جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » نصوص


الهامش.......


محمد الكريم
قال لي صديقي: لِمَ لم تكتبْ عن الهوامش وأنا على يقين بأنها تفجّر فيك ألف سؤال.
أخذتُ تساؤله على محمل الجد وقد شغلتْ الهوامش تفكيري منذ زمن، سبق وأن كتبتُ عن شخصية هامشية باعتبارها متناً في الحياة، هكذا أراه. على الرغم من كوني أبرزت السخرية بكل تجلياتها. فقد لاقى هذا النوع من الكتابة شيئاً من الرفض.. سأحاولُ أن أجمّل الصورة وازيح الغبار عنها، باعتبار الحياة حقل تجارب،
وبوصفي كاتب مغرم بكل شيء يثير الاشمئزاز والقرف، والسؤال من أجل أن يترك القارئ سؤالاً عن سبب كتابتي عن هوامش لا تعني شيئاً للقراء غير المعنيين بالتفاصيل، القراء الذين يبحثون عن وصفات جاهزة للثقافة، كبسولة الثقافة، أجدها من الصعوبة أن تُصنع. ويصعب أيضاً ان يصفها طبيب ما..
مما احتفظ به في ذاكرتي عن قارئ سألني عن وصفة تجعله مثقفاً ويشار له بالبنان، كان جوابي مجحفاً، ساخراً جداً، شعرت بالندم بعدها، يا ليتني لم أقل له « كُلْ ذباباً حياً وتصفح كتاب الأبراج"هنا كانت نقطة تحولي ورشدي ليس بعد الجواب بل لحظتها، وقبل الندم.
هذه رسالة وصلتني
حقيقة مثقف أكل الذباب:
"كنت افكر أن أكون مثقفاً في ليلة وضحاها وذا شأن وأغيّر من تفكيري على أن تكون الثقافة ظاهرة على شكلي ولساني أيضاً، أتحدث مثل المثقفين البارعين عن النظريات والطروحات الفلسفية واحرك يدي بإيماءات يفهمها المتطلع في علم النفس، دخلت الى كشك لبيع الكتب والمجلات العلمية والادبية والثقافية والابراج، فكانت رسمة كاريكاتيرية تتصدر غلاف مجلة الثقافة الجديدة لرسام لا اتذكر أسمه، رجل ذو شارب كث وفم ضاحك يضع يديه في جيبي بنطاله العريض وثمة جملة مكتوبة تشير اليه بخط يد متعرج: « خلطة سحرية للثقافة: كل ذبابا حيا واقرأ كتاب الابراج"فجربتها وصرت اتحدث مثلهم حين يجلسون في المقاهي الشعبية ويسطرون مصطلحات ليس في محلها.. انا مثقف وهذه تجربتي في الثقافة."
إذن أنا تذكّرت الرسالة ونصحت صديقي..
**
عودة لصديقي الذي نصحني للكتابة عن الهوامش
أرسلت له ما تقدم على أمل أن نلتقي ونتحدث عما كتبته وما سأكتبه بعد أن نجري حوارنا مساء غد.
في الموعد ذاته، التقينا في مقهى سامر الذي اعتدنا ان نرتديه، مساء كل يوم جمعة في أيام الصيف الحار، لما يوفره صاحب المقهى من خدمة جيدة وهو ذكي يعرف كيف يكسب زبائنه، فقد صمم المقهى بطريقة ساحرة، يتوسطه شلال اصطناعي تحيطه مروحات تدفع الهواء على الموائد المنتشرة في المقهى المفضي الى السماء.
جاءنا النادل حال جلوسنا ونحن لما نزل نتبادل السؤال عن معاناتنا مع الحر. طلبنا شاياً على الرغم من سخونة الطقس. وتدحرج الحديث شيئاً فشيئاً حتى وصلنا الى النقطة التي التقينا من أجلها ففاجأني صديقي بسؤال لم أضعه في الحسبان:
- هل الثقافة هامش؟
لزمت الصمت لثوان معدودات وارتشفت شايي باحثاً عن تبرير جعلني أضع الثقافة هامشاً لا متناً. وأنا متأكد أن إجابتي لم تقنعه وأنا أيضاً غير مقتنع مما أقوله
« أصبحت الثقافة هامشاً، بفعل التغيرات التي طرأت على المجتمع الذي يعاني من أزمات نفسية واقتصادية وثقافية ومعيشية وسكنية، وهو لم يجد لقمة عيشه إذا ما نفع أن يقرأ لماركيز أو غيره من مجالات الثقافة؟، الإنسان يقضي وقته بالتفكير عن طريقة ناجحة تخلصه من الذباب من دون أن يصرف المال، لخلق بيئة - يقنع نفسه نظيفة-....». لزم صمته، وارتشف ما تبقى في الاستكان واشعل سيجارة جديدة وتركني وحدي أتمنطق.



المشاركة السابقة