جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » نصوص


قصة: عنتر وكاري كوبر


علي حداد
مأساة الواحد منا..
حين لا يحقق أحلامه..
في مجد.. أو في .. امرأة..
كان المعلم غازي طويلاً، عريض المنكبين، جاحظ العينين، له صوت جهوري ثاقب، كان يدرسنا في مدرسة أم الطبول الابتدائية مادة اللغة العربية وهو حريص على درسه وطلابه الى الحد الذي لم نكن نطيقه، وكنا نفضل في تلك الصباحات الباردة أن يضربنا على أيدينا على أن يلومنا وجهاً لوجه ذلك أنه كان لايفتأ يلوك الحلوى (المصقول والحامض حلو) فتتطاير الذرات الصغيرة من فمه لتلتصق بوجوهنا، ونحن أمامه لا نستطيع أن نحرك أيادينا لنمسح ما علق على وجوهنا.. وفي إحدى الصباحات المشرقة طلب منا أن نكتب موضوعا أنشائياً عن الحياة فرحت أكتب وقد شبهت الحياة بالقطار ومحطاته بمراحل العمر، وقد أكدت على المرحلة الأخيرة، وهي المرحلة المرعبة من النهاية.. فطار فرحاً بما أنجزته وقد أخذني الى ادارة المدرسة فقرأته وأنا أرى عيونهم وما ارتسمت عليها من علامات الإعجاب والشك.. والانبهار.. فعرفت أن ذلك الإحساس كان يراود عنترة العبسي حين كان يقاتل ويضرب، وينتصر وكذا الحال مع كاري كوبر في أفلام الكابوي، فهذان البطلان كنت أقلدهما دائماً حتى وأنا في الطريق الى المخبز في الساعة الرابعة صباحاً لأجلب الخبز الحار لأبي، ولم تسعني الأرض حين اصطحبني الى مدرسة العروبة وهناك أمام تجمع الادارة قرأت موضوعي للمرة الألف وهو يصيح بهم بفخر:
- انه طالب عندي.
وطلبوا مني أن أكتبه لهم على اللوحة وقد فعلت ذلك بمهارة أذهلتني وكان يشد على يدي وهو يعود بي الى مدرستي وقد أهداني السيد المدير قلم حبر صيني، ونحن في الطريق الى الساحة الخارجية سمعت الأستاذ غازي وهو يغمغم قائلا:
- < شعرة من جلد كلب >
حسبته يسبني لكن وبعد أكثر من عشر سنوات عرفت ما كان يرمي اليه، وحين انتهى دوام مدرستنا في أحد الأيام خرجت متأخراً بسبب ضياع تلك الشعرة، كان رأسي منتفخاً من الزهو والفرح لكني فوجئت بمن ينتظرني أمام باب المدرسة ومن وقفتهم والتفافهم حولي.. مثلما كانوا يفعلون مع عنترة وكاري كوبر (العصابة الأشرار) عرفت ما يريدون مني.. فعدت أدراجي أبحث بعينين قلقتين خائفتين عمن ينقذني من محنتي، رأيت الكثير من الأفلام لكني لم أجد البطل في أي واحد منها وهو يستصرخ اصدقاءه مثلما فعلت أنا، فتسورت جدار المدرسة الخلفي وما كدت أضع رجلي على الأرض حتى أمسكوا بي فعرفت أنهم قد حبكوا مسألة القضاء علي، وأوقعوا بي ضرباً وركلاً لم يحدث لأي عربي قبل الأسلام أن أوقعوه به وهم يدمدمون بغضب وثورة:
- أي باب جديد فتحته لنا.. بقطارك العفن!!
وفي اليوم التالي كان المعلم غازي يفور.. يغلي مثل قدر مرق محترق.. وحين راح يتحدث اليهم في الصف وينظر الي بأسى حتى امتلأ ضماد رأسي بذرات الحلوى التي كان لا يفتأ يلوكها بعصبية حتى صار الضماد مثل قطعة جبس يابسة، كان صوته هادراً مخيفاً وقد رسمت عيون الصبية الصغار منظراً رهيباً لرعبهم وهم يرون وعيده وهو يتطاير نحوهم مثل شرار الحطب!
- آه لو تعرفت على واحد من اولئك الملثمين آه..
ويطلق آهة طويلة ويضرب كفاً بكف ولا تكاد المساحة الصغيرة بين الباب والجدار تكفي لمشيته المضطربة السريعة وفجأة يتوقف ليفرش بنظره على الملائكة ويقول بحزم:
- سيمشي بي العمر وأصبح رجلاً عجوزاً لكني سأبقى على عادتي في الذهاب الى مقهى البرازيلية لألتقي بأصدقائي المتقاعدين وأنا أعبر جسر الاحرار من جهة جبهة النهر وأنا أرى الفاشلين من طلبتي وهم يفرون من لقائي ومواجهتي الى الجهة الأخرى جهة شريف وحداد وهؤلاء هم الذين اشبعوا هذا الشاطر ضرباً وركلاً، هل أنتم راضون عن أنفسكم لأنه من الصعوبة أن يرضى الإنسان صاحب الغيرة عن نفسه.
حسبته يسبنا جميعاً لكني وبعد أكثر من ربع قرن عرفت ما كان يرمي اليه .علاوة
أن رأسي في حينها كان منفوخاً من الضرب.. وحين أخبرنا أبي بأمر تركنا لمدينتنا حسبته يهرب من عار هزيمتي! ويمضي بنا قطار الحياة وفي إحدى محطاته عزمت على زيارة خالتي فاطمة التي تسكن في منطقة الصالحية (الكريمات) وإذا بي أراه من بعيد ويبدو أنه كان في الطريق الى مقهى البرازيلية، انتابت جسدي رعشة هائلة وكدت أسقط على الأرض فوضعت كل ما أملك من قوة في ساقي التي جرتني بصعوبة بالغة الى الجهة الاخرى من جسر الاحرار، جهة شريف وحداد.. والحقيقة انني لم اكن أريد لهذا الرجل العجوز أن يحزن ويتألم ويصيبه الأسى والغم.. أردته أن يقضي مع اصدقائه المتقاعدين وقتاً طيباً هادئاً بعد عطائه وعنائه الطويل ذاك.. هربت منه بقوة وبساقين مرتعشتين .. هرب عنترة العبسي وكاري كوبر.. هرباً لأنهما لم يكونا قد حققا ذاتيهما بعد..

بغداد/ تموز 2000



المشاركة السابقة : المشاركة التالية