جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » زمان ومكان


القاهرة بعيون عراقية


ملهم الملائكة
طرتُ إلى القاهرة وبي شوق لمعرفة إن كانت مصر ما زالت”أم الدنيا"، وسكنتُ قلب المدينة، فكان كل ما صادفته مفاجأة. المصريون شعب صديق ودود مجامل، وفي المدينة، التي يُقال أنّ عديدها يتجاوز 20 مليون نسمة، لا ينقطع التيار الكهربائي دقيقة واحدة، وربما يوجد بها ألف محطة للزيارة.
المطار يحكي قصة بلد متحضّر

مطار القاهرة كما رأيته، مرتّب نظيف وكل شيء فيه تقريباً يضاهي المطارات الدولية. السيارات الكهربائية تعرض خدماتها للمحتاجين مجاناً، والممر السيار يتلقاك في كل مكان ويخفف عنك عبء السير، وحين تسأل يجيبك الجميع بلا أطماع. لم يحاول أحد العاملين أن يرتشي بافتعال مشكلة تعيق حصولي على تأشيرة الدخول والإقامة كما هو الحال في مطارات دول عدة، والعمل يجري في كل مكان على قدم وساق. القصة كما تراها بعينك غير القصة الشائعة دولياً. 
الناس يجيبون عن أسئلتي بلا تردد، وأوصلوني بلا تعب إلى فندق في قلب القاهرة، حال أن وضعت قدمي على الرصيف تناهي إلى سمعي من محل قريب صوت صارخ من ماضٍ ملون”رميت الورد طفيت الشمع يا حبيبي"، عبد الحليم في كل مكان، وحالما عبرت عتبة الفندق صافحني نور كوكب الشرق وهي تشدو”ياما هانت لك وكانت كل مــره....تمحي كلمة من أماني فيك وصبـــري".  كل هذا ينقلني بعيداً عن توتر العصر الرقمي، ولكنه يعني فيما يعني إدانة لجديد الفن المصري الذي لم يستطع أن ينزع من قلوب الناس الفن العتيق.
المتحف الفرعوني لن تكشف عن كنوزه زيارة واحدة
في اليوم التالي زرت المتحف الفرعوني المصري، وهو متحف خالص لآثار الفراعنة لم يخلطوا به تاريخ مصر القبطية ولا الإسلامية ولا الفاطمية ولا القومية. هالني كمَّ الآثار المحافظ على نفسه، ومدى احترام المصريين لتاريخهم وكنوزهم، رغم قصص فاجعة يتداولها الناس في كل مكان عن عصابات تهريب الآثار. على الباب لافتة تعلن:”تذكرة الدخول للمصريين والعرب 10 جنيهات، وللكاميرا 20 جنيهاً، وللأجانب 240 جنيهاً”!! هكذا يحفظون الحب لأهل بلدهم وللعرب، ظننت أنّ عصر القومية قد فاتنا، لكنّ مصر ما برحت تحتفظ بالحب للعرب وتميّزهم.
في الليل قمنا برحلة نهرية بسفينة من خمسة طوابق في النيل. أغرب ما في الحفل أنّ عُشر المدعوات كنّ يرتدين النقاب، وما إن ظهرت الراقصة الشرقية نصف العارية وهي تتلوى على أصوات الموسيقى والطبول والدفوف على ظهر السفينة، حتى تدفقت نحوها المنقبات وهن يصورنها فيدوياً، وعند انتهاء وصلتها حرصن على التقاط صور تذكارية معها، إنه حقاً الجانب الآخر من حياة المصريين. بعد الحادية عشرة، صعد الجميع إلى سطح المركب، فانطلقت خارج الحفل وبلا موسيقى إحدى المدعوات بالغناء، وحشد من المحجبات يرددن وراءها مقاطع من أغاني أم كلثوم. كانت سيدة في منتصف الثلاثينيات، وتتجرع بين الأغنيات كأساً من قنينة فودكا غورباتشوف توسطت الجمع الطروب. وفي رحلة عودة المركب، رددت المغنية الجميلة النشوانة غير المحترفة بصوت رائع أغنية عراقية جميلة لم أسمع بها، فكشفت أنّها قد تكون عراقية وكانت تلك مفاجأة.

الأهرام وخدمات الخيل والابل
في اليوم التالي، كشفت أهرام مصر لي كم يعشق المصريون تاريخهم، فقد تلقفتني في البداية مدينة المنصورية التي نمت حول الأهرام، من مدينة عشوائيات متناثرة لمربي الخيول والجمال، لتصبح مدينة مليونية مكتفية في كل شيء، وفيها يسكن أغلب العاملين بمنطقة الأهرام. ومرة أخرى تلقتني تذاكر خاصة للمصريين والعرب، وأخرى للأجانب والفرق بين قيمتها يصل إلى عشرات الأضعاف. أسعار التذاكر وأوضاع الناس داخل مساحة الأهرام كشفت أيضاً عن حجم الفقر في هذا البلد، حيث يطارد الزائر رجال وفتيان يركبون الإبل والخيل، ويعرضون عليه خدماتهم إلى حدّ أن يقرفونه، ويكرّهونه بالزيارة كلها. أما المدارس فتأخذ التلاميذ في رحلات إلى الاهرام (الواقعة في ضاحية من ضواحي القاهرة)، وقد انهمك هؤلاء في الغناء والرقص مبتهجين بمعرفة جدودهم الأقدمين، وبينها يترنمون بأغنية عبد الحليم الطلابية الشهيرة”وحياة قلبي وأفراحه". وما برحوا يسألونني”فوتو مستر، بكتشر مستر"، فأجيبهم”انتم فاكريني خواجه ليه؟”وأضحك فيضحكون. المصريون لا يتعمدون الإساءة قط، على الأقل هذا انطباعي السريع عنهم.

مقاهي الرصيف على الطريقة الإيطالية
غروب ذاك اليوم، جلست في مقهى أم كلثوم، على سلسة أرصفة تحتل منطقة العتبة، وتذكرت بوجعٍ مضنٍ أيام كانت المقاهي والكازينوهات تغطي كل المساحة من جسر الجمهورية إلى الجسر المعلق على امتداد حدائق أبو نؤاس في بغداد، وكيف تحولت بالتدريج إلى خرائب تأوي العصابات.
أغرب شيء في كازينو أم كلثوم في ذاك الغروب أنه لا يقدم أغاني أم كلثوم، بل أغانٍ أخرى! وما لبثت أن عبرت أمام المشهد المكتظ بالناس 3 مراهقات إحداهن بحجاب، الأخريان بغير حجاب بيدهن دفوف ويعزفن ويغنين وسط الشارع. وهو مشهد لا يراه الناس في العالم العربي هذه الأيام.
ثم تنبّهت إلى شابة جميلة جالسة في مقهى على الرصيف المقابل أمام سينما”كايرو”وبيدها هاتفها الذكي، تكلم به صديقها على سناب تشات كما يبدو وهي تغني وترقص له، وتمسد على شعرها الأشقر المسترسل على جبينها، والأغرب أنّ أحداً لم يلتفت إليها ولم يزعج خلوتها.
وما زالت دور العرض السينمائية عاملة، وتعرض أفلاماً مصرية وعالمية. كما إنّ دور المسرح ما زالت كثيرة قوية وتستقطب جمهوراً واسعاً. والملفت للنظر أنّ جمهور المسرح ما زال يحافظ على تقاليد زيارة المسرح بأناقة الملبس وآداب الحضور الصامت أثناء العرض مراعاة لمشاعر المتابعين للمسرحية. أما مكتبات المدينة، ففي  مدار ميدان طلعت حرب تنتصب مكتبة مدبولي الشهيرة، وقد زرتها والتقطت صوراً فيها وهي التي عاصرت الثقافة العربية منذ قرن. القاهرة لا تنام باكراً قط، ففي الليل وحتى الثانية عشرة بوسع المرء أن يجد أماكن للأكل ومقاهٍ بل وحتى مكتبات، حتى أنّ مكتبة الشروق الشهيرة تبقى فاتحة أبوابها حتى الحادية عشرة ليلاً.
مراقد ومساجد وكنائس ومعابد
وسرعان ما يتعلم الزائر أنّ العبادة لدى المصريين، عادة وتقليد، وهي جزء مهم في حياتهم بشكل مطلق، لكنها لا تلغي قط هذه الحياة، وهذا ما تكشّف لي عند زيارة المساجد المصرية، ففي مرقد الإمام الحسين لم أجد أيّ شيعي (عرفت ذلك من أوضاع المصلين)، ولم أجد كتاب زيارة ودعاء كما في مرقد الضريح بكربلاء، بل وجدت مصاحف فحسب. زوار المسجد تحلّقوا حول الضريح وهم يرددون دعاء يشبه أناشيد المولد النبوي في العراق.
قبالة مرقد ومسجد الإمام الحسين، يقع المسجد الأزهر الشهير الكبير، وأغرب ما لفت نظري فيه هو عدم وجود خدمة استلام أحذية عند مدخله، وزوار المسجد الشهير وأغلبهم تلاميذ مدارس من جنوب شرقي آسيا، يتنقلون في باحاته وبين أعمدته وهم يحملون أحذيتهم بأيديهم! ولا أعرف سر هذا التميّز، فحين زرت مرقد الإمام الحسين ومرقد السيدة زينب الكبرى أخت الإمام  الحسين، استلمت خدمة الكشوانية مني الحذاء، وكذلك جرى الأمر في مرقد السيدة نفيسة بنت الإمام الحسن. ولفت نظري أنّ هذين المرقدين يقعان في أفقر أحياء القاهرة. وفي مرقد زينب، اصطفت النساء خلف حاجز خشبي وهن يرددن دعاء يشبه التلاوة.
ولفت نظري دخول جنازة إلى مرقد السيدة نفيسة، المحاط بالشوارع غير المعبدة والبيوت الفقيرة حيث تسابق الحاضرون والواقفون خارج المسجد إلى المشاركة في حمل الجنازة، والطواف بها حول ضريح السيدة وهم يكبّرون طمعاً في ثواب يصيبهم.
زائر القاهرة يجب أن لا ينسى زيارة منطقة ملتقى الأديان بمصر القديمة، حيث يصلها المرء بالترجل عند محطة مترو مار جرجيس. وفيها كنائس أكبرها الكنيسة المعلقة وفيها دير مار جرجيس المسيحي العريق، وفيها متحف قبطي، ومعبد يهودي. كما يتصدر المنطقة من المدخل الشرقي جامع عمرو بن العاص الأثري، ولكل من هذه المعالم قصة يلزمها كتاب.
للمثقفين عالمهم
من أهم ملامح المدينة العريقة مقاهي المثقفين ونوادٍ وجمعيات ثقافية متنوعة عديدة، تنتشر في قلب القاهرة”وسط البلد”وفي أرجاء المدينة العملاقة، وهي تحكي لمن يزورها قصة عريقة عن ثقافة المصريين، واهتمامات مثقفيهم وكتابهم والمعنيين منهم بالسينما.
الأكل في مطاعم القاهرة رخيص، لكنه ليس لذيذاً، وسرعان ما يكتشف زائر المدينة أنّ المائدة المصرية ليست مغرية. ولعل أشهر أطباقهم، هي الكوشري، والملوخية والفراخ المحشي، وتتنوع مذاقاتها بحسب المطاعم، لكنّ جميع القاهريين اتفقوا على أن أفضل كوشري هو كوشري أبو طارق الشهير في عمارة أبو طارق الأنيقة المكسوة بالألمنيوم بشارع شمبليون وسط البلد.
وحاولت أن أزور المعبد اليهودي المسمى”بوابة السماء”أو”معبد عدلي”وأكتسب اسمه من شارع عدلي بمنطقة وسط البلد، وهو معبد فخم يكسوه رخام غرانيتي اللون، وبني في عام 1905 كما مدوّن على بوابته. لكنّي فشلت لأنّ حواجز معدنية تطوّقه، وينتشر حوله على جانبي الشارع رجال شرطة مسلحون، ويرأس القوة المرابطة على حماية المكان عميد شرطة، وقد رجوته أن يسمح لي بالدخول إلى المعبد، لكنّه أكد أنّ الزيارة متاحة للوفود فحسب، وبعد استحصال موافقة وزارة الداخلية مسبقاً، مؤكدا أنّ اليهود لا يزورون المعبد قط، لأنّه لم يعد لهم في مصر وجود، إلا من سيدة عجوز يسمع عنها ولم يلتقيها.
لكي أروي كل تفاصيل مشاهداتي في القاهرة لن تكفي هذه المساحة، ولابد من لقاء آخر يكشف عن المزيد.



المشاركة السابقة