جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » نصوص


قصة قصيرة: دوخة عباس..بصبيحة


علي حداد
من لي بامرأة مثل صبيحة أحبها
حد الموت...أعطيه عمري..
منذ نعومة أظافرها كانت تنفر من درابين الدهانة وأزقتها ومجاري المياه التي تشق الدربونةالى نصفين .. وتستنكف من بيت خالتها فخرية في محلة أبو دودو ومن بيت عمتها فطومة في محلة الطيطران ومن مدرستها في ابوسيفين ،وحين أصبحت في السابعة عشرة من عمرها كبر معها هذا النفور..
وهذا الأشمئزاز من البيوت المتلاصقة والدكاكين..والباعة المتجولين، ومن أقرانها الراضيات بقسمتهن..وبقت صبيحة تتطلع بشغف الى المدن الكبيرة ،الكرادة والمنصور والحارثية وحتى علي الصالح لم يسلم منها..مرّات كثيرة أودعت في أذني وهي  تحدثني عن هذه المدن :-   
_- عباس حتى البنات مختلفات إنهن أكثر رقة وأكثر جمالاً وملبسهن نظيف    ويرتدين قلائد وأساور من ذهب حقيقي وأحاديثهن لاتكاد تسمعها حتى لو وقفت على بعد ياردة منهن ، وهن واثقات من أنفسهن لهذا تجد  لديهن تطلعات وأحلام ، عباس قلت لأمي إنهم قبلوني في الاذاعة أتدري ماذا قالت لي بعد أن لطمتني على خدي >
بكت أمامي.. كانت ترتدي ثوباً أصفر وتنورة سوداء مقلمة بالأصفر الفاقع ومرة أخرى لم يتبلل ثوبها بالدموع .. رحت أنظر الى عينيها المبللتين..كانتا مضيئتين لامعتين ،وكنت حين أغوص فيهما أتيه في بحارلا فنار فيها وأحس نفسي أعوم في مياه مجنونة :-
- عباس أنا أحبك صدقني .. لكن ...آه                                               
كنت أعرف إنها تحبني ضمن عوالم تحبها وربما وجدتني الوحيد الذي كان على نياته وموظف جديد يحب عمله .. وحين يمتد إخلاصه الى محلته وسكانها الطيبون ترفضني رفضاً قاطعاً :- 
- انظر الى العالم ياعباس ..أنهم يعيشون يومهم بسعادة ورجالهم يتسمون بالرقة ولايتجشؤون في وجهك ولا يتمخطون في الدرابين ولا يتبولون على الحيطان ولايترنحون في الليل ولايتقيؤون على ابواب الدكاكين ..ورجالهم لايشتمون دون حياء ولايتشاجرون بالقامات والسكاكين ومدنهم لاتوجد فيها مطاعم رخيصة يبيعونك فيها كبة محشية بالمصارين
ذهبت عينيها تجولان هنا وهناك ويشع منهما ذلك اللمعان الآسر.. لكنهما هذه المرة كانتا تلمعان اسى وحزنا وهي تضيف متوسلة :-                   
- عباس انقذني من هذه المأساة اخرجني من هذه الدرابين التي تغص بمئات الاطفال الذين يتغوطون على دكات بيوتهم ،وصراخهم وهم يلعبون يمزق اذني وذكرياتهم الملعونة اينما وليت بعيني اراها مكتوبة بالطباشير الذي يسرقونه من المدرسة  والكبار يكتبون  .                                         
  ذهبت لأداء خدمتي العسكرية والتي دامت سنتين بينما عملت صبيحة في احد مراكز الشباب وفي يوم تسريحي من الجيش رأيتها وبرأس يعاني من دوخة بسيطة أخبرتني إنها وضعت قدميها على أول السلم ..إنها الآن تلتقي بشباب يغسلون اسنانهم ثلاث مرات في اليوم ويدخنون سكائر بفلتر ولديهم سيارات خاصة نظيفة ومغسولة ، ضجرت منها ومن نفسي وفي زمن < أبو طبر > سافرت .. أو هربت.. لاأدري لكني عقدت العزم على أن لاأعود أبداً وبعد سنتين أشتقت إليها ولم أعد أشعر بعباس الا وصبيحة بقربه.. فعدت مسرعاً كأني الهث من الجري .. كانت قد أصبحت طويلة القامة وبشعر طويل ناعم وجسد يمتليء بالحياة والحيوية والطموح وبرأس يضج بالاحلام ...وفجأة إستدعوني الى خدمة الاحتياط ..ومن ايطاليا مباشرة الى حلبجة والى فوج المغاوير والنهوض في الرابعة صباحا ونحن نهرول بالفانيلة واللباس والبرد يضرب عظامنا وصوت العريف مريود يلاحقنا وهو يصيح ممزقاً حنجرته  وخمسمائة حنجرة تنطلق مرة واحدة < وحوش > ويصيح مرة أخرى < وماذا تأكلون ؟ > وتنطلق الحناجرممزقة الظلام < جريدية وعكارك > وصيحات أخرى  < وين تولي ياسادات واحدنة يعادل دبابة > والكثير ممن كانوا لايعرفون السادات ولا صديقة الملاية .. كان شيء أشبه بالكابوس ، وحين تسرحت عدت الى وظيفتي في البدالة الكائنة في علاوي الحلة .. ثم جاء إسترا قي السمع على مكالمة السيد العام فالتحقيق ثم السجن ،مرة واحدة زارتني صبيحة كانت متبرجة وبشكل جنوني وكانت ترتدي قلادة وأساور وأقراط من ذهب خالص عيارواحد وعشرون وسمعت إنها راحت تركب تلك السيارات النظيفة وإنها تخلصت من محلة الدهانة وصبابيغ أللآل.. وإنها الآن تسكر وتدخن وتغني وتعرف كيف تهز جسدها وحين خرجت من السجن اللعين تزوجت من امرأة اكتشفت فيما بعد إنها عاهرة بعباءة سوداء وعلى حين غيرمتوقع استدعيت مرة ثالثة للخدمة العسكرية ، احسست بأني منذور للجيش وكأني خلقت له .. وبعد ثماني سنوات من الخدمة والجروح ومراجعة مستشفى الرشيد العسكري والتحاقي بالخدمة وقعت في الأسر ولم أخرج من أقفاص الأسر إلا بعد أربع عشرة من السنين العجاف حقاً ..وحين عدت وجدت صبيحة وقد عادت الى الدهانة ودرابينها وقد فقدت بريق عينيها وأنطفأ ذلك الألق الرائع منهما ،وترهل جسمها واصبحت بدينة تجر جسدها جراً ..وعادت غير راغبة في الحياة وراحت تركب باص مصلحة النقل العام ولا تنفك تساعد محمد الجابي بأصغر نقد كافي .. أنا أيضاً بعد مقتلها لم أعد راغباً في الحياة فقد ترهلت روحي وشاخت وصرت أحس بالجرب وأنا انظر الى باب المعظم وساحة التحرير وساحة الطيران والنفايات المنتشرة هنا وهناك والخراب الذي حل في في كل مكان والحرب المنتشرة في الشوارع وخلف الأبواب والشبابيك.. وأخيراً جلس عندي يقين أن إحساسي بالجرب والموت يتوقف على شفاء مدينتي من أمراضها .. وتناحرها وصراعها وفتنها ..وموت ابنائها الذي كانت تقول عنه أمي رضية حمودي جواد                       
-                           
  حين تعود الروح الى مدينتي  ..ستعود الى جثتي روحي ايضا  لتعينني على الحياة .. والتأمل .. والحلم .. والبحث من جديد عن صبيحة
....أحبها لأهب من أجلها ... البقية من عمري



المشاركة السابقة : المشاركة التالية