جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » تقييم


كامو ونساؤه


ترجمة: نجاح الجبيلي
بالإضافة إلى كتبه كان ألبير كامو يحب أيضا كتابة رسائل الغرام: كان مهووساً بالنساء، وعلاقاته الغرامية قادت زوجته الثانية إلى الانهيار العقلي. تكشف السيرة الجديدة عن كامو التي كتبها أوليفييه تود كل ذلك كما يقول بيتر لينون المحرّر في صحيفة الغارديان.
حين سأل "أوليفيه تود" في إحدى المرّات جان بول سارتر عن شريكه القديم المفكر ألبير كامو، الذي كانت معه نزاعات، و كتبه التي يفضلها أجاب:" رواية السقوط لأن كامو أخفى فيها نفسه".
مع نشر السيرة الضخمة بعنوان: "ألبير كامو: حياة" كشف تود بعض الحقائق الخطيرة عن الطفل الجزائري الفقير الذي حصل حين أصبح في الثالثة والأربعين على جائزة نوبل، وهو ثاني أصغر كاتب يحصل عليها في التاريخ. ولم يسبق وإن نشرت رسائل له تكشف عنه كونه مهووساً بالنساء.
    إنّ رواية "السقوط"-1956 هي اعتراف محام باريسي مشهور يعيش في أزمة حين يفشل في معالجة قضية امرأة غارقة. كانت "المرأة الغارقة" هي زوجة كامو الثانية فرانسين التي حصل لها انهيار عصبي. ولكونها أمّ طفليه قرر كامو أنه من الأنسب لو كانت العلاقة معه  مثل العلاقة "بالأخت"، وقد سمحت له بالحرية الجنسية.ظلت سنين عديدة متكيفة مع هذا ،لكن سرعان ما انهارت. يقول تود بأن فرانسين قالت لزوجها:"أنت مدين لي بذلك الكتاب" وقد وافقها كامو. 
إن الرؤى في سيرة تود عن هوس كامو بالنساء يمكن بصعوبة أن تكون مفاجأة لأولئك الذين قرأوا كتب كامو غير الروائية المبكرة.و تأملاته في الدونجوانية الواردة في كتاب "أسطورة سيزيف"، التي كتبها حين كان عمره 28 سنة، تقرأ مثل اعتراف وبيان للسياسة المستقبلية. كتب كامو:" وذلك لأنّ دون جوان يحبهم بنفس الشغف وفي كل وقت مع ذاته بأكملها إذ أنه يجب أن يعيد موهبته وبحثه العميق".
وسأل:"لماذا يكون ضرورياً أن يحب المرء حبّاً نادراً  ليتوفر له أن يحبّ كثيراً؟" وأضاف:"ما أدركهُ جون جوان في الفعل هو أخلاقية الكم بينما القديس، على العكس، يميل نحو النوع".
حملَ الفلسفة إلى مدى أبعد زاعماً بأن الأم أو الزوجة المفتونة بزوجها لديها بالضرورة "قلبٌ مغلّف"لأنهُ ابتعد عن العالم لكي يثبت على شيء واحد. لكن حبّ دون جوان كان حرّاً. 
في كانون الأول عام 1959 وصل هوس كامو بالنساء حدّه الأقصى. ففي 29 من الشهر ذاته كتب إلى عشيقته معلناً بأنه سوف يعود بعد فترة قصيرة إلى باريس من لورماران حيث قضى الصيف مع زوجته وأطفاله:"هذا الانفصال المخيف سوف يجعلنا في الأقل نشعر بأكثر من الحاجة الثابتة التي يكنها كل منا للآخر". وفي اليوم التالي كتب:"فقط أعلمك بأني وصلت يوم الثلاثاء بالسيارة. أنا جدّ سعيد بفكرة رؤيتك مرة أخرى إذ أنني أضحك حين أكتب". وبعد يوم كتب:"أراك يوم الثلاثاء، عزيزتي، أقبّلك وأباركك من أعماق قلبي".وكانت هناك رسالة أخرى تحمل عنوان نيويورك. 
وبغض النظر عن الحماسة المتواصلة كان هناك شيء واحد فريد حول تلك الرسائل:الأولى كانت اسمها "مي" وهو رسامة شابة؛ والثانية اسمها كاثرين سلرز وهي ممثلة؛ والثالثة هي ماريا كاساريس وهي ممثلة مشهورة عالمياً استمرت علاقته معها 16 سنة؛ وكانت الرابعة أمريكية هي باتريشيا بليك.
حين أطلع أوليفييه على مدى خمس سنوات على كل هذه الرسائل واجه مشكلة. فحقوق كل رسائل كامو تملكها ابنته كاثرين وهي الوصية على مؤلفاته. يقول تود:"شيء واحد أن يعرف الأطفال أن أباهم مهووس بالنساء. لكن الأمر الآخر مختلف حين تظهر لهم البرهان على ذلك".   
كانت هناك رسالة أخرى مكتوبة إلى "إيفون" التي كانت على علاقة محمومة معه في ليلة زواجه.كتب:"من المحتمل أني سوف أبدّد حياتي. أعني أني سأتزوج "ف".يقول تود:" كانت تلك أم كاثرين". لكن كاثرين كامو لم تبدي أي اعتراضات.
كانت "مي" التي تسلمت أول رسائل كانون رسامة شابة من أصل دنمركي. قابلها كامو بالطريقة التقليدية والتقطها في مقهى الفلور في السان جيرمان بريه في عام 1957. كانت من النساء النادرات التي قاسمته حب كرة القدم.   
يقول تود بأنها اختفت من الانتشار مستعملاً وسيلة غير صحفية: فقد اطلع على اسمها الكامل في دفتر الهاتف: مينيتل. كانت تزوجت ولديها طفلة ثم طلقت. وكانت لم تزل يطلق عليها اسم "مي".
التقى كامو بماريا كاساريس في عام 1944 وهي ممثلة راسخة مثلت في فيلم"أورفيوس" لكوكتو. كانت امرأة متحمسة وذكية وهي ابنة رجل أسباني ثري ينتمي إلى الجمهوريين وقد هاجر بسبب حكم فرانكو. من المرجّح أنها كانت المرأة الوحيدة من عشيقاته التي كان لها علاقة متساوية معه. ويقول تود:" لو كان دون جوان فإنها كانت دون جوانة".
كتبت كاساريس التي توفيت مؤخراً سيرة ذاتية بقلمها كانت فيها صريحة حول علاقتها المشهورة مع كامو،لكن بمشاعر نبيلة ملفتة للنظر لم تقتبس مباشرة من المئات من رسائله.
ثم كانت هناك ممثلة طليعية ومخرجة مسرحية اسمها كاثرين سلرز. في السيرة الفيلمية التي صنعها جيمس كنت عن كامو،و المعتمدة على كتاب تود وعرضت على قناة بي سي 2، رأينا ممثلاً يؤدي مشهداً من رواية "السقوط". الممثل هو زوج سلرز. لذا فإن عشيقة كامو السابقة جعلت من زوجها يؤدي دور البطل في رواية "السقوط" لكامو.
إن رسالة نيويورك كانت لباتريشيا بليك، التي قابلها كامو حين زار الولايات المتحدة في عام 1946. كانت حينذاك في العشرين من عمرها وتعمل ناسخة في مجلة "فوغ".أصبحت دليله إلى المدينة،وقد 
وقد أثارتها في البداية المسافة النبيلة التي كان يحتفظ بها مع شريكاته أثناء رقصة الفوكس تروت. تناولت الغداء معه في باريس عام 1957 حين تلقى نبأ فوزه بجائزة نوبل للأدب. وقد اعترف لها بأنه شعر بالاختناق. 
لسبب بسيط. منحت لجنة نوبل المنغمرة في الخلط السياسي المعتاد الجائزة إلى "رجل فرنسا في الجزائر" وكانت حرب الجزائر في ذروتها.شعر كامو بأنه لا يمكن أن يقلب المسألة رأساً على عقب. فقد كانت تسخر منه بشكل مباشر غالبية النخبة المثقفة في باريس.( فيما بعد وفي الستينيات رفض سارتر الجائزة). 
لم يحتفظ كامو بأي من هذه اللقاءات المنظمة. حين عاد من باريس مع ناشره وصديقه ميشيل غاليمار اصطدمت سيارته بشجرة وقتل على الفور. كان في السادسة والأربعين من عمره.
وبغض النظر عن كونه مفكراً باريسياً مع إدراك قليل لشؤونه إلا أنّ علاقات كامو كانت مهمة بالنسبة له. يقول تود:"كانت لديه علاقات صحية مع النساء أكثر من سارتر. كانت علاقاته مثيرة تماماً".
لم يكن كامو باريسياً رفيع الثقافة. كان ينتمي إلى الطبقة العاملة  فقد ولد في الجزائر من أصل أوروبي. مات والده مصاباً في الحرب حين كان طفلاً. كانت والدته خادمة نهارية وليس لديها موهبة في الاتصال العاطفي والفكري.إضافة إلى أن هناك شيء متغافل عنه بسبب طاقاته الضخمة فقد كان 
يعاني من السل بصورة مزمنة ولذا كانت لديه رغبة محمومة دائمة في العيش. وقد تزوج زواجاً مبكراً قصيراً وكارثياً في عام 1934 من مدمنة على المخدرات تدعى سيمونه هي.
فليس من الصعب اكتشاف الحرمات العاطفي العميق في تلك الخلفية من نفس النوع الموصوف في رواية "الغريب"-1942 التي يبدو فيها البطل غير قادر على رؤية غاية الحب لذا يقوم بإطلاق النار على عربي دون أن يعرف السبب. لكنك لا تستطيع أن تقدم عذراً حزيناً لشخصية بمثل هذه الصراحة الدقيقة كما لكامو: الشيوعي الذي، خلافاً لسارتر، شجب معسكرات الاعتقال الستالينية حين ظهرت للوجود؛ والصحفي المسلول الذي عمل في باريس المحتلة للصحيفة السرّية "كومبا" بينما كان المتحدث الأعلى للشيوعية سارتر يقود الحياة الفكرية بشكل هادئ. 
كتب كامو:" من الخطأ أن تجعل دون جوان غير أخلاقي: من هذا الاعتبار فهو مثل أي شخص آخر. كانت لديه الشفرة الأخلاقية لتعاطفه ونفوره".



المشاركة السابقة : المشاركة التالية