جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » نصوص


نصوص


سعاد الجزائري
المشهد الاول...
تجلس وحيدة مقابل شباك يطل على ساحة مشهورة، تتسع لجمهور ومهرج صبغ وجهه ويديه وملابسه بلون فضي، يقف جامداً لدقائق، كي يتجمع الناس أمامه، وحينما يتأكد من انبهارهم بخدعته يصدر حركة سريعة ليتجمد من جديد بعد أن أرضته أصوات الانبهار من حركته المباغته.
تفكر وهي تدخن سيجارتها، بأمر الخديعة، الكل يعرفها لكنها تبهرهم وحينما تنطلي عليهم يدركون أن أوان تجاوزها قد فات..
تشعر بنظرته الساخنة التي تخترق قميصها الشفاف، ثم تحيط كتفيها كشال، وتلتف على رقبتها كعقد، لتحتضنها كذراعين دافئتين تحتاج الى طراوة تستكين فيها..
تزحف كلماته التي لم يقلها بعد بهدوء فتتسرب في خلاياها وتنتشر حولها، تستنشق حروفها تختنق بحرف الحاء فتشهق مع بائه..حب..

المشهد الثاني
يجلسان على نفس الطاولة، بمواجهة الساحة المشهورة وجمهرة من الناس تقف مذهولة أما المهرج الفضي وهو مستمر في خديعته، يتجمد لدقائق ثم يقوم بحركة سريعة فيصرخ الطفل الذي اقترب من المهرج خائفا، لانه لم يعرف الخديعة بعد..
أمسك كفها بحنو ساحر، كان لحظتها صادقاً، أو ربما كان قلبه مطلياً بالفضي حينما قال:
- لم أحب امرأة بهذا القدر..
بتلك اللحظة قفز المهرج من منصته ووقف على الأرض وقهقه بتواصل ممل...ضحك معه الجمهور رغم انهم لا يدركون سبب ضحكه..
أدارت رأسها نحوه، نظرت في عينيه، رأت لحظة صدق مطلية بلونها الفضي..صدقته..أحبته، احبها وبريق عينيه يلمع كفضة قمرية..

المشهد الثالث
نامت على كتفه، استغربت رائحة دهان في مسامات جلده، سمعا معاً أغاني زمن زحف هارباً لأن بشر اليوم لا يعرفون مفرداته..رائحة الدهان تخنق أنفاسها، لكن كلمات أغنية محمد عبد الوهاب تنسيها الرائحة، وهو يذيب كلماته مع لحنه الشجي:
قال لي كم كلمة..يشبهو النسمة..في ليالي الصيف
فاتني وفي قلبي شوق بيلعب بيه وانشغلت عليه
صدقت الأغنية وصدقت حرارة كتفه ولما رفعت رأسها رأته وقد تغطى بلون فضي ورأت آثاراً على الكتف الذي توسدته الكثيرات بدءاً من غانية وانتهاء بزانية..

المشهد الرابع
تجلس على طاولة في مقهى أمام ساحة مشهورة، المهرج يمر من أمامه الناس ولا يتوقف أحد..الطفل ينظر إليه ثم يسرع ليمسك بيد أمه، فقد اكتشف خدعة المهرج الفضي..
تجلس وحيدة تدخن سيجارتها وتحتسي فنجانها، وفي المقهى المقابل يجلس رجل كتفه فضي لا حرارة فيه، يمد من تحت الطاولة يده التي تداعب فخذ امرأة مطلية بلون الخديعة، وينعكس على زجاج نافذة المقهى ظلهما الذي يتداخل مع ظل المهرج فيلتفت الجمهور اليهما لأنهما احتلا منصة عرض الخديعة..

المشهد الخامس
يتنحى المهرج عن منصته، يخلع بذلته الفضية، وينسحب خارج مشهد اللعبة، يعتلي الرجل المنصة، تسقط كلماته كقيء على الارض، تمطر السماء فينساب لونه الفضي مع مياه المطر وينكشف امامها، وهي تراقب عرض خديعته.. ينسحب جمهور الساحة فيقف وحيداً عارياً من لونه ومن كلماته، أو أي جمل حفظها نقلاً عن غيره، لأنه لا يجيد صف الكلمات مع بعضها، فالخديعة لا تنتج الكلام، بل تبعثر معانيها في اتجاهات متناقضة، يقف مهجوراً وسط ساحة خالية يحيطه الفراغ وسخرية طفل عرف إنها خدعة.. تتفرج عليه عبر سحابة دخانها عارياً من كل شيء إلا من خدعته الفضية..

المشهد الاخير
تنهي فنجان قهوتها، تفتح حقيبة يدها تفتش عن مرآتها الصغيرة، تضع أحمر الشفاه، وترتب شعرها، تشعل سيكارتها وتنهض لتغادر المقهى..
تسير بإتجاه منتصف الساحة حيث منصة العرض، تقف أمامه، تتفرج على عريه، تسحب نفساً عميقاً من سيكارتها، ثم ترمي العقب أمامه، تنظر في عينيه التي تبرق بلون فضي فتدهس بكعب حذائها جمرة عقب السيكارة وذلك البريق الفضي الذي سقط من عينيه
تكمل عبور الساحة وهي تبتسم لأنها لم تتلوث بلون خديعته وتزهو بتفسها لأن لونها لم يتغير منذ أن خلقت..

أسدلت الستارة.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية