جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » مراجعات


داخل عقل رولان بارت


ترجمة / أحمد فاضل
في كتابه الفريد"الأساطير"الصادر عام 1957  يقول رولان بارت :
“لقد  حاولت  تحديد  الأشياء  وليس  الكلمات"، ربما يكون من المفاجئ النظر إلى ارتباط فلسفته باللغة  والتواصل  والمعنى  وليست الكلمات أيضاً، لكن  التعليق  يوحي بتصحيح مهم لفهم عمله فلم يكن بارت ببساطة مهتماً بالأشكال فقط، بل  كان مُنظّراً حاول أن يفسر لنا  كيف بنت هذه  الأشكال خيالنا  كمنظور  مبكر  وعرض  التحليلات  التي حاولنا  إيجاد  المفهوم  لها  في  جميع    الأنشطة البشرية تقريباً كما يقول.
كان  بارت في مجموعة مقالاته التي احتوى عليها كتابه"الأساطير"يحاول  التخلص  من  القيود الصارمة  للفكر الهيغيلي  بعد  الحرب  إذ سمحت آراؤه  وأفكاره  الأدبية والعلمية بما أسماه من تأثرَ بها"بتطبيقات بارت"أن  تجيب  على    أسئلة فلسفية كثيرة، خاصة فيما يتعلق بفلسفة  هيغل في التاريخ  بالإضافة  إلى  الوجودية، والماركسية، وعلم  الظواهر،  وعلم  الاجتماع،  والمسرح وأفسحت تلك المقالات مساحة واسعة لعمل بارت  في علم  السلالات  (أنثروبولوجية)  وناقداً    أدبياً ولغوياً وسيميولوجياً وبنيوياً.
وُلد بارت في عام 1915 في شيربورج في عائلة من  الطبقة  المتوسطة، وقد عانت أسرته  مأساة فقدانهم  لوالده  عندما  قُتل  في العام التالي لولادته  في  معركة  بحرية قبالة الساحل الشمالي لفرنسا، فقدان الأب ومرض السل الذي بدأ في أواخر فترة مراهقته  كانا  سبباً  في  معاناته  على    المستوى الشخصي  والمهني،  فقد أدى  مرضه  إلى إقامة طويلة  في  مصحة  في  جبال الألب في منتصف العشرينيات  من  عمره،  وبفضل  ذلك  المرض  لم  يخدم  في  الحرب العالمية الثانية،  ومن  جهة أخرى  سمحت  له  تلك الإقامة  بتطوير مجموعة واسعة من الاهتمامات  بما في ذلك قراءته للتاريخ القديم،  فخلال  تلك  السنوات  قرأ أعمال المؤرخ الرومانسي  في  القرن  التاسع عشر جول ميشليت بشغف  والفلسفة الوجودية والحداثة الأدبية لأندريه جيد  خرج  بعدها  بارت  معتقداً  أنه  باستطاعته أن  يكون  قادراً  على  شرح كل شيء  في عالمنا  ربما  منها  أسرار  التفاعل  البشري  التي تنطوي على  التداخل  بين  شخصين  على  الأقل  والتي  انفتحت على عالم لا نهائي وبالتالي على  إمكانات لا يمكن التنبؤ بها.
في كتابه"الأساطير"، كتب بارت :
“إنه ندم على أنه عندما يسافر في سيارة لا يمكنه أن يرى  في الوقت نفسه  الريف ونافذة السيارة"، ومع  ذلك  فقد  أمضى  حياته  المهنية  كلها  في محاولة لفهم هذا"الإمساك المزدوج"على  أرض الواقع، رؤية  اللغة  والعلاقات  الإنسانية    التي تنطوي عليها وتوظفها، وقد  ادعى  أن"إدراكه المزدوج"لمعاني  البشر  مثل"المرض" قد أصبح مهووساً وغير صحي، لكن هذا"المرض"كان  مفيداً  أيضاً  لأنه شجعه على استخدام كتاباته كطريقة  لإيقاف  الفهم  الثابت والتقليدي للتفاعلات البشرية.
أما  كونه  مفكراً  يسارياً  فقد  تأثر  في  شبابه بالاشتراكي المناهض للحرب جان جوريس، تور بارتيس  - ولم يفقد أبداً – الإحساس  بأن    الكتابة تنطوي  على  درجة عالية من المسؤولية السياسية والأخلاقية أو كما يقول :
“الكتابة  ليست  شكلاً  من  أشكال"الفن من أجل الفن"، ولكن أداة لفك شفرة العلاقات  الاجتماعية"،  ومن  خلال  قراءته  لجان بول سارتر وكارل ماركس  وفريدريك  نيتشه  في  الأربعينيات  من  القرن  العشرين المنصرم، أسس شكلاً من أشكال  علم النفس الاجتماعي وطرح طرقاً لتحقيق أشكال من التغريب.
عندما ننظر في أولى صفحات كتابه"الكتابة في درجة الصفر"الصادر  عام  1953  وهو  من أوائل  كتبه  التي  أصبح  لها موقع قوي بين كتب النقد سنجده  يتناول  القضايا  الرئيسة  في  مفهوم الكتابة  والنص،  ويعد  جواباً  على سؤال طرحه سارتر قبله في كتابه"ما هو الأدب؟"واتخذ مكانته بين كلاسيكيات النقد الحديث بحيث أصبحت عبارة"الكتابة في درجة الصفر"إحدى المفاهيم المعيارية التي  فرضت  حضورها  في  المصطلحات النقدية،  وقد  أشار بارت  باستمرار  إلى تعسف المعاني الداخلة  في الكتابة، منها تناوله للون الأبيض وهو لون  لحفلات  الزفاف في الثقافات الغربية، ولكن للموت في مجتمعات أخرى، لذلك  فنحن  بوصفنا فاعلين في ثقافات مختلفة  نقبل المعاني الاجتماعية والثقافية المنسوبة للأشياء فقط كإتفاقية  متفق عليها  وكإشارات  تسمح  للمجتمع  بالعمل  لإظهار كيفية عمله،  هنا  يجب  علينا  التأكد  من  كيفية  إنتاج المعاني وتعميمها واستهلاكها داخلياً  (إلى حد ما) وهي باختصار وظيفة إيدلوجية.
وبالاعتماد على الصحافة اليسارية الصادرة  خلال  النصف  الأول  من  الخمسينيات، استخدم  بارت  كتابته لمقالاته  التي  جمعها في كتابه"الأساطير"متحدثاً  عن  الثقافة  الفرنسية  المعاصرة كمدخل  إلى  إيديولوجية  المجتمع  الاستهلاكي  الشامل، محللاً من  مسحوق  الغسيل  إلى سيارة  سيتروين  إلى لعب الأطفال ومن المصارعة إلى سباق فرنسا للدراجات، وكان  شعاره"دائماً البدء بالتناقض"،  لكن هذه كانت خطوة أولى مؤقتة -  وإن  كانت حاسمة -  بعد  ذلك  يمكننا  تعداد  واستكشاف  الدلالات التي لا تعد ولا تحصى ولكي يؤكد بارت  معانيها  دخل  بشكل  واسع  في  مجموعة  من  المناظرات  والحجج    والجدل  خلال  ستينيات وسبعينيات القرن  العشرين  المنصرم،  لا سيما  فيما  يتعلق  بالتراث  الأدبي  الفرنسي  :  المسرح  الكلاسيكي  لجين  راسين،  نثر  بلزاك  والطابع  المنفصل  للغة  الفرنسية  كلغة  مركزية طبقية  تم توحيدها  في  فرنسا  في  منطقة  باريس  في أربعينيات القرن  التاسع  عشر مع زيادة الاستبداد  الملكي  ثم فرضت بشكل منهجي، خلال  القرنين  التاليين على مجموعة واسعة من اللغات واللهجات  التي  شكلت  اللغة الفرنسية  وأغلقت تنوعها الغني لصالح  طبقة واسعة ممن صنعوا  التاريخ  الأدبي المعاصر الذي سمح لها بذلك.
وكمثال على السيطرة"الكلاسيكية"التي تمارس على  الفكر والثقافة الفرنسيين في  العصر الحديث فقد جرت معارك أدبية عديدة دارت في  الستينيات حول"النقد الجديد"ومحاولاته  للإطاحة بالأشكال"الكلاسيكية"للنقد  الأدبي الذي لا يزال سائداً، كان  بارت  في  كثير  من  الأحيان  مع  الكتّاب الطليعيين  :  آلان روب غرييه، ميشيل بوتور، فيليب  سولرز،  والتفسيرات  الجديدة لماركيز دو ساد، الاشتراكي الطوباوي شارل فورييه، وحتى الروحاني اليسوعي إغناتيوس من لويولا (في ساد، فورييه، لويولا، 1971)  جنبا  إلى  جنب  مع ميشيل فوكو وجاك دريدا.
في  الخمسينيات  من القرن العشرين، كان عضواً نشطًا في حركة المسرح الشعبية، حيث كان يدعو إلى  مسرح  بريشتاين  باعتباره  ترياقاً  للأداء"البرجوازي"،  ويستخدم  غالباً  علم  الأحياء"سايمولوجي"لتحليل  الأداء  المسرحي (المشهد، والأزياء،  والماكياج،  والإيماءات  الجسدية، والتعبير، التمثيل)  وبمجرد تركه لحركة المسرح الشعبي،  طبق تدريبه التحليلي في النقد المسرحي على  الثقافة الجماهيرية فقد كانت كل من الملابس والأزياء، والتصوير الفوتوغرافي بشكل عام  في السبعينيات (اللوحة، الأيقونة، الطباعة)، جميعها تُعطي العلاج شبه الحيوي ما أدى ذلك إلى  ظهور علاقة  جديدة  بالكلمات  التي  أصبح  فيها    الدال  الكائن  المتصل  أكثر  أهمية من المعنى ومعناه.
طوال  حياته  المهنية  كان  لبارت  علاقة محفوفة بالمخاطر  مع  السياسة،  وباعتباره  منتقداً مبكراً للستالينية  (بعد  أن  قضى عامين في رومانيا في عام 1947 تماماً  مثلما  أدى  الستار الحديدي إلى تقسيم أوروبا)  فقد  عارض أيضاً بشدة محاولات فرنسا خلال الخمسينات للحفاظ على مستعمراتها.
في  عام  1977  اعتُرف  ببارت  ناقداً    كبيراً ومنظراً، فتمّ تعيينه في كرسي علم الأحياء الأدبي في  كلية  كولج  دو فرانس  المرموقة  في باريس  ففي فترة وجيزة من فترة ولايته تلك  وقبل وفاته المفاجئة  في  عام 1980  قام  بارت  بالتحقيق بنشاط  في  محاضراته  العامة  بمواضيع متنوعة مثل"المحايدة في الأدب"التي  ناقشها بأسلوبه النظري  والعملي  المبهر  في  كتابه"الكتابة في درجة الصفر"،  وكانت  مقالته  عن  التصوير الفوتوغرافي  وكاميرا  لوسيدا (التي  نشرت  قبل وفاته بقليل) محاولة مبكرة لفهم كيف تؤثر الصور الفوتوغرافية علينا بطريقة سحرية وروحية، لأنه يروي  تجربة  البحث  عن  صورة  لوالدته كطفل  وسط العديد من الصور الفوتوغرافية الأخرى  بعد وفاتها في عام 1977.
كان  بارت  أيضا  كاتباً  قليل  السفر، لكنه حينما يتوجه  لبلد ما فإنه يعيره اهتماماً معرفياً قد يختلف في  نظرته  عن  أي سائح، فقد زار اليابان وكتب
عن ذلك البلد كتاباً مهماً نشر عام 1970، وعندما زار  المغرب  وضع  عنه  كذلك  كتابا  فريداً عام 1969 نشر  بعد  وفاته، سياحاته  الفكرية  تلك داخلياً وخارجياً جعلته دائم الاتصال مع  التكوينات الجديدة، مع تجارب مختلفة و (حاسمة بالنسبة إلى شخص يعاني من رؤية اللغة  داخل الجهل اللغوي والثقافي المستشري)، وهكذا  قام  بالتحقق    من الذات (كما هو الحال دائماً من خلال كتاباته)، وليس على سبيل المثال، ولكن كإنشاء اجتماعي، كهوية  تشكلت بشكل فريد، وليس بواقعه الداخلي،  ولكن  من  خلال"الهويات"الأخرى لجميع البشر الآخرين الذين يتفاعلون معها.
في  الواقع، عبر بارت عبر مهنته  تلك بذكاء عن مصلحته  في الأشياء والنفس  ففي الخمسينيات من القرن العشرين  المنصرم  استخدم أشياء من جميع الأنواع"لإيجاد"الإنسان في تغريبنا، في  الأشياء التي  استثمرنا  فيها، وفي سبعينيات القرن العشرين  أدار جولة  نموذجية بالنظر إلى الذات من الخارج إلى الداخل، وكتابة سيرة ذاتية متقطعة عن نفسه  (رولاند  بارت  من رولاند بارت  عام 1975) وربما هذا هو الدرس المستدام من فكره وحياته.

* آندي  ستافورد  محاضر  كبير  بالفرنسية  في جامعة ليدز.
عن / الملحق الأدبي الأسبوعي لصحيفة التايمز اللندنية.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية