جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » جماليات


رسائل فان كوخ - الرسالة الثامنة عشرة


ترجمة: ستار كاووش
هوخفين ١٤ تشرين الأول ١٨٨٣
تَيّو العزيز
وصلتُ منذ بضعة أيام الـى هوخفين*، وقد تجولت كثيراً وبإتجاهات مختلفة لإستطلاع المنطقة، لذا يمكنني تقاسم الكثير من التفاصيل معك حول هذا الجانب البعيد في مقاطعة درينته. أرسل لك هنا أول تخطيط رسمته لأحد الأكواخ القديمة الذي يقبع وسط الطبيعة. لقد شاهدت حتى هذه اللحظة ستة أكواخ من هذا النوع،
وتفحصتها من الداخل والخارج، إنها مبنية من القش والقصب وسيقان بعض الأشجار، تبدو وكأنها تغوص في الأرض لأن حافات سقوفها تنحدر لتلامس العشب مثل رداء كاهن كنيستنا القديمة. سأرسم بعض منها في أعمال قادمة بكل تأكيد. عندما أتأملها عند مغيب الشمس من الخارج تعيدني بطريقة لا تقبل الشك لأعمال جوليس دوبريه* التي شاهدتها ضمن مجموعة مسداخ*، لا يمكنني أن اخطـئ ذلك أبداً، وخاصة لوحته التي يظهر فيها كوخان غارقان في التدرجات الرمادية للخلفية، وغائبان وسط نعاس القرية الكسولة، لا يتبين منهما سوى الطحالب التي تسلقت السقوف بحذر. ألقيتُ نظرة على داخل دواخل الأكواخ، فبدت مظلمة مثل الكهوف، ياله من ظلام جميل وعميق، لقد أعادتني هذه العتمة الـى رسام بريطاني ايرلندي، وكأن المشهد الذي أمامي هو نسخة من اعماله، وأقصد هنا الفنان البرت نيوهاوس*، لكن رغم ذلك أرى أن أعماله فيها شاعرية أكثر، وتتفوق بذلك على الطبيعة.
شاهدتُ بضعة أشخاص في الخارج، إنهم ودودون رغم ما يظهر عليهم من عوز وفاقة. ونساء بصدور بارزة يتقدمن في سيرهن بعناد وترفع، ألتفتُ الى العجائز، فأرى كيف أن الفتوّة ذبلت وإختفى بريقها، لكن رغم ذلك فـأن هولاء العجائز مازال لديهن الكثير من التأثير وَينلنَ قسطاً وافراً من الاحترام والتقدير هنا، وهذه التفاصيل تعديني أيضاً الى تفاصيل ومناخات ميليه. الرجال هنا يرتدون -لحسن الحظ- بناطيل قصيرة، وذلك يمنحني القدرة علـى رؤية حركة السيقان والعظلات وأتجاهات الخطوط التي تكون هيئة الأرجل.
من التفاصيل التي أثارت أعجابي وحركت مشاعري هنا، هي كيف يقوم الناس بسحب المراكب من على ضفاف القنوات والأنهر الصغيرة، حيث يشترك الرجال والنساء والأطفال في ذلك، وتساعدهم في هذه المهمة خيول سوداء أو بيضاء. يجرّون المراكب المحملة بالخث، كما يفعل الهولنديون* في رايسفايك. أرى أيضاً قطعان الخراف وهي تلتف  وتتجمع بحنو حول بعضها، فتبدو أكثر تأثيراً وغنى وجاذبية من التي عندنا في براباند*. أما الأفران، فتظهر موزعة وهي تستظل بجانب أشجار التفاح أو بين نباتات الكرفس والكرنب. بينما أخذت خلايا انتاج العسل أماكنها علـى حافات الحقول. رغم ذلك أنظر الـى الاشخاص الذين يصادفونني هنا وهناك فأراهم يفتقدون الـى الوضع الصحي الجيد، وذلك بسبب قسوة الحياة هنا والظروف المعيشية، وكذلك مياه الشرب الملوثة. تصادفني أحياناً فتيات بعمر السابعة عشرة أو أصغر قليلاً، كلهن حيوية ونضارة وجاذبية، لكنهن -حسب مارأيت عند الأخريات- يكبرن بسرعة وتظهر عليهن بصمات الزمن. أرى السنوات تمشي على الوجوه التي ذبلت مثل زهور مهملة.
في القرية أربع أو خمس قنوات مائية. واحدة تذهب الى ميبل وأخرى الى ديدمسفارت، والثالثة نحو كوفوردن والرابعة بإتجاه هولاندسفيلد. حين شققتُ طريقي وسط القنوات، لاحت لي على الضفاف بضع طواحين قديمة جداً مثل شيوخ معمرين، ومزارع إحتلت مساحات واسعة، وكذلك مراسي للقوارب ونواصي لتحميل الخث، وسدود صغيرة لحجز مياه القنوات. وبين كل ذلك تتحرك المراكب المحملة بالخث طول الوقت، مراكب تكاد حركتها لا تتوقف، وهي تعطي حياة لكل شيء هنا، نعم... الحياة هنا عبارة عن مراكب للخث.
أثناء إنغماسي بالرسم  هذه الظهيرة، جاء خروفان وعنزة وبدأوا بإلتهام الاعشاب التي نمت على سطح الكوخ. صرت أرسم تارة وانظر الى هذه الحفلة الجماعية تارة اخرى، بعد قليل صعدت العنزة الى أعلى نقطة في السطح، وَمَدَّتْ رأسها في المدخنة وهي تتفحص ما بداخل الكوخ، وهنا هرعت صاحبة المزرعة العجوز مسرعة وهي تحمل مكنستها بإتجاه الحيوانات الشقية، لتقفز العنزة من الأعلى مثل ظبي الجبال، ويفر الثلاثة بعيداً عن متناول المرأة الغاضبة.
هذه الضيعة التي قضيت فيها بعض الوقت يطلقون عليها اسم ستوفسانت وبجانبها ضيعة أخرى زرتها أيضاً إسمها الخروف الاسود. وقد زرت مناطق أخرى على الأطراف، أماكن لم يطلها التغيير منذ أوقات بعيدة، إنها أكثر بدائية من هوخفين التي تحتوي على وسائل المعيشة والحياة رغم كل الظروف.
هنا في هذا المكان البعيد المنعزل، فكرت كثيراً بصديقتي القديمة وطفلها. هل كانت مذنبة في ما حدث؟ وما يمر به الطفل، هل كان بسببها؟ لا أظن ذلك، فهي تعيسة اكثر منها مذنبة. وقد أحسستُ بشخصيتها غريبة الأطوار منذ البداية، ومع ذلك كنت أأمل أن تسير الأمور على ما يرام. والآن لا أرغب في رؤيتها مرة أخرى، لقد افترقنا بعد أن ساءت الأمور كثيراً. ما يؤلمني هو أنني لم يكن في وسعي تغييرها نحو الأفضل، ولم أملك الطاقة لذلك.
تيو، حين أتذكرها والطفل بين يديها أو أثناء إنشغالها برضاعته، تدمع عيني، أراها هنا في كل لحظة، واتخيلها بين هؤلاء الناس المتعبين، مازلتُ أشعر بضعفها وعدم حيلتها وفوضويتها. أعرف أن جوانب كثيرة سيئة تحملها، وما قُمتُ به كان خياراً صحيحاً. نعم لقد تركتها، وكان هذا هو الخيار الأفضل. فمن المحال جلبها الى هنا، رغم أن قلبي الضعيف لا يتحمل رؤية انسان بائس وشقي. وهنا سيكون الخيار الأفضل لي هو العمل والانغماس بالرسم، عسـى أن لا يقف سوء الحظ كالعادة في طريقي.
إبق على ثقتك بي،
أنتظر كتابتك بشغف.
إخوك المحب
فنسنت

هوامش المترجم:

* هوخفين: مدينة هولندية صغيرة تقع في مقاطعة درينتة قرب الحدود الألمانية. وقد عشتُ في هذه المدينة قرابة عشر سنوات، وفيها درست اللغة الهولندية، في درينته كولج. وفي طريقي الى مدرسة اللغة كنت أمرُّ كل يوم بمحاذاة البيت الذي عاش فيه فنسنت فان غوخ، وأُحيي تمثاله قائلاً (صباح الخير فنسنت). وفي سنة ٢٠٠٦ أقمت معرضاً شخصياً في ذات البيت، وكان عنوان المعرض (تحية الـي فنسنت).
* جوليس دوبريه: ١٨١١-١٨٨٩ فنان طبيعة فرنسي ينتمي الى مدرسة الباربيزون. تبدو في أعماله مسحة درامية عالية، حيث رسم العديد من اللوحات التي تظهر فيها العواصف وحركة الأشجار المتأرجحة بفعل الرياح.
* مسداخ: ١٨٣١-١٩١٥ رسام هولندي إشتهر برسم المناظر البحرية. أشهر أعماله (بانوراما مسداخ) التي تعتبر أكبر لوحة في تاريخ هولندا ولها متحف خاص بذات الاسم في مدينة لاهاي. كان مسداخ يهتم أيضاً بجمع الاعمال الفنية.
* البرت نيوهاوس: رسام هولندي، بدأ حياته بـأعمال الطباعة، ثم تحول الى الرسم، تأثر بمدرسة لاهاي وألوانها القاتمة. وقد اهتم برسم الطبيعة وكذلك الاشخاص في غرف كئيبة.
* الهولنديون: يذكر فنسنت هذا التعبير رغم كونه في هولندا أيضاً، وذلك لأن تعبير هولندا أو الهولنديون يشمل رسمياً الجزء الغربي من البلد، والذي يقع بين امستردام وروتردام مروراً بلاهاي، حيث تقع مقاطعتين هما شمال هولندا وجنوب هولندا. أما البلد بشكل عام والمتعارف على تسميته في العالم (هولندا) فأسمه الصحيح هو نيدرلاند أو نيذرلاند.
* براباند: مقاطعة هولندية في الجنوب حيث ولد ونشأ فنسنت فان غوخ.



المشاركة السابقة