جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » زمان ومكان


عربون صداقة مع القارئ


جلال نعيم
(١)
كانت عمّان بوابتنا الوحيدة الى العالم أو هكذا كانت يوم وصلتها في ٢٩ مايو/ أيار ١٩٩٧، وهالني الشعور الذي خالجني لحظة الوصول اليها؛ فبعد سبعة وعشرون عاماً، قضيت معظمها في تلك البئر العميقة، الخانقة والموحشة، والتي كانوا يُطلقون عليها "عراق صدّام حسين"، ها أنا ذا أستنشق هواء حرّيتي أخيراً.
هكذا عشتُ "صدمة الحرّية" لأول مرّة في حياتي.
فقد كان العراق يتآكل، يتقلّص ويذوي أمام أعيننا، بينما العالم؛ وكانت عمّان جزءاً منه، ينمو، يزدهر ويتجدّد خاصّة إذا ما قورن به: فاكس وستلايت، سيارات حديثة وشوارع أكثر نظافة، و.. صحافة، صحافة ضخمة وكبيرة، صحافة متطورة. ففي الوقت الذي راحت فيه الصحف العراقية الثلاث "الجمهورية والثورة والقادسية" تنكمش يوماً بعد آخر لتصل الى ثماني أو عشر صفحات، وكل صفحة منها أصغر من صينيّة شاي، ولا يمكن لأي عدد من أعدادها أن يكفي لتغطية مائدة طعام لنفرين (ولطالما كانت هذه الوظيفة غير المُعلنة للجرائد في اليوم الذي يعقب صدورها، حتّى إنها توصف ب "البائتة"، كناية عن القديمة او المُعتّقة، وهو الوصف الذي طالما كان حكراً على الأكل، ربما لارتباطها -غير الخفيّ- بفُتات أكلنا وموائدنا!) بينما ما زالت الصحف الأردنيّة تصدر بأحجامها "العملاقة" وبصفحات تتجاوز العشرون صفحة يوميّاً، ناهيك عن الملاحق الاسبوعيّة الى الحدّ الذي يمكن لأي عدد من أعدادها أن يغطي موائد عرس بكامله!
ولشدّة تراجعنا وجدت سيارات "السرفيس" (النقل بالنفرات في عمّان) باتت أحدث بكثير حتى من سيارات كبار الدولة والمسؤولين في العراق؛ وعندما يأتي العراقي قادماً من بغداد أو غيرها من المحافظات ليرسل فاكس لأقارب له عبر الفاكس فانه كثيراً ما يسأل إن كان هذا الفاكس سيصل في نفس اليوم أو بعد أيام، حتى أن عجوز عراقية عُرفت بتهديدها مواطن أردني غثّها في الشارع لسبب ما فصاحت به وكأنها تتغنّى بمجدٍ استعماري غابر وليس بجريمة لم يمضي على اقترافها أكثر من ست سبع سنوات: "باوع احنا احتلينا الكويت ب٦ ساعات، فوالله إذا ما تسكت لنحتلكم بالفاكس!"   
تلبّستني روح "رجب إسماعيل" من رواية "شرق المتوسط" لعبد الرحمن منيف، ورحتُ لمكتب المفوضيّة العامّة للاجئين بالشميساني بوصفي "سجين سياسي سابق"، وصرت أستعيد ما عانيته هناك وأسترجعه لحظة بلحظة على عكس ما اعتدت عليه سابقاً في محاولة مني لتجاوزه، القفز عليه، ونسيانه.
تفرّغت للكتابة والنشر والتسكع مع الأصدقاء (وهل في عمّان غير ذلك؟) ومع الكتابة صرتُ أستبطن ذاتي أكثر فأكثر، وصارت تلك التجارب تطفح أيضاً أكثر فأكثر، وفي ليلة ما لم أنم، وإنما وجدتُ نفسي ممدّداً على فراشي المرصوف على الأرض، ظهري مرخيّ على الحائط، ودفتري على فخذي ورأسي هناك، في سجن الشعبة الخامسة، وأنا أكتب.
كان ذلك قبل خمس سنين عندما ألقي بي في السجن الانفرادي (المحجر)، الذي قضيتُ فيه اثنتي عشر يوماً لأخرج منه مشحوناً بالوساوس.
استغرقتني كتابة تلك اللعنة حتى الفجر، كانت كابوساً حقيقيّاً، كابوس الغوص في أعماقي البعيدة. وكلّما حاولتُ، أثناء كتابتها، بأن أفرد رجليّ أو أسترخي قليلاً وأنا ألتقط أنفاسي بين حدث وآخر، أفاجأ إذ أجد نفسي مطروحاً على الأرض على جنبي متكوّراً كجنين يحاول أن يقلّص وجوده حدّ التلاشي. أما منُقذي الوحيد فقد كان صديقي المُقرّب ظافر يعقوب الذي كان يشاركني الغرفة، في فزّاته العديدة والمفاجئة من النوم، حاكّاً بطنه، زنده أو قفاه لاعناً لسعات قمل الفراش التي لم تكن تستهدف أحداً غيره، ومع كل لسعة كان يهبّ من نومته لاعناً الدنيا والآخرة و "الكتّاب الكبار" الذين يبقون على نور غرفته مشعولاً حتّى الفجر!
نسختُ مسودة القصّة في ظهيرة ذلك اليوم في محلات استنساخ "وسط البلد"، الذي ما أن خرجتُ منه حتى جلستُ على الرصيف، طويت الأوراق ودسستها في ظرف وعنونته الى عبد الهادي سعدون في مدريد بعد أن أضفت لها قُصاصة كتبت عليها ملاحظة كانت تمنعني من التنفس كغصّة في الحلق وكأني أشكو له من اللعنة التي حلّت علي!: "هادي: لقد كتبت هذه القصّة وأنا أشعر بأني أتقلّص كثقبٍ في جدار!"
كانت تلك القصّة هي "محاجر" التي أهديتها (الى سكنة المحاجر المجاورة: أحمد، عروبة، محسن، زينب وشكرية) الذين عاشوا ما عشته، كلّ في محجره.
ألقيت الرسالة في صندوق البريد وصعدتُ "جبل اللويبدة" حيث "دارة الفنون" وحيث بمحض الصدفة وجدت "دارة" أخرى هناك –وأعني الشاعرة السورية "دارة المصري" التي عرّفني عليها ظافر قبل يومين- ولسوء حظّي وجدتها تجلس بمفردها وكأنها تنتظر أحداً. استقبلتني بابتسامة شاعرة ولوّحت لي بيدها أن أجلس فقلت:
"أخاف تنتظرين أحد؟"
"لا"
ردّت مُجاملة:
"كنتُ أنتظرك!"
شكرت آلهة الأقدار الصغيرة وجلست لأقاسمها طاولتها. كُنت مُتعباً أحاول الإمساك بما جرى لي. قلت كمن يشكو همّاً:
"كتبت قصّة ليلة البارحة"
"شايلها معك؟"
سألتني. فأجبتها بهزّة من رأسي. وإذا بها تطلب:
"اقراها لي؟"
همهمتُ ولم أجب. فواصلت:
"يعني بس احنا الشعراء والشاعرات داوشينكم بقصائدنا؟"
وقرأت. كنتُ أسمع ردود فعل دارة على جملة هنا أو وقفة هناك، حتى غصت "أمعاء" القصّة من جديد ونسيت الدارات كلها، نسيتُ عمّان وحتى فنجان القهوة التي لم أعد أذكر متى وضعها محمد المصري أمامي. ولم أتوقف حتى تناهت الى أذني حشرجة من نشيجها.
يا إلهي!
توقفت عن القراءة.
"هذا جلد يا جلال" قالت ضاغطة على "جيم “ها السوريّة التي قلعت قلبي من جذوره فأدخلتني في نفق مظلم وطويل؛ النفق الذي يطلق عليه "تأنيب الضمير"، فهل هو هذا ما نفعله وما يجدر بنا أن نفعله بكتابتنا: أن نحوّل كلماتنا الى سياط نجلد بها القارئ؟
ومنها أعلنتُ التوبة. إذ كانت "محاجر" أول وآخر ما كتبته بهذه القسوة وهذا الأسلوب الذي هجرته تماماً. حتى أن الكاتب العراقي "نصرت مردان" عندما كتب بكرم واصفاً هذه القصّة قائلاً: "هذه ليست قصة؛ هذه معجزة"، ثمّ وهو يسألني: "لمَ لا تكتب بهذا الأسلوب أكثر؟" فأجبته شاكراً: "ربما لكي تبقى (مُعجزة) كما وصفتَها يا عزيزي، فان من أهم صفات المعجزات بأنها لا تتكرّر!"

(٢)

كان نَيل "القبول" على حق اللجوء من مكتب الأمم المتحدة بالنسبة لنا، نحن العالقين في عمّان، شيئاً لا يُعادله إلّا أن يأتيك إسرافيل أو عزرائيل أو أي من الملائكة يفتح أمامك أبواب الجنّة ويمدّ يده نحو الفراغ الذي تركه الباب ويدعوك للدخول قائلاً: تفضل! فحصولك على القبول يعني أن تصبح إقامتك قانونية وغير مُعرّض للتسفير الى بلادك؛ ثانياً أن وجودك في الأردن قد تحوّل من بقاء قد يصبح أبدياً إلى وجود مؤقت، فمن مسؤوليات الأمم المتحدة أن تنقلك الى بلد ثالث. وغير ذلك من تأمين راتب قد يكفي لدفع إيجار غرفة، إلى تأمين صحّي إلى إمكانية دخولك في دورات لتعلّم الإنجليزية والكومبيوتر.
لذلك نزل عليّ نبأ رفض طلبي كالصاعقة، وألقى بي في أعمق قيعان الجحيم. فلم تكن تلك نهاية متوقعة ل "رجب إسماعيل" مثلي!
هوّن عليّ الكثير الكثير من الأصدقاء، واستقر رأي معظمهم –ومنهم "وسام هاشم" مستشاريّ الأعظم في هذا المجال- بأن أستأنف قرار الرفض بأقصى سرعة ممكنة، وأن أعيد صياغة تقديمي للأمم المتحدة من جديد بكوني كاتب قصّة، صحفي وأديب وليس بوصفي سجين سياسي سابق لأن الأمم المتحدة لديها حساسية من هذه الناحية.
هكذا دفنتُ "رجب إسماعيل" الذي فيّ؛ جمعت ملفًاً ضخماً من الصحف والمجلّات التي نشرت لي على مدى عامين في عمّان، وقدّمت طلب الاستئناف ليُحدّد لي موعد مقابلة مصيرية أخرى بعد شهرين.
وفي واحدة من تلك الليالي الحالكة السواد تذكرت تعليق محمد فاضل عندما رويت له نكتة بالغة الخلاعة تلقفتها من أحد السجناء معي، ورغم جسامة النكتة إلا أن محد فاضل لم يضحك عليها واكتفى بأن التفت نحوي وسألني:
"أنت متأكد أنك كنت سجيناً بقضية سياسية مو بقضية دعارة؟"
يبدو أن رأي الأمم المتحدة كان من رأي محمد!

(٣)

في الوقت الذي كانت تصدر فيه بعض الكتب في بغداد، وقد دوّن عليها "طُبعَ هذا الكتاب على نفقة الأستاذ عدي صدام حسين"، وشحّت الكتب وتقلّصت مختلف أشكال المطبوعات، أقدم عبد الهادي سعدون ومحسن الرملي على تأسيس "دار ألواح" في إسبانيا سنة ١٩٩٧، بجهودهما الذاتيّة جدّاً وبإمكاناتهما المحدودة جداً ولكن بعزيمتهما التي لا حدود لها.
وبهذه العزيمة، وبتخطيطات وتصميم خالد كاكي، صدر العدد الأول من المجلّة الفصلية "ألواح"، وقد نُشر على صفحاتها ملفّ عن جيل "التسعينيات العراقي" الذي أطلق عليه عبد الهادي اسم "جيل الخرابات"، وشمل الملف أكثر القصائد جرأة وشاعرية لأصوات شعرية لم تكن تُعاني من حصار واحد وإنما من مجموعة لا متناهية من الحصارات. وقد ساهمتُ بصحبة فرج الحطّاب وجمال علي الحلاّق على جمعها، كما حرّضنا الكثير من المعارف والأصدقاء لإرسال نتاجاتهم للصديقين مباشرة وبلا تردّد.
كذلك بدءاً بإصدار الكتب (من دون الحاجة لكتابة "صدر هذا الكتاب بدعم السعدون والرملي!) حتّى إن الدار أصدرت في السنوات العشر التي نشطت فيها أكثر من ٦٠ كتاباً في الشعر والقصة والرواية لأسماء بدأت ل "محمد الحمراني" وأحمد السعداوي" ولم تنتهِ ب "لطفية الدليمي، حمزة الحسن وعدنان الصائغ".
فما كان منّي، وأنا في عزّ محنتي الوجودية هذه، إلّا أن ألجأ لملاكيّ الحارسين وصديقيّ الدائمين منذ تعارفنا على بعضنا في القسم الإسباني أواخر الثمانينيات، وأطلب منهما نشر مجموعتي القصصيّة الأولى، على الأقلّ لتُكرّس صورتي ككاتب أمام مفوضية اللاجئين في مكتب الأمم المتحدة في عمّان وأمام محققيها الذين لا يثقون بشيء غير الوثائق.
وكانت مصادفة لذيذة أن يأتي محسن الرملي الى عمّان، قادماً في زيارة من مدريد؛ ليُمضي أسبوعاً حافلاً فيها، وقد كانت فرحتي كبيرة وأنا أرى النسخ التي جلبها معه من مجموعتي الأولى التي تصدّرت لوحة غلافها جملة "اليوم الأخير للمطر" وقد صارت عنوان المجموعة التي ستكون عوناً كبيراً لي في مقابلتي والتي وصلتني قبل عشرة أيام من موعدها.
وأذكر بأننا جلسنا بصحبة أصدقاء أردنيين حال وصوله، على شرفة مقهى "بلاط الرشيد" في وسط البلد تلفح أنوفنا رائحة القهوة التي تتطاير في سماء عمّان طوال اليوم وعلى مدى كل الفصول، عندما أحرجني بسؤاله:
"وكيف هي الأردن معك يا جلال؟"
فركزت نظري على الطاولة والأر كيلات والمشاريب وأنا أغامر بالقول:
"رغم أن معظم الأردنيين هارستهم الدنيا مثلنا، إلا أن روح المجاملة لم تفارقهم بعد فلّما تحاول التهوين على أحد قدم لك خدمة ما فتقول له: غلّبناك (أي أتعبناك)، فانه يُسارع لإجابتك قائلاً (لا غلبة ولا خرا يا زلمة!)"
فكركر الجميع بالضحك وقد بدّدوا خوفي من حساسية النكتة، والمدهش أن أصدقاءنا الأردنيون ضحكوا أكثر منّا ومرّت النكتة بسلام!
قضى محسن أسبوع رحلته كجندي يقاتل على أكثر من جبهة، فقد خلّف في عمّان التي سبقني إليها بأعوام الكثير من العلاقات الطيبة والصداقات والارتباطات إلّا اننا تمكنّا من اختلاس ليلتين على الأقل قضيناهما في حوارات طويلة عن القصة والرواية بشكل عام، وعن مخطوطة روايته الأولى "الفتيت المُبعثر" قبل أن ينشرها بأشهر. كذلك اصطدنا منه نهاراً كاملاً إذ فاض علينا كرم "رابطة التشكيليين الأردنيين"، إذ اعتبرونا "أهل الدار" فرتبنا له أمسية قدمه فيها سليمان جوني. 
وجاءت النكتة عندما أوصلته الى مطار عمّان مودّعاً، وما أن انتهى من ختم جوازه وعبر "كاونتر الخلاص" كما كنّا نُسميه يومَ لم يكن يحقّ لنا عبوره بجوازنا العراقي، وأذكر آخر لقطة عندما التفت إلى وعاد خطوات ليقول لي بضحكة مكتومة غصّ بها صدره دون أن تلوّح على فمه وقال:
"جلال.. غلّبناك!"
عندها تلاقت أعيننا وانفجرنا ضاحكين دون حاجة لذكر "الغلبة" أو "الخرا".

(٤)

تمّت مقابلتي بعدها بأيام في المفوضيّة العُليا للاجئين، قدّمت لهم كتابي القصصي الأول "اليوم الأخير للمطر" بصحبة ملفّ ضخم من الوثائق. وجاءني الخبر عبر مكالمة هاتفية أخبرني فيها الموظّف المسؤول بأن أمرّ عليهم صباح اليوم التالي وأن أجلب معي جواز سفري (وهي الإشارة التي لا تخطئ بأن قرار قبولي قد صدر). راجعتُ الموظفة المسؤولة عن إعادة التوطين فسألتني بأريحيّة:
"وين بدّك تسافر جلال؟"
فأجبتها بإنجليزيتي الكسيحة آنذاك:
"الى القمّة To the top"
"بدّك تروح أمريكا يعني؟"
حنيتُ رأسي موافقاً، وبعد أقلّ من شهرين وجدت نفسي أقفز هارباً من "قفص" عمّان لأتيه في غابة جديدة، غابة كبيرة، غابة باتساع الولايات المتحدة الأميركية!
هكذا هاجرت وهاجرت معي قصصي.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية