جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » جماليات


رسائل فان كوخ - الرسالة الحادية والعشرون


ترجمة: ستار كاووش
نيونن، ٩ نيسان ١٨٨٥
تَيَّو العزيز
يدهشني عدم وصول أي شيء منك! لا كلمة ولا رسالة أو أخبار! ستقول بأنك مزدحم، وأنا أتفهم ذلك بالتـأكيد. لذا رغم تأخر الوقت الآن، وددتُ أن أكتب هذه الرسالة لأخبرك بأني أتأمل وأرجو أن نستمر بالتواصل، وبشكل أكثر جدية، لا تنسى ذلك.
أرسل لك دراستين رسمتهما مؤخراً وهي تمثل مجموعة من الفلاحين يجتمعون حول طاولة يتوسطها صحن كبير مليء بالبطاطا، كنت مع هؤلاء الفلاحين، وقد عدتُ تواً الى البيت لأكمل العمل على هذه اللوحة* تحت ضوء المصباح، بعد أن بدأتُ بها أثناء النهار. ارسم لك هنا تخطيطاً صغيراً للعمل لتعرف الموضوع وتتخيل التكوين. لقد نفذتها على قطعة قماش كبيرة نسبياً، وأرى إنها مليئة بالحياة. ورغم إعتقادي بأن مناخها يعكس المشاعر الحقيقية للناس، لكني متأكد بما لا يقبل الشك لو أن العم كور* موجوداً بجانبي الآن، لقال إنه عمل سيئ، وربما يظن بأني قد رسمتها بحذر وبطء فوق الحاجة. أعرف أن الاساتذة الكبار وخاصة عندما يمتلكون الخبرة، بإستطاعتهم  إنهاء العمل بطريقة سريعة فيها بعض الاختصارات التي تقود الى نتائج جيدة، وذلك بسبب المران والخبرة الطويلة التي اكتسبوها. أما بالنسبة لي، فأنا أحتاج الى وقت طويل للإمساك بذلك، وحتى لو استطعت الوصول اليه، فهل يحمل هذا جدوى تقودني الى ما أريده من الرسم. أجرب الآن أن أتوصل للتعبير والمناخ المناسب للوحة، وهذا مهم بالنسبة لي وهو ماابحث عنه. أحاول أن أنقل الانفعال الذي اشعر به من خلال اللون والمعالجة. لا أريد أن أرسم هذه الأشكال والتفاصيل بشكل حرفي، ويمكنني القول بأني سأتخلى تماماً عن هذه الحرفية في الرسم، كي أستطيع أن أعكس مشاعري وعاطفتي على سطوح اللوحات.
إسمع يا تيو، نصيحتي اليك، أو بالأحرى أمنيتي أو رجائي، دعني أرسم ما أستطيع رسمه من الرسومات التحضيرية دون توقف، وإحفظها كلها عندك، فأنا لا أريد أن تُعرض تخطيطاتي للبيع في الوقت الحاضر، فربما أستطيع في يوم قادم أن اصنع لنفسي إسماً بين الفنانين، وعندها يكون من الصعوبة إسترجاع هذه الأعمال ثانية بعد أن نبيعها الآن. دع الناس يطلعون عليها فيما بعد، وقتها ستكون قيمتها أعلى وأهميتها أكبر، وربما يطلع عليها من خلالك رسامون شباب، فتمنحهم محفزاً لعمل دراسات مماثلة لأعمالهم قبل الشروع برسمها على الكانفاس.
أسعى الآن على المواظبة للخروج في الصباحات الباكرة لرسم دراسات للناس في أماكن العمل، في البيوت والحقول والأماكن التي تملؤها الحركة، لقد بدأتُ بذلك في الأيام الأخيرة وإستهواني الأمر كثيراً.
أعرف إنك تبحثُ عن أفكار جديدة في تجارة اللوحات، لكني أرى أن الطريقة التي تتعامل بها الآن لا يمكن بأي حال أن تكون قديمة وعفا عليها الزمن، لأنك ببساطة تتعامل مع الآخرين بضمانات جيدة. ربما بإمكانك أن تضيف شيئاٍ آخر، وهو أن تجعل مثلاً كل عشرة تخطيطات مجتمعة بنفس الثمن الذي تطلبه مقابل لوحة مكتملة؟ وبهذا تمنح مقتني اللوحات بعض الحلول الجديدة. هل تعرف ياتَيّو؟ ربما عليك أيضاً أن تبحث عن رسامين صغار السن وغير معروفين في الوقت الحاضر، شرط أن يكون لديهم بعض النبوغ في الرسم، وتكلفهم بعمل دراسات أولية للوحاتهم بالأسود أو الأحمر الداكن على ورق بريستول*. قد ترى عدم وجود ضمانات كثيرة لهذه الدراسات الآن، لكن قيمتها ستظهر في أيام قادمة لأنها ستصبح نادرة، فليس كل الرسامين يهيئون هذا النوع من التخطيطات قبل الشروع برسم لوحاتهم بالألوان، إضافة الى ذلك ( أرى هذا في نفسي على كل حال) هناك رابطة خاصة وعاطفية بين الرسام وهذا النوع من التخطيطات، إنها قريبة جداً من روح الفنان، أكثر مما يتصوره البعض.
تَعْلَم أن هناك بعض رعاة الفن الذين يقفون بجانب الفنان ويمدون له يد العون في سبيل إنجاز أعماله، لكن هذه العملية ليست بهذه السهولة دائماً، فحين يمضي الوقت ولا يبيع الفنان شيئاً يصبح التواصل بين الطرفين صعباً ويكتنفه التردد، حتى تأتي مرحلة يشعر فيها راعي الفن بأن نقوده يرميها في البحر، لأنه يمنحها -حسب إعتقاده- دون فائدة. الفنان ياتَيّو يحتاج الى المزيد من الثقة، ويتأمل الكثير من الصبر والانتظار، لكن تحصل القطيعة في الغالب بسبب السهولة التي ينظر بها (راعي الفن) نحو عملية انجاز الفن ذاتها. أرجو يا تَيّو أن هذه الحالة لم ولن تحدث بيننا، كذلك أتمنى أن رسوماتي مع مرور الوقت ستعطيك أملاً وثقة أكبر.
نحن لم نعش في زمن جيغو* لكن أعماله وأفكاره التي إطلعتُ عليها في كتابه الذي استعرته منك، أعطاني ثقة تجاه أعمالي، أعرف ان من الصعب إستدعاء عزيمة الماضي الآن، لكن ذلك يبعث على الطمأنينة والأمل. وبكل الأحوال علينا بشيئين، هما العمل المستمر والجرأة، إنهما مفتاح أيامنا القادمة.
دعنا نرسم الكثير من الأعمال ونمضي مع الرسم الى ابعد الحدود، شرط أن نجاهد على ان لا نتغير للأسوء حتى حين تسيء الأمور معنا. قلت (نرسم) لأن النقود التي ترسلها لي وتتحمل الكثير من المصاعب في حياتك بسببها، تعطيك الحق الكامل بإمتلاك نصف أعمالي واعتبارها أعمالك*، فأنت قد رسمت كل اللوحات معي، لما تقدمه لي من دعم غير محدود.
حاول أن تتحدث مع أحد من جماعة القط الأسود* وتسأله إن كانوا بحاجة الى تخطيطات سريعة لآكلي البطاطا، وإن كان جوابهم نعم، فأي الحجوم تناسبهم لذلك؟ 
أشد على يدك مع كل محبتي
أخوك المحب فننسنت 

هوامش المترجم:

* آكلوا البطاطا: تعتبر هذه اللوحة أول أعمال فنسنت العظيمة وبداية نبوغه الفني. وقد تأثر فيها بأحد أعمال الفنان الهولندي يوسف إزراييل، والتي تمثل ايضاً مجموعة من الفلاحين يجتمعون حول طاولة الطعام. وقد رسم فنسنت تخطيطات ودراسات كثيرة لهذه اللوحة قبل أن يرسمها بالالوان الزيتية، وما يميزها هو تكوينها المؤثر، وتعبيريتها العالية التي ألهمت الرسامين بعد عشرين سنة من رسمها لإبتكار المدرسة التعبييرية وكذلك الوحشية. وهي موجودة في متحف فان غوخ بأمستردام، كذلك يوجد نسخة أخرى تبدو غير مكتملة رسمها فنسنت في ذات الوقت، وهي موجودة في متحف كرولر مولر بمدينة أوترلو، شرق هولندا، كذلك توجد نسخة لذات العمل نفذها فنسنت بالليثوغراف في مطبعة خيستل بمدينة أيندهوفن جنوبي هولندا، وهي موجودة ايضاً بمتحفه في امستردام. وقد زرتُ المتحفين وإطلعتُ هناك على الأعمال الأصلية الثلاثة.
*  العم كور: هو كورنيلس مارينس فان غوخ، عم فنسنت وتيو، وكان يعمل في تجارة اللوحات الفنية والكتب بشارع كايسر خراخت في مدينة أمستردام.
* ورق بريستول: ورق إنجليزي مصنوع من القطن، يعتبر من أفضل وأقدم انواع ورق الرسم، وتعود صناعته الى بداية صناعة الورق في أوروبا، ويتميز بأنواعه العديدة وجودته العالية. وهو يسعمل في كل تقنيات الرسم، مع الأحبار والقلم الرصاص والباستيل والايربرش والطباعة والفحم، وتعتمد كل تقنية على سمك الورق وملمسه، ويوجد اليوم خمسمئة درجة او نوع من هذا الورق وتتناسب مع كل المعالجات.
* جيغو: جان فرانسوا جيغو (١٨٠٦-١٨٩٤) رسام فرنسي ومصمم كتب ومنفذ للرسوم التوضيحية والطباعية، وكان واحد من ألمع شخصيات عصره. إهتمت به أرملة الكاتب بلزاك وعاش معها فترة طويلة بعد ان إحتضنته في صالونها. ساهم بشكل فعال في تطوير فن الطباعة الحجرية. وعند وفاته دفن في مقبرة الأبطال في مدينة بيسانكون.
*  وقد حدث ذلك بالفعل بعد خمس سنوات من كتابة هذه الرسالة، حين انتحر فنسنت وبقيت كل اعماله عند شقيقه تَيّو الذي توفي بدوره بعد بضعة شهور من هذه الحادثة بسبب مرضه وحزنه على أخيه الخالد، لتبقى كل اللوحات التي لم يُبع منها شيئاً أثناء حياتهما عند العائلة. وحتى بعد الممات بقيا بجانب بعضهما الى الأبد، فقد دفنا في قبرين متجاورين بقرية أوفير سور واس في فرنسا.
*  القط الأسود: كابريه شهير في باريس، تأسس سنة ١٨٨١، وكان مكاناً للقاء الرسامين والكتاب والموسيقيين. وجاءت التسمية من خلال قط اسود صغير عثر عليه مؤسس الكابريه رودولف ساليس في ذات المكان أثناء التحضير للبناء. وكان طباعي الاعلانات والافيشات يرتادون المكان دائماً لأن صاحب الكابريه يكلفهم بعمل اعلانات فنية تخص العروض. وقد تأسست مجلة تحمل نفس الاسم، استمرت ١٤ سنة، وكان من كتابها موباسان وأميل زولا، كذلك نشر فيها تولوز لوتريك الكثير من الرسومات.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية