعجزة غريبة انفتحت أبواب الغرف في الطابق العلوي واستطاع اخوتي النجاة والهرب إلى سطح المنزل ومن ثم القفز إلى سطوح الجيران المجاورة لبيتنا بعد أن أصيبوا بحروق طفيفة في أجسادهم.
في مشفى المدينة تأملت الممرضة التي كانت ستحقنني الإبرة المضادة للتسمم نتيجة غاز الأوكسيد الذي استنشقته في الحريق.
كانت ذات قوام ممشوق وشعر أسود لامع  وبياض مشع،ركزت نظري على رقبتها الطويلة البيضاء،والدماء التي تسري في شرايينها،إنها تشبه ليليان فعلا ً...وناديت عليها في سري ليليان ...
التفتت نحوي بابتسامة غامضة  فيها الكثيرمن السحر والمكر والإغراء
دخل إلى غرفة المشفى رجال ببدلات سوداء وأحذية لامعة،وأحدهم كان يرتدي معطفا ً طويلا ً
وبصحبته كلب بوليسي. فجأة اختفى الأطباء والمرضى واختفت معهم ليليان من المشفى  واختفى المشفى أيضا ً
لم يبقى أحد غيري،تباطأت حركة العالم أمامي ..صور مغوشة  وضباب كثيف يحجب الرؤية
ها أنا أغرق مرة أخرى في الدوامة ...ها أنا  أتلاشى،لكنني لست خائفا ً صدقيني يا ليليان ..
كان عليَّ أن أنقذك يا ليليان ...
كان عليَّ أن أنقذك ..................................
.................................
...............



المشاركة السابقة