جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » تقييم


الشاعر في المختبر.. إغـــواء ليفي شتراوس


ترجمة : عباس المفرجي
كيف لا تتعاطف مع كلود ليفي- شتراوس عندما تقرأ الكلمات الافتتاحية لكتابه الأول، المسمى على نحو مدهش، وغير قابل للترجمة،”Tristes Tropiques”: ((أنا أكره الرحلات والمستكشفين)). هذا في كتاب عن الرحلات والإستكشافات. أغنية للمغني البرازيلي الشهير كايتانو فيلوسو”أوه سترانجيرو”، تتضمن مقاطع لاتنسى (التي تبدو حتى أغرب في البرتغالية) : ((يكره الانثروبولوجي كلود ليفي- شتراوس خليج غوانابارا / يبدو له أشبه بفم خال من الأسنان.))
لم يقض كلود ليفي- شتراوس، في نهاية المطاف، الكثير من الوقت في الحقل. حوالي ثمانية أسابيع في الإجمالي، مع هذا، حياته المهنية كأنثروبولوجي دامت أكثر من نصف قرن. ربما تولى أكثر بحوثه في شقته الباريسية، يتحادث بصورة حميمة مع المصنوعات اليدوية للسكان الأصليين ويستمع الى أوبرات فاغنر وديبوسي (ظناً منه إنها تنقر بلاوعي في البنيات القديمة الأسطورية)، لكن حين سألت المجلة الفرنسية المؤثرة”لير”600 مثقف فرنسي عن الشخص الأكثر نجاحاً وتأثيرا، فاز ليفي- شتراوس بإقتناع، متغلباً على فوكو، وبارت ولاكان. (وهو أيضاً عمّر أكثر منهم جميعاً. أمّا نظريات لاكان، فحين ذهب ليفي- شتراوس مع مارلو- بونتي الى لاكان للغداء، تجنبا الحديث عليها : إتفقا على أنه ((ليس لديهما الوقت)) لفهمها.)
لكن تأثير ليفي- شتراوس كان عميقاً. وبرغم أنه وُصف بنيوي أصلي، فإنه لم يكن فقط قادراً تماماً على أن يكون مزدري للبنيويين، كان أيضاً قادراً جداً على الكتابة بلغة مفهومة، نسبياً، لجمهور شامل. ربما لم يكن”تريست تروبيك”الكتاب الأول لوصف التأثير الخاص بالمراقب على ملاحظاته، لكنه بالتأكيد شيء لم يُنجز في الدوائر الأنثوبولوجية. ولا أي من الأعمال الأنثروبولوجية دخلت في إستطرادات طويلة حول غروب الشمس، أو ما يعنيه إمتلاك فكرة رئيسة من دراسة موسيقية لشوبان تدور وتدور داخل رأسك عندما كنت حتى ذلك الحين تفضّل ديبوسي أكثر. وواحد كان المقصود منه تفادي تصريحات مثل ((الشيء الأول الذي رأيناه ونحن نطوف حول العالم هو قذارتنا الخاصة بنا، مرمية في وجه الإنسانية.))
أصبح أثير الراديكاليين بسبب أقوال مثل ((آثر الجنس البشري الزراعة الأحادية ؛ إنه في مرحلة إنشاء حضارة شاملة، مثلما نمت جذور الشمندر بكثرة)) ؛ وقدّم بلاغاً مدوّياً عن العنصرية في كتابه”عِرْق وتاريخ”. عندما دعته اليونسكو الى إعادة عرض هذا في 1971، أفزع المنظمة بالتساؤل ما إذا لم يكن الصراع ضد العنصرية هو، بطريقة ما، مساهمة في نوع من الإنحلال الثقافي ــ تلك”الزراعة الأحادية”ثانية. إنه لم يكن عنصرياً، بالمعنى الذي نفهم به المصطلح هذه الأيام ــ  إن الأمر هو أكثر مسألة
“vive la difference” [ فليحي الإختلاف ] ــ لكنه بالتأكيد كان تحريفياً، وعندما تقدم بالعمر كان يُعَّد عن سوء فهم كونه محافظا رئيساً. لكنه لم يكن غبياً أبداً، شأن الكثير من المحافظين الرئيسين، وكان دائما يستحق جهد الإستماع اليه، حتى لو كان ما يقوله يغضب الـ”bien pensants”[ التقليديين ]. إنه بلا شك يملك موهبة بالإدلاء بتصريحات لا تنسى. مقطعي المفضل هو : ((أنا لا أعني بقولي الحط من القدر، بالعكس تماماً، لكن العمل في الحقل هو نوعاً ما عمل المرأة (ربما بسبب أن النساء ناجحات به جداً)... لم يكن لدي إهتمام وصبر عليه.)) هذا لا يبدو تحيّزاً ضد المرأة، أو هل هو كذلك؟
هذا هو كتاب سيرة حياة رائع، مُنح نفوذاً مضاعفاً، لأن المؤلف كان له الكثير من الإتصال مع موضوعه. إنه من غير المتوقع أن يكرّس انغلوفوني [ انكليزي أو ناطق بالانكليزية ] نفسه لليفي- شتراوس، لكن ويلكن يطرح الكثير من المعاني بحيث لو كنت غير حسن الإطلاع على العمل فسوف لن تكون في وضع غير مؤات. على سبيل المثال، وصفْ فراره من فرنسا زمن الحرب هو في الواقع متماسك تقليدياً في سيرة الحياة أكثر مما في”تريست تروبيك”، برغم أن التفاصيل هي نفسها. إنه لم يكن تقليديا : الشاعر في المختبر بالفعل، رجل لم يشعر بالراحة أبداً مع وصف الأنثروبولوجي كعلم، مع هذا حاول أن يجعل منه كذلك. إنه أشار مرّة : ((أنا أنسى ما كنت كتبت عملياً حالما أنتهي منه. ربما سيكون ثمة متاعب حول هذا.))



المشاركة السابقة : المشاركة التالية