جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » زمان ومكان


المنفى الذاكرة والرواية


زهير الجزائري
بجواز سفر مزور غادرت العراق الى المنفى في ٩-٧-١٩٧٩.. منذ ذاك اليوم  تنقلت بين خمسة مناف(سوريا،لبنان، سوريا، جبال كردستان، هنغاريا، بريطانيا).. داخل كل منفى تنقلت بين بيوت عديدة، سبعة  في لبنان، خمسة في سوريا، ثمانية عشر بيتا وخيمة في كردستان العراق، إثنين في بودابست، واحد في موسكو، وخمسة في لندن. في كل منفى، ومنفى داخل المنفى، أكوّن بيتاً ومكتبة وأعلق صوراً وأقيم علاقات مع جيران وأصدقاء وأقول : هذا وطن بديل. ثم أغادره الى مكان آخر.
لم أغادر وحدي،إنما حملت مع حقيبتي مدناً وعلاقات وأنماط حياة. ويفترض بهذه الحركة المتقطعة أن يضعف إحساسي بالمكان لأن الذاكرة ترتبط دائما بالبيئة المستقرة، وتنمو معها وفيها، وكل تكيّف مع منفى أو مكان جديد يتم على حساب المكان السابق وناسه.

خلال تنقلي هذا كنت أتردد بين مثالين، بين العراقي  غائب طعمه فرمان و الأردني غالب هلسا. ينفي الأول منفاه بأن يمسك بذاكرته المكان الأول، بينما يعالج الثاني النسيان بالفعالية الإيجابية وبالدراسة الإرادية لمنفاه الجديد بعلاقاته وتاريخه وطباع ناسه.

قبل الاقتلاع لم نألف، نحن العراقيين،السفر والهجرة مثل جيراننا المطلين على البحر. بيننا وبين جيراننا الصحراء، وهي قطيعة،  بينما البحر صلة. من إطلالتهم على البحر تعلم جيراننا المتوسطيون أن ينظروا للبلاد الأخرى كأوطان محتملة. بينما كان السفر لنا اقتلاعاً أو حلماًعصياً. شاعرنا بدر شاكر السياب ذهب للعلاج في الكويت، وهي على مرمى حجر من مدينته البصرة، مع ذلك وقف على ضفة الخليج الضيق وهو يصرخ:
أصيح بالخليج
ياخليج
ياخليج
ياواهب المحار والردى!

حياتنا وعاداتنا راسخة كما لو أننا لم نغادر قرانا ومدننا. عوائلنا التي غادرناها الى العاصمة الضائعة المضيعة بقيت راسخة فينا. ورسوخ العادات هذا يمنحنا الأمان فنرجع الى أهلنا كلما ضاقت الحياة. نتحدث عن الضياع في سوهو  أو مقاهي باريس وباراتها التي تنقّل بينها هيمنغواي مع  (المائدة المتنقلة). نتحدث عنها كأننا هناك ونحن هنا كما في كل يوم، في ذات المقهى والمشرب والشلة الثابتة.
التنقل القسري طبع حياتنا بتلك الإزدواجية العجيبة. نحن هنا وهناك في نفس الوقت، في هذا المنفى الأوروبي المختلف كلياً، ناساً وثقافة، وفي نفس الوقت هناك حيث موضوعنا وذاكرتنا وقارئنا المفترض. 
سبع وعشرون عاماً عشتها خارج بلدي في انقطاع كلي. مثل كل كتّاب جيلي الذين هاجروا. غادرنا البلد في عمر لا يقبل التطبع مع المكان الثاني. لم تدخل لندن، التي عشت فيها منفاي الأطول، في أحلام منامي، بينما كنت أحلم  مرتين كل شهر بأني أدخل العراق متخفياً، تحت غطاء من الظلمة، أبحث عن بيتي وأخاف في نفس الوقت أن يكشفني النهار لعيون السلطة. بين ١١ كتاباً في المنفى لم أكتب سوى ١١ صفحة عن لندن في الأيام التي سبقت الحرب على العراق.

المكان والمنفى

وللمنفي الذي عاش حياته بعيداً عن سمائه الأولى وتحت سماوات مختلفة دون أن يجد الوقت لينشب جذوره في بيئة راسخة سيشكل المكان الأول غواية كبيرة يستحق أن يكون موضوعاً بذاته ولذاته وليس موضوعاً بين الموضوعات أو علة بين العلل. كثيراً ما يخرج الروائي عن السياق وينصرف للمكان بذاته، تماماً كما يبكي الشعراء الكلاسيكيون على الأطلال. ويساعد على هذه الرؤيا السكونية للمكان طبيعة السرد القصصي الذي يمسك بلحظة من الزمان منتزعة من مجرى التاريخ  يقوم الروائي بتحديد عناصر تلك اللحظة المعاشة، وبذلك تتزايد الآنية الحسية في مواجهة التاريخ الموضوعي. ولكن المكان لا يشكل في النهاية وجوداً خالصاً، إنما يرتبط بالتحولات التاريخية والاجتماعية التي عاشها الروائي شاهداً أو تخيلها. وتتصادم خلال عمل الروائي النظرة الجمالية للمكان باعتباره ظاهرة شعرية حسية منفصلة مع القناعة بعلاقة المكان الجدلية بالحركة والزمان.

داخل الوطن كتبت أول رواياتي) المغارة والسهل (عام ١٩٧٤، موضوع الرواية  أحداث عشتها هناك في المكان الآخر..عن عمان  ومعارك المقاومة الفلسطينية مع الجيش الأردني. عداها كتبت معظم رواياتي وأنا خارج المكان(نفق الى الشمس أعدت كتابتها في لبنان، مجموعة قصص الأطفال قطرة الماء كتبتها في لبنان، كتابي عن الفاشية كتبته في لبنان. في منفاي الجبلي بكردستان كتبت رواية (مدن فاضلة) و أوراق جبلية. في منفاي بلندن كتبت  (المستبد) وروايتين (حافة القيامة)و(الخائف والمخيف). المكان في الروايتين عائم، هو أية رقعة وأي دكتاتور في وطننا العربي. توزعت الأمكنة والأحداث  في الرواية الواحدة حتى أني نفسي أجد صعوبة في تحديد المكان : ما هي المدينة التي يحكمها العقيد في رواية حافة القيامة، وأين تلك الصحراء اللا مسماة التي اختارها(المجاهدون) قاعدة للقتال في رواية الخائف والمخيف، وما اسم المخيم الذي يلقي فيه الدكتاتور خطابه؟ أنا نفسي لا أعرف. فقد اختلطت الأمكنة في مخيلتي خلال هذا التنقل. يمسك الروائي وهو في منفاه المكان بخيال شغوف لامتلاكه وما فيه من حياة حقيقية أو مفترضة. يدرك أن اللغةً تستطيع أن تستعيد الأشياء والأفعال الزائلة من خلال التسمية والوصف، ولذلك يبدأ الروائي  استهلاله بالمكان، يسمي المكان ويثبته كمسرح للحدث ووعاء للذاكرة. لا تأتي الذكريات تلقائياً وعلى غفلة، إنما تتطلب شحذ معرفة وقدح مخيلة وإيجاد حافز. أحاول وأنا أكتب عن مدينتي أن أضيء المكان بالشمس الساطعة التي فارقتها فتزحف الغيوم الرصاصية من سماء لندن  على مخيلتي ولا يأتيني الوضوح حين أريد أن أتصور سحابة الغبار في مشهد النزوح  بسبب الجفاف. كل شيء هنا في المنفي يعاكس خيالي والصورة المفترضة التي أريد ان أضعها على الورق. الذكريات كثيرة. أزعم أني رأيت ما يكفيني وأكثر، المشكلة هي التذكر. علي قبل أن اكتب البحث عن الذاكرة في محيط ينكرها:أنت هنا! علي أن أبحث كما المنقب  ثم  أستخدمها. يطلب التذكر جهداً إرادياً يفرض علي أن أعيش الزمن بالمقلوب، أستعيد  الماضي وأستبدل به الحاضر. عميد المنفيين العراقيين الروائي غائب طعمه فرمان يأمر نفسه بحزم  في رواية (المخاض(يجب أن تعود الى ذكرياتك..أن تتذكر كل شيء وتمثله حتى يخيل إليك إنك لم تغترب كثيراً). وتنعكس إرادة الروائي المغترب على سلوك أبطاله، فاستحضار المكان ينشط الفعل والمخيلة ومعهما ذاكرتين :
-ذاكرة عضلية للأفعال المباشرة تجعل القدم تسير في الزقاق واليد تمتد نحو ثقب مفتاح البيت أو نحو مفتاح الراديو المجاور للسرير وقامة سليمة الخبازة تنحني على التنور...
ويفترض أن تحدث هذه الأفعال باقتران شرطي دون تدخل مباشر من الذاكرة. لكن المنفي يعطي هذه الأفعال العضلية شكلاً من القصدية والاحتراز من  تنكر الأشياء لجسد متغرب فقد ليونته وألفته مع المكان والأشياء، فيتحرك البطل بحذر العائد إلى محلته بعد انقطاع ويأخذ التعامل مع المكان شكل الاختبار الصعب.
-ومع هذه الذاكرة العضلية تنهض ذاكرة أخرى تقوم  على الانتباه والتصور، تضعنا أمام ذكريات ليس لها نفع مباشر. يشبه هنري برجسون العلاقة بين الذاكرتين بالمخروط، فالقاعدة المكونة من ذكريات مخزونة في لا شعورنا تنهض لملاقاة الطرف المدبب الذي تغرزه الذاكرة في سطح التجربة الحسية. الحاضر يوجه النداء لتستجيب الذكريات وتخلع على العناصر الحسية للفعل الحاضر تلك الحرارة التي تشيع فيها الحياة، وينتقل التعرف هنا من الداخل إلى الخارج، ومن المركز إلى المحيط، ومن الفكرة إلى الإدراك وبالعكس أيضاً.
لاستحضار الماضي في شكل صور وأحداث علينا أن نتجرد من العمل الحاضر وشخوصه. كتبت نصف روايتي (باب الفرج) في مقهى قريب من بيتي، منه أطل على غابة زان تستقي الماء من ثلج جبل لا أرى قمته الغارقة في الغمام. يتنازعني المكانان، الحاضر ومكان الرواية البعيد. انظر وقد انغلق المشهد في ذهني :(أيهما، ما أراه بعيني، أم ما أراه بعين ذاكرتي؟) بين آونة وأخرى أرفع رأسي عن الحاسوب وأنظر حولي الى رواد المقهى :العشرينية الشقراء على سمنة أعطتني ظهرها وراحت منذ أكثر من ساعة تقضم أضافرها وهي تتحدث مع محبوب مهمل وبارد الدم، لا يقول لها إلا ما يكفي لجواب قصير. إلى يساري هندي  مصبوغ  الشعر ينظم لزبونه  بوليصة تأمين. أمامي العاشقان إياهما وقد تواريا في الزاوية وقد تعرقت  أيديهما من اللهفة... أراقب كل ذلك دون أن أرى فقد نفيت زماني الحاضر وبقيت في زمن الرواية. أجرد نفسي من زمني الحالي خلال الكتابة وأدفع ثمنا باهظاً لماضٍ غير نافع، مع ذلك فهو ماضٍ زلق يفلت مني.هذه الذاكرة التراجعية تعاكسها في نفس المقهى ذاكرة أخرى أكثر تلقائية، تتجه في حركتها إلى الأمام، ذاكرة تجبرني على  أن أدبر حياتي الراهنة بدلاً من نبش قبور الماضي.

يستخدم الروائي في المنفى مخروط بإشلار  بالمقلوب في رواياته. فالفعل عنده وسيلة وليس غاية، والهدف هو تنشيط الذاكرة، ويصبح التذكّر بحد ذاته فعلاً للمؤلف والشخصية. فعل حياة بمواجهة النسيان الذي يعني الموت في المنفى. ويمزج التذكر بالفعل فنحن نتعرف على الأمكنة ونسميها حين يدخلها البطل. أحياناً يتلاشى الفعل إزاء تأمل المكان. ليس هناك زمن واحد للتذكر، ستتمدد خلال الكتابة عدة أزمنة:حاضر الماضي الذي يصير حاضراً بتفاصيله خلال الكتابة وهو الذاكرة، حاضر المستقبل وهو التوقع، وحاضر الحاضر وهو الانتباه. تتداخل الأزمنة الثلاثة خلال الكتابة، ففي روايتي (باب المراد) يطير البطل (علي)فوق المدينة، يرى امتداد الأمكنة في المحلات الأربع ويرى أيضاً أحداثاً قبل مولده وحروباً لم تحدث بعد. تحتم علي وأنا أتابع ٢٦ شخصية فصل ودمج الذاكرة الشخصية مع وعن الذاكرة الجماعية، وأن أفصل بين ذاكرة شخصيات الرواية واحدة واحدة، وبين ذاكرة الجميع وقد صاروا واحداً.

الحروب
                               
خلال وجودي في المنفى، وقبل ذلك خلال وجودي في العراق عشت وغطيت حروباً عديدة : حرب الفلسطينيين مع الجيش الإسرائيلي في غور الصافي عام 1969، معارك المنظمات الفلسطينية مع الجيش الأردني أيلول عام١٩٧١، حرب تشرين العربية من الجبهتين، السورية والمصرية عام ١٩٧٣،الحرب الأهلية اللبنانية 1975: حرب الصحراء بين الجيش المغربي والبوليزاريو 1980-1983، عامان ونصف١٩٨٢-١٩٨٤ في جبال كردستان.. عرفت الحروب وعشتها بحواسي وأعصابي وعقلي. وسط الحروب ينشغل الجسد بتمارين القتال والسلامة، ولن يترك للذهن مجالا للتردد والتأسي. الحرب كانت حولي وتستدعي كل حواسي..  علي أن أتسمّع صوت القذائف لأدرك مصدرها واتجاهها وأكيف جسدي على هذه المعارف التي ولدتها الخبرة. لا شيء يحمينا في الحرب غير الجدران، وهذه الجدران عدوتنا لأن القصف يستهدفها بالتحديد ولذلك صارت لنا ملجأ وقبراً في الوقت نفسه.أغادر مخبأي بعد سقوط القذيفة لأرى الموقع وأتشمم رائحة البارود والحريق ثم أقرر موقفاً مما يحدث. موقف أدخل فيه بكل كياني. كنت أعيش الحروب بعضلات جسدي التي تحول خوفي الى أفعال.

بين كل الحروب كانت الحرب على العراق هي الأكثر وجعاً على قلبي لأنني أشاهدها ولا أعيشها. كانت أمامي، لكن بيني وبينها هذه الشاشة الرمادية. التلفزيون يقربني من الحرب الى حافة الملامسة، بل إني كدت أشم هذا الغبار الأحمر الذي يلف الجنود الأميركيين الزاحفين نحو بلادي. أعرف هذا الغبار وأكاد اختنق به. كثرة المراسلين ووجودهم في الخطوط الأمامية جعل المعركة قريبة، ونقلوا التفاصيل الغرافيكية للحرب.
أتابع الاستعدادات للحرب وأفزع من كثرة الأسلحة.. بوارج في شكل جزر حديدية عائمة  والجنود يعبئون بحمية صواريخها الموجهة نحو العراق، حاملات طائرات راكدة في مياه الخليج بينما تقلع الطائرات من على مدارجها الى البلاد التي تختض بانتظار الخراب والموت. ما أهدأ المياه وما أرعب ما تحمل! تأخذني الشاشة كما المدمن الى الصورة وتختلط المشاهد بذاكرتي المرتجة.أريد، وأنا أقترب من الشاشة، أن أخترق هذا الزجاج البارد لأصل الى لحم الصورة و جمرها، ثم أتعب من عجزي فأصعد فوق لأهدئ أعصابي. أشبك يدي خلف رأسي وأحدق في نقطة في السقف وأخفف من ضغط أسناني : مالي ومال ذاك البلد البعيد الملتهب؟! أنا هنا في بيتي في Green Ford  في لندن، خلفي رفوف الكتب التي تجاهلتها وتحت عيني الكمبيوتر ولوح المفاتيح الذي ينتظر لمساتي. أتجاهله وقد قررت : ما فائدة ما قرأناه وما كتبناه إذا صار الجنون العسكري قدرنا؟

كأن هذه الحروب لم تحدث، لأنني عشتها افتراضياً. كنت أتابعها من التلفزيون بأعصاب مشدودة الى الشاشة الميتة. في التلفزيون أرى ما لا يراه المحارب في الميدان لأن التلفزيون يقدم الصورة من جوانبها المتعددة، ومع كل ذلك فالتفزيون يقدم لنا عالماً افتراضيا  visual reality لأن هذا العالم الذي نراه هنا بكل دباباته التي تحفرالأرض بجنازيرها وجنوده المثقلين بذخائرهم عالم غير حقيقي رغم أننا نعيشه بكامله كحقيقة متوهمة لما يحدث هناك. والأغرب أننا نرى من هنا أكثر وأوسع مما يراه القابعون في ملاجئهم هناك، مع ذلك لا نستطيع أن نرى البعد الثالث للصورة، أي لا نلمس لحمها ولا نشم رائحة البارود ولا ترتج غرفنا من دوي الانفجارات، أي أن الموت مثل الصورة مفترض وليس حقيقياً.
بين الصورة والمكان المحسوس أنا منقسم : هناك وسط الحرب بأعصابي  ومخاوفي، ولكنني هنا في هذه الغرفة ببيت في شارع Millet Road  غرب لندن، مثبت على الصوفا الباردة ومن النافذة خلف التلفاز شجرة القيقب التي يتحلب الماء من أوراقها وقد نبتت مثلي في المنفى. أنا جالس هنا و الحدث الذي يستنزفني هناك. أتآكل جالسا هنا دون أفعال وذلك يزيد شعوري  بالعجز لأنني في الحرب  ولا أفعل شيئاً.

العودة

بعد ٢٦ عاما في المنفى وبعد أربعة حروب وحصار ١٣ عاماً عدت الى البيت الذي فارقته يوم ٢٦-٤-٢٠٠٣. عدت وجلاً من ثلاثة مخاوف بانتظاري : النسيان واللوم والموت. دخلت البيت بخطوات بطيئة ومرتبكة. الزمن ترك آثاره في كل مكان : الحيطان مشققة وقد أكلت الرطوبة بياض السقوف. وحال لون الجدران المصفر. الأشياءالقديمة متراكمة في  الزوايا كأن الناس هنا على أهبة الرحيل. وأنا أتفحص الغرف بدأ الزمن يتحرك مليئاً بالصور، فالبيت هو الإطار الذي يحفظ الماضي ويؤطره. على الجدران صور الراحلين.أما الأحياء فقد جمعت صورهم على رفوف، ليس بينهم أية صورة لي. الخوف من النظام أملى على العائلة إنكار وجودي كلياً.أسرح بنظري الى لمدينة تائهاً بين رغبتين :
الرغبة في أن أرى المدينة كواقع لأفند أوهامي وتخيلاتي عنها.
ورغبة معاكسة لأن أبدد الحاضر  وأرى من المدينة ما يعزز ذكرياتي عنها.
وبين الرغبتين أتيه بين الحاضر والماضي والواقعي والمتخيل.
أحاول أن أستعيد وأنا أتجول في المدينة تفاصيلها ووجوه ناسها من مخيلتي مباشرة وليس من ذكرياتي أو ذكريات ذكرياتي، لكن لا تأتي الأشياء كما أريد.
تنسحب من ذاكرتي إلى ذاكرتها الخاصة، ولن أجد في هذه العجالة ذاكرة مشتركة، وإذا وجدناها ستكون منفصلة عنا نحن الاثنين. أنا غارق في وهم  زماني والمدينة تشاكسني بشكلها وزمانها الحاضرين وناسها الجدد. أقف وسط ساحة الميدان باحثاً عن فندق، كنت أنام في سطحه خلال أيام الدراسة. أسمع طوال الليل حديث جندي هارب من الحرب في الشمال، أو فلاح جاء ليتابع معاملة الأرض في بغداد، أسمع اعترافات عاشق سكران جنب سريري... أسمع ولا أرى وجه محدثي الذي تبرق سيجارته في الظلمة. وفي الصباح أبحث بين النزلاء عن محدثي في الظلمة فلا أميزه. بحثت عن فندق الغرباء هذا وأنا أدور حول نفسي وإلي جانبي أخي يبتسم ساخراً. 
-كأنك يا زهير تتحدث عن الزمن العثماني.
بيني وبينه ثلاثة عقود وأربعة حروب ثلاثة عشر عاماً من الحصار. بالتجول في المدينة أحاول تدقيق خارطتي القديمةً،  وأقلص الفجوة بيني  وبين ناسها بالبحث عن القصص.

العالم السري

مع سقوط الصنم وعالمه السري اكتشف العراقيون خصلة إنسانية كادوا ينسوها، هي رواية قصص وأخبار ذات معنى. بدون روايتها يفقد الإنسان جانبا من إنسانيته. العمل وحده لايميز الإنسان عن الحيوان لأن البغل يفوق الإنسان قدرة على العمل، وبالعمل يستطيع هذا الحيوان الكدود أن يتآلف مع عالم الأسر الأبدي الذي وضعه فيه الإنسان. ما يميزالإنسان هو الفكر، هذه الخصلة العزلاء التي لاتحقق ذاتها من قواها الخاصة، إنما تحتاج لكي تتحقق الى خصلة أخرى هي الكلام مع آخرين، أي رواية قصص ذات معنى. 
كثير من القصص القديمة التي خاف الناس من تداولها حتى في بيوتهم، منها وقائع الحروب وأهوالها، قصص الضحايا الذين حرم النظام البكاء عليهم وحرم إقامة الفاتحة على أرواحهم. كل هذه القصص تدفقت فجأة.

الذين يروون قصصهم مراراً يكتسبون بالسليقة أسلوباً للقص.سيعرفون من سياق الحديث العام مدخلاً لقصصهم، وقد عرفوا بالتكرار من أين تبدأ الحكاية وكيف ستنتهي، وسيملأون الفراغ بين البداية والنهاية بجمل فخمة ومدروسة الوقع.
أما العراقيون الذين لم يجربوا القص، حتى ولو بالهمس، فقد أزدحمت مخيلتهم وأربكت السياق والجمل كما اربكتني أنا المستمع. الحكايات تتداخل، والجمل الاعتراضية تتحول الى قصص داخل القصص. في مطبخ بيتنا وسط ضجة القدور ورائحة البصل المقلي يروي خالي عبد الأمير واقعة القاء القبض على إبنه سامر الناشط في حزب الدعوة. لكن حكاية أخرى تقفز من وسط الحكاية الأولى، تقطعها بحدة وتشتت ذهني.أوقفه في وسط الحكاية الثانية بصوت آمر :
-قف قف! لنعد الى القصة الأولى!



المشاركة السابقة : المشاركة التالية