جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » تحقيق


سؤال مطروح للمناقشة: هل تقرأ الكاميرا أفكار صاحبها؟


فاضل عباس هادي
هل للمصور الفوتوغرافي علاقة نفسية مع كاميرته؟ وهل تقرأ الكاميرا هذه الآلة الميكانيكية الصماء أفكار صاحبها المصور؟ السؤال بحد ذاته، يبدو ضربا من السفسطة والإثارة التي يحسن الصحفيون «طبخها » لجعل الموضوع اكثر تشويقا للقارئ.
مما لا شك فيه أن الأدلة العلمية التي تسمح لنا بالإجابة بالإيجاب على وجود علاقة نفسية و «تجاوب روحي » بين المصور وكاميرته معدومة.
إلا أن الإجابة بالنفي المطلق هكذا ودفعة واحدة، أمر يحرمنا من القول بوجود قوى غامضة فوق التفسير العقلي والعلمي الكامل للأشياء ومحركات الوجود والنفس البشرية.
لقد حاولنا استنطاق بعض المصورين حول هذه المسألة ولم نتوصل إلى شيء ثابت ونهائي. أحد المصورين قال بوجود علاقة ما. وأكد أنه خلال ما يقترب من العقد من السنين وجد أن الصور التي يلتقطها لشخص يرتاح له ويعجب به غالبا ما تكون أفضل بكثير من صور شخص لا يرتاح له، ولا «يعزف على نفس النغمة النفسية معه ». وان التوافق بين المصور وبين موضوعه، شخصا حيا كان أم منظرا جامدا، من العوامل التي تساعد على نتائج فوتوغرافية جيدة. مصور آخر ذكر بأن «الكاميرا كتلة ميكانيكية معدنية عديمة الروح، إلا انها، على ما يبدو، تستجيب سلبا أو إيجابا لما يعتمل في داخل المصور من أحاسيس نحو الموضوع .»

كاتب هذه السطور مثلا صور مجموعة من الأشخاص، أحدهم كانت صورته ليست بالمستوى المطلوب، مما جعله يتساءل عن السبب. لقد التقط الصورة الشخصية للشخص المذكور من على المسافة نفسها التي التقطها للآخرين، واعتمد المواصفات نفسها.. فتحة العدسة الضيقة لتحقيق العمق اللازم في الميدان، الحامل الثلاثي..الفيلم نفسه فما السبب؟ أتذكر بأني، وقت التقاط البورتريتات لم أكن أعتقد بأن الشخص يصلح للتصوير، أو أن مزاجه النفسي لم يكن يؤهله للاستجابة للكاميرا، وأنني قبل الضغط على مكبسة المغلاق لم أكن متحمسا لتصويره، وكان من الأفضل أن أؤجل الموضوع إلى مناسبة أخرى. الرجل نفسه شعر بالامتعاض عندما رأى صوره الشخصية، وقال بالحرف الواحد «لقد أظهرت الآخرين في صورة ممتازة. أما
أنا فقد ظهرت في الصورة «كالفأر ». أصابني الإحراج ولم أملك إلا أن أعده بجلسة أخرى يكون فيها أقل توترا، وأكثر انبساطا.
كان ذلك منذ شهور عديدة. الجميع راضون عن صورهم، إلا هو، فهل قرأ أفكاري؟ هل قرأت الكاميرا أفكاري، وهل وصلتها، عن طريق «التلباثي » هواجسي الدفينة؟
السؤال ملح ومطروح للنقاش وهو من جديد وباختصار شديد: هل صحيحة الفكرة القائلة بأن الكاميرا تقرأ أفكار صاحبها ولماذا ظهرت صور شخص معين دون المستوى المطلوب، رغم انها التقطت بالمواصفات نفسها التي التقطت بها صور الأشخاص الآخرين؟
وهل يتعين علينا أن نضيف شرطا جديدا لنجاح الصورة: المودة، إن لم نقل الحب وما هو دور الإرادة في نجاح الصورة؟ ربما يصح القول بأن تكوين الشخصية العربية ينطوي على قدر كبير من القدرية أو الاتكالية، ونحن ننفعل بالأشياء اكثر مما نقوم بجهد واع وارادي. واستتباعا نجد أن الغربي، هو الآخر ليس مخلوقا إراديا على طول الخط، وقد ظهرت في الأدب الأوروبي وما تزال شخصيات روائية هي بالتأكيد انعكاس للواقع الغربي المعاش، لعل أقربها إلى الذاكرة شخصية «ميرسو » بطل «الغريب » لكامو.
ولئلا نبتعد كثيرا عن الموضوع قيد البحث نوجز بالقول بأن الشخصية الإنسانية عربية ام غربية تنطوي على قطبين: الانفعالية اللاإرادية والإرادية الفاعلة.. القطب الثاني يمثله، في عالم التصوير الضوئي المعاصر: المصور الأمريكي البارز: ماينر وايت Minor White . هذا المصور يبحث إراديا وقصديا، عن الجانب الروحي في العلاقة بين الإنسان والطبيعة وبين الفكرة غير المادية وبين تجسيدها، أو بالأحرى، انعكاسها في عالم الأشياء والموجودات.
فقد أقيم في العام 1991 لاعمال ماينر وايت معرضا نظمته جامعة برنستون الشهيرة في نيويورك، اعتمادا على كتاب وكتالوج أصدره وايت نفسه في العام 1969 بعنوان «مرايا واشارات وتجليات » والعنوان بحد ذاته حابل بالموحيات. وكل كلمة من كلمات العنوان الثلاث مجاز لغوي أو استعارة أدبية. فالمرايا هي مرايا النفس وانعكاساتها في ما حول المصور، والإشارات هي تلك التي نحسها بشكل غامض تنزل علينا من قوى كونية أكبر منا، والتجليات هي ما نلمسه روحيا بدون أن نستطيع أن نقبض عليها عقليا.
كان وايت يؤمن إيمانا راسخا بأن الروحي يتجلى في لحظات معينة لحظات رؤيا واضحة لا تحدث باستمرار، إلا انها تحدث في حالات معينة وعلى المصور أن يكون مستعدا لاستقبالها، أو يجد في البحث عنها. انها لحظات نادرة تبدو فيها الطبيعة شفافة جدا. وهذه الطبيعة الشفافة ليس دائما ممكنا رؤيتها أو الإحساس بها، لو لم يكن المصور نفسه شفافا في إحساسه إلى حد الشغاف. ونرى وايت يؤكد شفافية نفس المصور بالذات ليسهل عليه اكتشاف شفافية الطبيعة. وهذا قريب مما أشرنا إليه في التساؤل الأول الوارد في صدر المقال..وهو بعبارة أخرى العلاقة العضوية بين المصور والموضوع وضرورة وجود تجاوب روحي ما بين الاثنين.
ولا ننسى بالطبع عامل التطور النفسي وتوصل المصور إلى اعتماده فلسفة جديدة، تتدرج من الاعتقاد بالماديات )التصوير الوثائقي بل التجاري( والواقعية، إلى تجريد نفسه من ثقل المادة وإلى فضاء الروح وأجنحتها التي تحمله بعيدا.
إننا مع ما ينر وايت ندخل إلى عالم من الإشارات الموحية، هي قليلة بالتأكيد، قياسا إلى عالم كاسح في ماديته، إلا انهالا كانت كافية لتستغرق هذا المصور الفريد حياته كلها.
يكفي في هذه العجالة الإشارة إليه، وليحتفظ القراء باسمه في ذاكرتهم وليبحثوا، إن استطاعوا، عن أعماله المودعة في عدد من الكتب التي صدرت عن كبريات دور النشر الأمريكية والبريطانية والفرنسية وعن العلاقة بين المصور وكاميرته واعتمالات الروح وتجلياتها في الطبيعة.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية