جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » تقييم


"اثنا عشر كرسيّاً".. رواية سوفيتية من العشرينيات جالت العالم


صادق الطائي
من منا لا يتذكر الرحلة المضنية لحمودي الحارثي الذي يرافقه فيها خليل الرفاعي في السهرة التلفزيونية التي انتجت عام 1971 بعنوان (ست كراسي)، إنه عمل من النوع الذي يبقى في الذاكرة نتيجة طبيعته الكوميدية البسيطة التي يمكن وصفها بالسهل الممتنع، وهنا لابد من الإشارة الى أن أصل العمل رواية  قصيرة كتبت في أوكرانيا إحدى جمهوريات الاتحاد السوفيتي عام 1928.‏ إذاً ماهي قصة الرواية؟ وكيف وصلت لمختلف دول العالم؟
غرابة الرحلة
رحلة ابتدأت برواية صغيرة غير مؤثرة في المشهد الأدبي السوفيتي في عشرينيات القرن الماضي لروائيين غير ‏مشهوريين ‏من أوكرانيا من مدينة أوديسا،هما ايلي ايلف، وهو صحفي وكاتب يهودي حظي بالشهرة بعد ‏نجاح اعماله التي كتبها بالتعاون مع صحفي اخر هو يفغيني بتروف خلال العشرينات والثلاثينات. وأصبح الثنائي يعرف ببساطة باسم (إيلف – بتروف) نتيجة اشتراكهما في كتابة أعمالهما. إذ قاما معاً بنشر روايتين كوميديتين ‏شهيرتين: الأولى عام 1928 بعنوان ‎‏(اثنا عشر كرسيّاً) والثانية عام 1931 بعنوان (‏‎ ‎الخليج الذهبي ‏الصغير)، بالإضافة إلى كتاب ساخرعن أميركا بعنوان (أميركا الذهبية الصغيرة) ‎الذي وثقا فيه  ‏رحلتهما عبر الولايات المتحدة بين عام 1935 و 1936.‏
غاية الرواية التي كتبها صحفيان شيوعيان متحمسان في مطلع الحقبة الستالينية هي السخرية من رموز العهد القيصري البائد بعد ‏الثورة البلشفية إبان تصاعد حمى التزمت العقائدي نهاية العشرينيات، والاستهزاء برموز العهد ‏السابق الذين ظهروا في الرواية بالشخصيات الرئيسة الثلاثة :النبيل السابق، والمحتال المحترف، ورجل الدين، الذين تكالبوا على الحصول على ‏كنز مهرب من تأميمات الثورة، فينتهون بشكل مهين لينتصر المجتمع الجديد وقيمه الثورية في النهاية.
  العمل يحكي قصة الشخصية الرئيسة (كيسا) وهو أرستقراطي سابق من زمن النبلاء، لكنه بعد ثورة اكتوبر وزوال عصر النبلاء بات يعمل كمسجل للزيجات والوفيات في بلدة ريفية في أوكرانيا. تكشف له حماته وهي على فراش موتها أن مجوهرات عائلته كانت قد أخفيت للحيلولة دون مصادرتها من البلاشفة، إذ اخفتها العائلة في أحد الكراسي الإثني عشر الخاصة بغرفة الطعام. لكن أثاث قصر العائلة قد صودرت من الثوريين مع جميع ممتلكات العائلة.
(كيسا) يصر على العثور على كنز عائلته لتبدأ رحلة العناء الكوميدية. فيتعرف على بطل الرواية الثاني المحتال (أوستاب) الذي يجبر (كيسا) على أن يشاركه الكنز في حال عثورهما عليه. لا شك في أن سحر تأثير قدرات (اوستاب) لا يقدر بثمن بالنسبة لـ (كيسا) ذو الطبيعة المتحفظة.
يعلم الثنائي الباحث نتيجة تحرياتهما أن الكراسي سيتم بيعها في مزاد علني في موسكو. لكنهما يفشلان في شرائها نتيجة ارتفاع السعر، وربما لسوء حظهما ونتيجة أرتفاع سعر الكراسي مجتمعة، يتم  بيعها بشكل مفرق، ليقودهم هذا الأمر الى التجوال في جميع أنحاء روسيا في سعيهما للعثور على الكراسي واحداً بعد الآخر، ويمرون في رحلة بحثهم بسلسلة من المغامرات الهزلية. لنكتشف أن الأب (فيدرو) كاهن القرية  كان هو الآخر يعلم بسر كنز العائلة المخبأ في أحد الكراسي نتيجة سماعه اعتراف حماة (كيسا) قبيل وفاتها، لينافسهم في هوس البحث عن الكنز، ويتبعهم بجنون، لكنه وبضربة حظ سيئة، ونتيجة نفاد ماله ييأس من الأمر والنتيجة إنه يفقد عقله.
يكتشفون مواقع الكراسي واحداً بعد الأخر بعد معاناة، ولا يعثرون على الكنز. يكتشف (كيسا)  و (اوستاب) أخيراً موقع الكرسي الأخير. فيقوم (كيسا) بقتل منافسه (اوستاب) ليستحوذ على الكنز لوحده، ولكنه يكتشف إن المجوهرات قد تمّ العثور عليها من الحكومة المحلية وأستخدمت لبناء مركز الترفيه العام الجديد الذي تم العثور على الكرسي الأخير فيه. ليفقد كيسا عقله في نهاية الرواية.

تحليق الرواية في العالم
ألهمت الرواية عشرين تكييفًا في مختلف دول العالم. إذ اعتمدت مصدراً لانتاج أول فيلم تمّ بناءً على الرواية، وهو الفيلم البولندي - التشيكي المشترك الذي أنتج عام 1933 بعنوان (الاثنا عشر كرسيّاً)، وقد تم تغيير الثيمة الأصلية فيه إلى حد كبير، ليصبح هذا الفيلم لاحقاً هو مصدر الاعتماد بالنسبة للاعمال اللاحقة بدلاً من الرواية نفسها، ومن التغيرات على سبيل المثال، تم استبدال شخصية النبيل السابق  بشخصية كوميدية هو شخصية الحلاق التي ظهرت بعد ذلك في العديد من الاعمال المستوحاة من الفيلم.
في بريطانيا، ألهمت الرواية والفيلم التشيكي صناع فيلم (حافظ على مقاعدك، من فضلك) الذي إخرجه مونتي بانكس ‏عام ‏1936‏ في استوديوهات إيلينغ، وكان الفيلم من بطولة جورج فورمبي. لكن الفيلم الانجليزي يحدث ‏تغييراً أخر عندما يحكي قصة البحث عن سبعة كراسي فقط وليس اثنا عشر.‏ بينما في ألمانيا النازية يستلهم المخرج الالماني (E.W. Emo) الرواية السوفيتية عندما يخرج فلمه (ثلاثة عشر مقعداً) عام 1938. ومع ذلك، فإن صناع الفيلم الالماني لم يشيروا الى  مؤلفي الرواية الحقيقيين (ربما بسبب أصول إيلف اليهودية) الفيلم كان من بطولة  Heinz Rühmann, Hans Moser, Annie Rosar.
وفي هوليوود تم تحويل الرواية الى فيلم أول بعنوان (It's in the Bag) عام 1945 من  بطولة فريد ألين، لكن الفيلم استعمل هذه المرّة البحث عن خمسة مقاعد فقط. لكنهم عادوا لانتاج فيلم آخر بعنوان  (‏The Twelve Chairs) عام 1970،تدور أحداث الفيلم‎الثاني  ‎في عشرينيات القرن العشرين،في إحدى قرى روسيا السوفيتية، ويحكي قصة ‏الأرستقراطي الذي أطاحت به الثورة، وكاهن ورجل محتال يبحث عن كنز عائلة الارستقراطي الذي خبأته ‏العائلة داخل أحد كراسي غرفة الطعام المكونة من طاولة واثنا عشر كرسياً‎.‎ لتبدأ رحلة البحث عن الكنز في جو من المفارقات الكوميدية. أخرج الفيلم  ميل بروكس وقام ببطولته النجوم: ميل بروكس، رون مودي، فرانك ‏لانجيلا.‏
في عام 1957، نفذت النسخة البرازيلية من الرواية في فيلم بعنوان (Thirteen Chairs‏ ‏) لعب دور البطولة في الفيلم نجوم الكوميديا  Oscarito و Renata Fronzi و Zé Trindade. في هذه النسخة، الشخصية الرئيسة، التي يلعبها أوسكارينو، يرث قصر عمه، لكنه سرعان ما يصادر نتيجة الديون، ليتركه مع 13 كرسياً فقط، بعد بيعها، يكتشف أن عائلته قد أخفت ثروتها في أحد الكراسي. لتبدأ رحلة  السعي للحصول على الكراسي مرة أخرى.
أما الفيلم الكوبي (‏The Twelve Chairs‏ ‎‏) المنتج عام 1962 فانه يحكي قصة استيلاء الاشتراكيين على ممتلكات عجوز ثرية إبان الثورة الكوبية، تضطر العجوز للتخلي عن ‏جميع ثرواتها وممتلكاتها للحكومة الجديدة، لكنها تخفي كنوزها في أحد الكراسي الـ 12 لمجموعة ‏غرف الطعام. بعد وفاتها، يكتشف ابن أخيها ما فعلته، وبما أن الكراسي”تم تأميمها”وهي الآن في ‏حوزة أكثر من اثني عشر شخصًا مختلفاً، فإنه يبدأ بتعقبها في محاولة للحصول على الكنز الذي يعتقد أنه ‏من حقه. الفيلم من إخراج: توماس جوتيريز أليا ومن بطولة النجوم: إنريكي سانتيستيبان، رينالدو ميرافاليس، رينيه سانشيز.
أما في عالمنا العربي فكانت البداية مع المسلسل السوري حمام الهنا، وهو مسلسل تلفزيوني أنتج عام 1969 يحكي عبر 13 حلقة قصة  حسني البورظان الذي ورث ثروة جده، التي تركها الجد داخل حشوة أحد الكراسي. ولكن غوار كان قد وزَّع تلك الكراسي، فباع منها ما باع، وأهدى منها ما أهدى، دون أن يعرف السرّ. عندما يعرف غوار وحسني وأبو صياح بالحكاية، تبدأ مفارقات المسلسل الكوميدية  لتصور رحلة البحث عن الكراسي واحداً تلو الآخر، ومحاولات استعادتها، في سبيل الوصول إلى الثروة التي تركها الجد. المسلسل كان من بطولة دريد لحام، ونهاد قلعي و رفيق السبيـعي. ومن ﺇﺧﺮاﺝ: المخرج العراقي فيصل الياسري المفارقة ان تايتل المسلسل يشير الى انه من ﺗﺄﻟﻴﻒ نهاد قلعي.
اما في العراق فقد تمّ انتاج السهرة الدرامية تلفزيونية التي أشرنا لها وهي بعنوان (ست كراسي) عام  1971، وقد أخرجها محمد يوسف الجنابي، وكتبها كما ورد في تايتل العمل ‏بالاعتماد على الفيلم الاميركي (اثنا عشر كرسياً المنتج عام 1970) الفنان حمودي الحارثي الذي قام ببطولتها مع ‏خليل الرفاعي وصادق علي شاهين وفاضل خليل.
لتعود الرواية أخيراً الى منطلقها في الفيلم السوفيتي (Twelve Chairs) الذي أنتج عام 1971،الفيلم إلتزم بتفاصيل الرواية المستند عليها في كل تفاصيله، وقام باخراجه  ليونيد جايداي وقام ببطولته النجوم: أرخيل جوميوشفيلي، سيرغي فيليبوف، ميخائيل بوجوفكين.
المفارقة في هذه الرحلة إننا لاحظنا أن استثمارات الرواية ومنذ الفيلم  التشيكي - ‏البولندي قد تمّ إفراغها من جانبها الايديولوجي لتصبح رواية ‏كوميدية قائمة على مجموعة ‏مفارقات مضحكة فقط، لكن تبقى المفارقة المدهشة هي استلهام العمل في ‏أعمال سينما وتلفزيون في ‏مختلف دول العالم وتحت مختلف توجهات الأنظمة في تلك البلدان.‏



المشاركة السابقة