جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » نصوص


قصة قصيرة جدا: الحائط


نجاح الجبيلي
ينتصب الحائط أمامه ويرمي ظله العملاق على أرض معشوشبة. يلقي نظرات واهنة عليه فيعثر على خربشات حفرت على طابوقه الأصفر المتآكل. ربما هي ذكريات دوّنها أصدقاء جلسوا واستندوا عليه ودارت همساتهم حوله. حين نهضوا نفضوا دشاديشهم من ذرات الغبار. يتذكر أمه وهي تمسح الحنّاء على طابوقه تاركة آثار أصابعها عليه. قالت له أنها حلمت بالحائط وقد اعتلاه وليٌّ بملابس خضر فحلق به في الآفاق واختفى.
لم يفته أن يتذكر طائراً اَسودَ كان يتردد على الحائط إذ تعوّد على ترميم عشّه في السافات العلوية منه. أحياناً يجلس أمامه فتبدأ أصابعه الرقيقة في تحسّس آثار شظايا الحرب وقد تركت حفراً فيه. كم من رسائل دوّن إلى تلك الصبية التي شغف بها وأودعها في أحد ثقوب الحائط كي تتسلمها وترد عليه بالطريقة نفسها. كان الحائط مثل صندوق البريد بالنسبة لهما. في صباح مغبر ما يسمع هدير آلة كبيرة ثم يعقبها صوت سقوط قوي. يهبّ من نومه فزعاً ويهرع إلى الخارج فيرى الحائط وقد هوى أرضاً فتلاشت معه الذكريات وعش الطير وحنّاء الأمّ ورسائل الحبيبة.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية