جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » انثويات


الجسد الأنثوي المتخيل


ناجح المعموري
الفردوس الأرضي الذي تدعو إليه ما بعد الحداثة، هو البدء الأول. لكنه فاقد للحدود كما قال عالم النفس الأميركي. لكنه ــ الفردوس ــ يظل حاملاً بذور خرابه المستمر، وفقدان نظام الاستقرار والثبات الجمالي الموفر مجالاً أو فرصاً عديدة للتكاثر والتنوع، كي تتحول الحياة الى فراديس، تكون الأنثى هي الجمال السائد فيها والحاضر دوماً.
الوشم كتابة، مدونات خاصة لكل جماعة من الجماعات وعودة لبحث للفنان ضياء العزاوي، سنجد ما يؤكد ملاحظتنا حيث تختلف السريات الوشومية من منطقة الى أخرى وخصوصاً المتباينة طبوغرافياً وطائفياً. فالمناطق الجبلية لها وشوم مختلفة ذات زرقة طاغية وعريضة، تتخذ من لوحة مساحة أوسع ومكشوفة أو هكذا التباين مع المناطق الأخرى. بمعنى إنها سرديات خاصة ذات رموز فنية، مرتبطة بتصورات النسوة للجمال. الموزع على الجسد مدونات غير قابلة للمحو. لكن لابد من الإشارة الى الوشم كتابة تمارس تغيراً ولا يستجيب للثبات الصلب حسب مقترح جاك دريدا، لكنه يتبدل بهدوء تام على أجزاء جسد الأنثى. الأطراف الوجه / الرقبة، الصدر، الأطراف السفلى البطن، الظهر. هذا كاف لتأشير صفته الجمالية بمدونات مثيرة، اغرائية، محفزة للطاقة الذكورية والوشم أيضاً. هو سرديات انثوية، حاول الذكور مزاحمتها وحيازتها، لكنها حازت وظائف مختلفة عن وظائف الأنثى، فالوشم الذكوري شيطاني، تدميري، لبث رسائل تثير المخاوف من الرجل. واحتمال ارتكاب الجريمة أو القتل.
للوشم الأنثوي سرديات لها وظائف مقترنة بالجمال. وفيه تمثيلات فنية متسامية جداً. هن وشوم الرجال. اعتقد بأهمية العودة لدراسة الفنون الشعبية وضرورة منحها حياة جديدة، مغايرة، خصوصاً تلك المرتبطة بالأنثى، والمكونة عنصراً من مكونات جسدها الأنثوي. أو مرتبطة مع المكان، الذي تكون فيه غرفة وجدراناً حاملة خرائط ألألوان، تمنح الجسد الأنثوي حضوراً متوتراً، ومشحوناً بالرغبة والاستدعاء. لذا لا يمكن قراءة سرديات الوشم الانثوي، وسط فضاء بعيد عن الحضور، بل يتمتع بهيمنة قوية، جاذبة للأخر مثير، لدرجة تصل أحياناً لما هو مدهش للغاية ويتحول الذكر الى طاقة متفجرة، ومدمرة أحيانا، فيندفع استجابة للإغواء وكأنه يستعيد لحظة الفردوس الأول.
تعني حضارة الذاكرة كثيراً من المجالات الثقافية والاجتماعية والفنية. وتحقق تحولات واضحة في مزاولات الكائن اليومية، والتي هي ليست خاصة بالفرد الواحد، بل جمعية لكنها خاضعة للتحول والمغايرة، لأنها تستجيب للسيرورة وأنا اعتقد بأن سرديات الوشم ذاكرة، بمعنى مكون لجزء من فضاء الحضارة الباقية منذ البدء ومستمرة بالتواجد كحاضر أزلي. وهذا ينسحب على الوشم كسرديات. وأنا أتعامل مع سرديات الوشم باعتبارها ماض مستمر ويحوز صفة الحاضر ويتحرك نحو المستقبل. بمعنى إنها تاريخ ولا نستطيع تجاهل هذا المجال، لأنه أيضاً ذاكرة، والذاكرة، أنا، الذات، الهوية، من هنا، تعبير سرديات الوشم عنصر جوهري من المكونات الهوياتية الخاصة بالقوميات والأقليات والطوائف ومثلما سابقاً بأنها كتابة صامتة، ثابتة، صلبة لأن الوشوم مميزات فيها تمثيل حقيقي وحي لتلك الطوائف والجماعات. التي ابتكرتها الآلهة الأمّ الكبرى في الحضارات الشرقية القديمة ومثال ذلك رموز البراعة على النظام الأمومي في الدين السومري وظلت تلك الرموز باقية وحاضرة بعد انهيار سلطة الالهة الام الثقافية الفنية والدينية، لكنها ووسط فضاء السلطة البطرياركية حصل لضرورات سيادة نظام جديد أن تحافظ على الرموز ذاتها، لكنها تمنحها دلالة ذكورية ومثال ذلك الحية، هي رمز أمومي، دال على الانبعاث والخصوبة وبعد التحول تغيرت الدلالة الى رمز قضيبي.
