جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » مراجعات



علي عبد الأمير صالح
  “في عام واحد، غادرنا أبي مرتين. في المرة الأولى، كي يضع نهايةً لزواجه، وفي الثانية، حين انتحر. يومذاك، كنتُ في سن العاشرة.”
في روايتها المعنونة”لا تقولوا إننا لا نملك شيئاً”، الصادرة في العام 2016، تأخذنا الكاتبة الصينية - الكندية مادلين ثين إلى داخل أسرة كثيرة الأفراد في الصين،
وترينا حيوات جيلين متعاقبين – أولئك الذين عاشوا خلال”الثورة الثقافية”التي أطلقها ماو تسي تونغ في العام 1966 ودامت عشرة أعوام، وأولادهم، الذين أصبحوا طلبة جامعيين محتجين في    “ساحة تيانانمين”في قلب العاصمة بكين.
في لب هذه الرواية الملحمية ثمة شابتان : ماري جيانغ”جيانغ لي – لينغ”وأي – مينغ. من خلال العلاقة المتبادلة بينهما تسعى ماري جيانغ إلى جمع أجزاء حكاية أسرتها الممزقة في فانكوفر يومنا الحاضر، باحثةً عن أجوبة في الطبقات الهشة لقصتهم الجماعية. يكشف مسعاها هذا النقاب عن كيف أن كاي، أباها المُبهم، جيانغ  كاي، وهو عازف بيانو موهوب، ووالد أي – مينغ ؛ سبارو، المؤلف الموسيقي الخجول واللامع، بالإضافة إلى تسهولي، معجزة الكمان، كانوا مرغمين على أن يتخيلوا من جديد ذواتهم الفنية والشخصية إبان الحملات السياسية في الصين وكيف أن مصائرهم تتردد عبر الأعوام بعواقب ثابتة.
    سلّطتْ مادلين ثين في روايتها هذه الضوء على فترةٍ مظلمةٍ من تاريخ الصين المعاصر حيث قوبلت نتاجات الموسيقيين والكتاب الصينيين بالشك وتعرّضتْ لأقسى أنواع العنف  الفكري، الأمر الذي يذكّرنا بما تعرّض له المثقفون والكتاب في بقاع شتى من العالم، من مثل سولجينتسين وباسترناك في الاتحاد السوفييتي السابق، وما عاناه نظراؤهم خلال الحملة المكارثية في أميركا خلال أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين، حينما كان يجري البحث عن أي دلائل تشير إلى اعتناق الكتاب وكتاب السيناريو والمخرجين والممثلين السينمائيين أفكاراً شيوعية وُصفتْ بأنها”نشاطٍ معادٍ للمصالح الأميركية”. وهذا هو ما عرضه لنا راي برادبري في روايته الشهيرة”451 فهرنهايت”، وللعلم نقول : إن درجة الحرارة هذه هي درجة الحرارة التي تحترق عندها الكتب.

    في هذه الرواية الأخاذة نتعرف على منجزات طيف واسع من الموسيقيين الكلاسيكيين العالميين في القرون الماضية لكن ثيمتها الرئيسة تركز أكثر على حيوات الموسيقيين الصينيين إبان”الثورة الثقافية”، وتظاهرات الطلبة في”ساحة تيانانمين”في العام    1989، الذين كانوا يطالبون بإجراء إصلاحات وتعديلات على مجمل أداء الحكومة وإدخال أساليب حديثة في جميع مفاصل الحياة اليومية للمواطن الصيني ومنحه الحرية والكف عن مصادرة حقوقه في الحياة الكريمة. كما تتناول الكاتبة الظروف القاسية التي يتعرض لها الصينيون وكيف أن كل فرد يبلّغ عن أخيه أو أخته أو أحد أصدقائه كي يُنقذ نفسه ؛ إذ كان الخوف يستحوذ عليهم من بطش السلطة المستبدة والحزب الذي يتهم مواطنيه بكونهم مناوئين لنهجه الاشتراكي ويضمرون مشاعر العداء للرئيس ماو تسي تونغ. وهذا الأخير كان يتهم خصومه بكونهم إمبرياليين، بورجوازيين، يمينيين، تسللوا خفيةً إلى صفوف الحزب الشيوعي الصيني. وفي نهاية المطاف كان يعاقب خصومه من خلال زجهم في معسكرات الأعمال الشاقة في مناطق نائيةٍ جداً، وصحراوية في أغلب الأحيان، لكي تُعاد”تربيتهم”، وبغية استئصال الفكر”اليميني”القابع في نفوسهم، وكذلك من خلال “جلسات النزاع”، حيث يُهانون ويُذلون وينالون شتى ضروب القدح ويُضربون ضرباً مبرِّحاً، ويُجبر الضحية على الاعتراف بـ”جرائمه”أمام حشدٍ من الناس الذين يسيئون معاملته شفوياً وجسدياً ومعنوياً إلى أن يبدأ بالاعتراف.
    هذه الرواية، تنقلنا إلى واقع مرير، حيث تتمزق الأسر، ويتفرق أبناؤها، وتبتعد الأخت عن أختها، والأب عن أبنائه، وتذوب الشابة حزناً وكمداً على فراق حبيبها الذي غادرها بلا رجعة. الحكومة تشكك بنوايا أبناء الشعب وترسلهم إلى المعتقلات الصحراوية النائية، معتقلات الأشغال الشاقة، التي تبعد آلاف الكيلومترات عن مرابع صباهم، وديارهم الأثيرة ؛ هذه المعتقلات تذكّرنا بالمعتقلات السيبيرية التي نُفي إليها دويستويفسكي وسولجينتسين في زمن مضى. ولا غرابة أن نقرأ عن مصائر عشرات الكتاب والفنانين ومنهم الموسيقيين ممَن آثروا الانتحار لأنهم لم يطيقوا قسوة الواقع ومصادرة الحريات و”العزلة الداخلية”التي يفرضها الكاتب أو الفنان على نفسه أو بسبب تلك التي تفرضها السلطات المستبدة عليه وتبعده عن شغفه بالأدب والموسيقى وسواها من الفنون.
    في جمهورية الصين الشعبية، في عهد ماو تسي تونغ تحديداً، كان الحزب يتحكم  بحيوات أفراد الشعب. هم، ببساطة، لا حقَ لهم بأن يقيموا في الأمكنة التي يرغبون، وأن يُغرموا بمَن يحبون، أن ينجزوا العمل الذي يرغبون. باختصار، كل شيء يقرره الحزب. أما الطلبة الذين تظاهروا في”ساحة تيانانمين”، في قلب بكين، في مايو”أيار”1989 فكان مطلبهم الأساس هو منح المواطن الصيني حرية العيش في المكان الذي يختاره، وأن يمارس العمل الذي يهواه. وكان هؤلاء الشبيبة الجريئون، المشبعون بحب الحياة والحرية والعدالة وكرامة الإنسان، أفراد هذه الشريحة المهمة والواسعة من المجتمع،  حين اختاروا التمرد على النظام، كانوا يعتقدون اعتقاداً راسخاً أن كل شيء يبدأ بهذه الحركة الأولى، حالها حال الموسيقى التي تتردد أصداؤها مراراً وتكراراً عبر صفحات هذه الرواية الفذة.
    والحق، هي رواية حزينة، تزخر بمَشاهد قاسية تعلق بذهن القارئ ولا تغادره أبداً ؛ تقول أشياءً كثيرةً لم يقلها الصينيون، وقلّما نقرأ عنها. وفيما كنتُ أترجم هذا العمل الروائي  اللافت، تذكّرتُ آنا أخماتوفا، الشاعرة الروسية المرموقة، التي كانت تمضي إلى السجن الذي أُودع فيه ابنها، تقف في الطابور وسط مجموعةٍ من النساء القانطات المرعوبات... نعم آنا أخماتوفا، التي أحفظ لها قولاً لا يكاد يفارق ذاكرتي :”للشاعر فمٌ معذَّب يصرخ من خلاله مليون إنسان”.
    وُلدتْ مادلين ثين في العام 1974، وهي كاتبة قصص قصيرة وروائية صينية – كندية، تكتب باللغة الإنكليزية. مجموعتها القصصية المعنونة”وصفات بسيطة”التي صدرتْ في العام 2001 هي باكورة أعمالها السردية. صدرتْ روايتها الأولى”اليقين”في العام    2007. أما روايتها الثانية”كلاب في محيط الدائرة”المنشورة في العام 2012 فقد تُرجمتْ إلى تسع لغات.
    وللعلم، نقول : إن جميع أعمال مادلين ثين السردية الأربعة نالت جوائز، وتُرجمتْ قصصها ورواياتها إلى 25 لغة عالمية ونُشرتْ مقالاتها في”الغارديان”،”فاينانشيال  تايمز”،”فايف ديالز”،”بريك”، و”الجزيرة”. أما رواية”لا تقولوا إننا لا نملك شيئاً”فقد نالتْ جائزتين أدبيتين كندتين، هما”جائزة الحاكم العام للأدب القصصي المكتوب بالإنكليزية”لعام 2016، و”جائزة  غيلر”، وهما أرفع جائزتين في مجال الرواية بكندا، وكذلك حازتْ”جائزة بيلي ومنز للفن القصصي”لعام 2017. كما ترشحتْ للقائمة القصيرة لجائزة”البوكر”العالمية لعام 2016، وتُرجمتْ إلى 17 لغة عالمية.
    والكاتبة ابنة مهاجريْن ماليزيين - صينيين إلى كندا، وتقيم حالياً في مونتريال. وهي شريكة الروائي اللبناني المغترب الذي يكتب بالإنكليزية، والحائز على جوائز عدة : راوي حاج.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية