جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » نصوص


قصة قصيرة: أنين..ومواويل


علي حداد
الكلمة 
أن أضحي من أجل شجرة..
أعرف إنها ستثمر..ومن أجل
كلمة..أعرف جيداً إنها الحياة.
                                      الإهداء
  إلى حضيري أبو عزيز.. وجواد                             
    وادي.. وداخل حسن وصديقتي الجميلة  لميعة توفيق..لأنهم أضفوا على الحياة  مطراً.. ورعداً............ المؤلف
1
2
كانا يجلسان في مطعم ومشرب الركن الهادئ..أحدهما أطول من الآخر بثلاث”سم”وليس هذا هو الفارق الوحيد فأحدهما أصلع ويرتدي نظارة طبية زجاجها سميك
يطلق عليهما أهل بغداد >.وعصا سوداء بلون الفحم المحروق والآخر بشعر منفوش وأنف أفطس..عدا ذلك  فكلاهما بطين وكلاهما يمتلكان عينان جاحظتان.. ويبدو عليهما أن القاسم المشترك بينهما مبعثر. كما أن عيناهما الجاحظتين  كانتا مثل طيور مثبورة لم تحط  على أي من تلك الصور الكثيرة المعلقة على الجدران.. كان صاحب الشعر المنفوش يحاول أن يقسم أمام الفحم المحترق بأغلظ الأيمان وبأعز مايملك فلم يجد كما يبدو أغلى من عينيه الجاحظتين وهو يؤشر عليهما بأصبعيه
_ أقسم لك بعيني هاتين اللتين سيأكلهما الدود
حاول الرجل أن ينهض من مكانه متكئاً على عصاه
_ أجلس أرجوك..الى أين تمضي؟؟
طواهما صمت بمجيء النادل بقناني المياه البلاسيكية كانما تذكر المنفوش شيئاً مهماً  فمسك بقنينة الماء وهزها أمام الرجل الذي راح يعدل من نظارته السميكة
  بينما يقول المنفوش بحماس منقطع النظير
_  وحق هذا الماء الذي يغسل الحي والميت أنا لاأريد بك شراً..لا أنا ولاأختي أيضاً...

لم يتطرق الهدوء ولا السكينة الى روحه وهو يقول بعصبية وغلظة يشوبهما إنكسارومسكنة 
_ لا داعي لكل هذا القسم المقزز                     
_ أرجوك....
قالها بحرقة دفاعاً عن تعبه وشقائه من أجل ايجاد الكلمات المناسبة وترتيبها لتدخل الجمجمة الصلعاء
ولاتخرج منها..حيث تجد لها مستقراً...
_  اسمع ارجوك أنت.. بعد ذلك لاأسمح لك أن ترجوني ولو بحبة حمص نيء, نعم من اليوم فصاعداً لاأسمح لك أن ترجوني ثم ما بال تلك القصص عن التضحية والإيثار التي أسمعها منك وفي الليل وعلى مخدعنا تعيدها أختك على مسامعي نفس الأسطوانة المشروخة التافهة..وأنا أُصر على التافهة إصرارا..
كان المنفوش ساهماً يفكر في صلعة  صاحب العصى ذات اللون المحروق  وكيف كانت صلعته تنكمش حين  بينها وهو يمسك برأسه  كأنه يجاهد في فض هذا النزاع.. هذا الخراب.... ويروح يتلوى من الوجع كأي  وجع  لم يستطع أن يتحمله وأنت تراه وهو يبحث عن مطرقة  أو فأس ليحطم بها جمجمته  وهو يأن مثل أنين
المطرب داخل حسن وهو يفرك  بكفيه مسبحته و هويغني
واحدٌ من مواويل المطرب حضيري ابو عزيز..
عدل  شعره المنفوش
3
_  وهل أنا عالة عليكم  و أنا أسمع منكم قصة الرجل من بلاد الاسكيمو  فحين أصبح عجوزاً ولم يعد قادراً على العمل وأمسى بلا دور، قرر أن يتخلص من ملابسه ويخرج  معرِضاً نفسه للموت  وكانت هذه واحدة من تقاليدهم.. أنتم تريدون  التخلص مني هكذا أقرأ قصصكم..وفحواها وعن البدو السبعة الذين اوشكوا على الموت عطشاً وحين جاءوا لهم بالماء رفض الأول أن يشرب قبل أن يشرب الثاني فمات وهكذا فعل الثاني فمات الى أن ماتوا جميعاً..أهذه تضحية؟
هذا غباء..غباء مفرط.. أنا أملك من المال ما
قاطعه بأسى كأنه إنتهى للتو من بكائه المرّ..
_  كم مرة حاولت أن تضرب رأسك بفأس وأنا من كان ينقذك وكذا كانت شقيقتي تفعل، لكنك لم تستطع أن تتخلص من الأحساس أن الجميع يأتمرون بك  هو إحساس قديم وهذا ما كان يدفعك الى الدخول للمساجد لتعبث بأحذية المصلين ونعالهم وتجلس بعيداً وأنت تراهم يتدافعون في البحث عنها.. كذا كنت تفعل مع
معلم اللغة العربية إذ كنت تكتب درس الانشاء بخط ناعم عسى أن يصيبه العمى وهو يتبحر في كلماتك..
قاطعه بشدة بيديه وهو يؤشر بهما كمن يمسح سبورة الدرس بكلتا يديه ويبدو لاهثاً  تعباً من إثر المسح..
_ إنها قصص قديمة لم تعد تعني شيئاً.. لكني حين أشعر إنكم تريدون التخلص مني وأنتم تثقلون علي بقصصكم عن التضحية والإيثار كأني أنشد الخلود

وأسعى إليه....أقول لكم أنني لست متشبثاً بهذه الدنيا لكن من  حقي أن أتمتع بها مثل باقي خلق الله..وحين ينتابني وجع الرأس تجدني أتوسل بكم أن تضربوني بمطرقة وتحطمون جمجمتي وما فيها من هواجس ملعونة كنتما السبب المباشر في حمل أثقالها فمن المؤلم أن يشعر الإنسان أن هناك من يريد التخلص منه.. وكان معلمي  يريد بي شراً فاتهمني بسرقة الأسئلة وكذلك إمام الجامع ولم يتبق لي غيركما في هذه الدنيا لكن دعوني أموت حين يجيء دوري.. فقط حين يجيء دوري..أرجوكم..فانا كأي إنسان  عراقي  يموت قبل أن يأتي  دوره.. ولم يحقق حلمه..في أمرأة ذلك لأني أحسها تريد التخلص مني.. أو في السفر..أو في السكينة والاستقرار..والحب والمودة كلها كلمات سمع  بها أهل العراق.. لكنهم لم يلمسوها مثل من سمع عن أنهار من العسل لكنهم لم يتذوقوه ولن يتذوقوه فقد طغى الغش والخداع على علاقتنا مع الآخرين ’’ وعلى  حياتنا برمتها وعالمك كله صار مغشوشاً مثل أكلك وشرابك ودوائك..  حتى ركنك الهادئ هذا صار مغشوشاً..
وهو يراه  يجر نفسه جراً الى  الخارج متكئاً على عصاه ليختفي وراء المطر وزخاته المتلاطمة هنا وهناك...
وها هو في سبعة من تموز يرى تمثالاً شامخاً لزوج اخته كامل السلطان كان يحمل عصاه كمن يحمل سيفاً
ينبش في الأرض يبحث عن جذوره وعروقه المتجذرة في عراق..
لكنهم حين وجدوه وقد ترك عصاه جانباً وحشر جمجمته
حشراً في الفجوة التي كانت تهدد العراق من الغرق والاوبئة وجدوه كأنه.. يأن ويغني موالاً................
24/9 ألخ..ألخ



المشاركة السابقة : المشاركة التالية