وأضاف حسن سليمان الى أن ارتباط الإنسان القديم في المنطقة بالحياة قوياً عن طريق فنونه التي تزين كل شيء، وتكمن قيمة المعنوية في حياته. وعلى الرغم من أهمية أراء الفنان حسن سلمان وثقافته الموسوعية يلتقط القارئ شحطات ليست دقيقة مثال : كثير من الأشكال التقليدية تصبح بعد كثرة الاستعمال كالعيارات الانشائية التي يستخدمها صبته المدارس كتاباتهم.... وتصبح كلشيهات. هذا رأي غير سليم. وعبر هذه الملاحظات التي اخذت مساحة واسعة اعتقد بأن سرديات الوشم المصاغة من رموز واشكال هندسية لن تعيش طويلاً الآن لأن العناصر المكونة لها اختلفت وظائفها عن التي سادت في القرن التاسع عشر والعشرين وأعني بذلك الوظيفة الجمالية والمحفزة للرجل لاتخاذ قرار بالذهاب نحو الأنثى التي استثارته بالوشم الظاهر على وجهها الأكثر حضوراً وإعلاناً عن جمال الأنثى، لأنه يمثل سيادة الانثى عبر رأيها واعتقد بأن سردية الوشم المركزة كما قلت قادرة على حسم موقفنا تجاه الانثى وكيفية التعامل مع مفهوم الجمال بشكل عام.
دائما ما يكون النص الوشمي، تصيراً، مركزاً، بإمكان القارئ له ان يتوصل الى معلومات لها علاقة بنمط الحياة والفنون الموجودة فيها او تلك الأخرى الموروثة والفنون الشعبية ومغذية من خلال رموزها وعلاماتها التاريخية ذات الاصول العميقة والعودة للفنون الشعبية سنواجه عنصر التماثل في مكونات الفنون الموروثة وسرديات الوشم وحصراً في اختيار الرموز والاشكال، كل رمز لا يمكن له البقاء الا بمساعدتنا فنحن نمد له العون ونهبه القدرة على البقاء كما نملك قدرة دفنه والقضاء عليه ــ من الرموز القديمة تموت كشيء له تأثير ومدلول، وتبقى فقط كأشكال فنية تملك كما لها من الناحية الجمالية، تبقى منتظرة إحياء جديراً لها بصورة أخرى كما قال الناقد الفني حسن سليمان.
أنا اعتقد بأن الرسوم المكونة لسرديات الوشم لا تعيش طويلاً، مثلما المماثل لها والموجود في المتداولات الفنية، المتمظهرة على السجاد والحياكة والأزياء، لأن الظهور أمام العيان يمنحها فرصة للبقاء اكثر ومثلما قال حسن سليمان الكائن هو المانح للرمز حياته وطاقته المتحركة والخاضعة للسيرورة. لكني مع الرأي الذي يذهب الى أن الرمز / الإشارة / العلامة، لن تتعطل نهائياً، بل تظل ساكنة بهدوء، وبانتظار، لحظة الاستيقاظ لتعاود حياتها مرة أخرى، لأن الرمز نتاج للمتخيلات التي صاغت ذاكرة الجماعة عبر الرموز ودفعت بها للتداول والاعتماد عليها واخضاعها لضرورات المقدس الفاعل الاجتماعي والمحرك لها، ليمنحها حياة جديدة.
وذهب الناقد الفني حسن سليمان الى القول بموت الرموز الذي تقلصت مساحة تداولها... هذا رأي بحاجة الى إثبات سوسيو ثقافي وفني وهذا أمر تدحضه الرموز. واستطيع القول بأن الوشم في عتبة البدئية من الفنون التي ابتكرتها الأمّ الكبرى وميّزت فضاءها الثقافي والفني واعتقد بأن سيادته ــ الوشم ــ احد اهم المحفزات الضرورية لتفعيل الجنس المقدس بتأثيرات الزواج الإلهي، وقد لعبت الآلهة الانثوية دوراً لم تستطع عليه التحولات اللاحقة، لأنه ــ الوشم ــ ابتكره المجال الحيوي للأنثى وتحولت الى ظاهرة فرضتها حضارات متجاوراً متعددة منذ أزمنة سحيقة، نمت وازدهرت في تلك المنطقة، وكان لها على مذاقنا وتفكيرنا الشيء الكثير / حسن سليمان / كتابات في الفن الشعبي / المصري العامة للكتاب / بوصفها تمثيلاً فنياً جديداً اختار جسد الانثى بدلاً عن الفخار والرقم الطينية. لعبت ما بعد الحداثة دوراً بارزاً في إفساد جماليات الوشم وتفكيك التاتو الآن. ولابد من الإشارة الى أن الوشمات ومروياتها مقروءة ومفهومة بالكامل، لأن الوحدات المكونة للمدونة الوشمية متوارثة وما يتعامل معه الناظر هو الجمالي بمعزل عن دلالة ما تعنيه دلالة كل إشارة أو علامة أو رمز.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية