جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » نصوص


إشارة


زينب المشاط
الإشارات، كلماتٌ تهمسها الأقدار إلينا علّنا ننتبه، أُطيل النظر كل يوم إلى كف يدي، كان قد سكن ألمه، وبدت علامات الشفاء عليه، ظننتُ أن روحي ستُشفى كما هو كفي. نعم أنا التي اعتادت أن لا تعطي المشاعر أكثر مما تستحق، سأشفى منه كما هذا الجُرح، وسينتهي كل شيء.”جرحت نادين كفّ يدها أثناء استنادها إلى الحافة الحادة لرف الكتب المعدني،
بينما كانت تقف على السُلم المُتحرك لتُنزل بعض العناوين التي وضعت في أعلى الرف، في الوقت الذي حاولت فيه إخراج هاتفها النقال من جيب بنطالها. أجابت بسرعة بعد أن طال رنين الهاتف، وهي مُعلقة بين محاولة النزول من السُلم، وبين يدها التي ماتزال مُسندة الى حافة الرف، وبين الرجل الذي كان يقف إلى الجانب الآخر من الاتصال. لم تُشعره بألمها، ولم تقطع المُكالمة لتُوقف كم الدماء التي سالت من كف يدها، أخبرت الرجل إنها تنتظره في المكتبة، وما أن أغلقت الهاتف حتى أسرعت بالنزول وقد لطخت الدماء السُلم، ذهبت الى حمام المكتبة وغسلت يديها بسرعة واضعة مجموعة من المناديل الورقية على مكان الجرح، ضاغطةً على موضع الإصابة.
- مرحباً هل تأخرت عليكِ؟
- لا ابداً في بالموعد تماماً
توقفت نادين عن الكتابة في دفتر اعتادت أن تبوح فيه عمّا يجول بخاطرها، لامست الجرح بأطراف أصابعها، مُستعيدةً لقاءها الأول بآدم، حيث كانت تذهب ببصرها نحو بُعد السماء، وكأنها تُحاول التقاط نجمتها من بين عينيه، لم يكُن وسيماً بما يكفي، جسده أبويّ، طويل القامة، مُلتحٍ، حادّ الملامح، وصوته عميق، لقد غَرِقت في عُمق صوته منذ كلمة (مرحبا) التي قالها عبر الهاتف حين اتصل بها يوماً، وقبل أن يجمعهما لقاء، اخبرها إنه يرغب بإقامة معرضه الأول لصوره الفوتوغرافية في باحة مكتبتها، مُطالباً إياها بموعد قريب ليتحدثا بالتفاصيل، إلا إنها في ذلك الوقت كانت في مدينة أخرى، مُنشغلةً بأعمال المعارض والكتب، فاضطرت أن ترسل له بعض الصور لمكتبتها، وكان الاتفاق حين عودتها من سفرها. كانت كحورية البحر تغوص بعمق صوته، بسيطٌ هو، معجون بوجع هذا الوطن، كُلما تحدثت إليه اشتعلت فضولاً، قادها إلى ثرثرة لم تنتهِ حتى شهر ونصف، حيث عادت وكان اللقاء.. (دخلنا المكتبة وكانت دقات قلبي تتراقص على أنغام كلماته، لقد جمعتنا سنواتٌ عشقية تناسختها أرواحنا، كنت على ثقة من ذلك، احتضانه ليدي، ونظرته إلى عمق عيني حين يحاول ان يُقنعني بآرائه في ترتيب معرضه، يؤكدان لي أن ما أشعر به يُلامسه كذلك. ورغم أني لا أعترض على ما يطلب من اضافة أو حذفاً لتفاصيل -لأنني أجد أن له حرية التصرف في ترتيب معرضه- إلا أنه كان يُشاركني أفكاره ويصرّ على الاستماع لرأيي وكأنني شريكته في شيء ما.”"شهران، وثلاثة لقاءات، اجتمع في آخرها الموت والحياة، ذلك أن بعض المشاعر من فرط لذتها لعنة، لم أكن أعرف ما إذا كان العشق يُقاس بوحدة الزمن أم بعمق الإحساس، إلا أن كلماته، أفعاله، اهتمامه، ترجمته لحروفي الصامتة، عيناه التي كانتا تحتضناني وتُشبعاني قُبلاً كُلها تشهد أن لا عشق له سواي. في لقائنا الأخير في مكتبتي مساءً، طوقني كما يطوّق الليل حكايات العاشقين بصمت و دفء، ووحشة، مشاعرٌ مُختلطة، لم أشعر معها سوى بدفء شفتيه اللتان لم أمتنع عنهما، فكيف لي أن أرفض جسده، وهذا الدفء الذي تُشعه الأرض المُبتلة بقطرات المطر. أنا التي عاشت عطشها لسنوات بعد رحيل زياد، الذي لم يترك لي شيئاً من ذاكرة جسده، لم يترك سوى رائحة البارود، ودخان المدافع، لم يترك سوى ذاكرة الوطن المُلطخ بالدماء، لن أمتنع عن عطر الأشياء القديمة التي أضعتها منذ غادرت طفولتي، وها انا أتنفسها بذلك الرجل، حين يضمني بين أضلعه، يُحاصرني بشيطناته، برغبته، جنونه المفرط، أغلقت المكتبة يومها، وخرجنا، مسك يدي وأخذنا نسير، لا ندري إلى أين كانت تقودنا الخطوات، ولست على يقين ما إذا كُنت أسير أم أطير في تلك الليلة،
سألني مُداعباً :
- يداي دافئتان؟
- نعم....
أجبت بطفولة ونسيت أن أخبره أن يداه تجعلاني أمسك بعمق الحياة، كُنت أشعر إني في الخامسة من عُمري، أحمل طُفولتي بهيئة دُمية بين يديّ، وأمسك بالوناً ينتفخ بمسرات عشقي له. أتعبتني قدماي إلا أني لم أُبالي، طلبت منه أن يدنو إليّ وهمست”أحبك”قال باسماً، الحب ممتع وأنا أحبك أيضاً يا صغيرتي، لكن أخشى أن تقعي في شباك ذلك العشق القاتل، الذي لا يترك لنا سوى العذابات، لم أفهم ما يقصده، ولم أحاول أن أُطيل الحديث فلا الوقت ولا المكان يسمحان بذلك وكان عليّ أن أعود الى منزلي... ما إن عدّت حتى أرسلت له بحروفي الالكترونية، وقد طال صمته، وطال انتظاري دون معرفة الأسباب، كانت الأيام تطوي ليلها وتفتح صفحات أخرى من نهاراتها، لم يحاصرني سوى غيابه، كنت أقف بين جدران الحياة التي باتت تختزل مسافاتها لتُضيّق عليّ رحبها، ولم يصلني شيء منه سوى حروف لا ملامح لها تفتقر الى إحساسنا، لأنها تولد متشابهة من رحمٍ واحد، من آلةٍ واحدة، لم تخُطّها أيدينا، قال فيها: انتِ رائعة، شُجاعة في حُبك لي، انا أفتقد شجاعتك تلك، أنا لا أحتمل قسوة العشق. لم يترك لي سوى ذكرى اللقاء الاول، واختناقه، واغتراب، نعم، نحن مغتربون مادام من نُحب ليس حاضراً بين تلك الوجوه التي تُحيط بنا، كانت روحي تنتفض لاحتباسها داخل جسدي، ها هي إشارة يدي التي نزفت في أول لقاءٍ بيننا كما ينزف قلبي اليوم.) أغلقت نادين دفترها، أخذت تطوف حول أحزانها في ذلك البيت الذي لا تدري ما إذا كان قد غلّفه الحزن منذ سنوات أم إنه يُشاركها عزاءً آخر من عزاءاتها، لم يقدها الوجع إلا لتلك الغرفة التي تحمل أوجاعاً مُضاعفة، حيث دُفنت تفاصيل الذكريات الصغيرة التي غالباً ما تخرج من تحت حُطام ما نُسميه بالنسيان، وتغمِز لنا مُستفزةً إيانا، بالضبط كهذا الهاتف الصغير الذي لا تدري من أين جاء أمامها الان، كان أول هاتف نقال يشتريه أباها، لا تدري لمَ اشتراه، لقد كان يتركه مُغلقاً في أغلب الأحيان، كانت تبكي دائما حين يتأخر أباها عن العودة الى المنزل، وما أن تتصل به حتى تجد الهاتف مغلقاً، لطالما شعرت إنه سيرحل يوماً ولن يعود، كان بُكائها
، كان بُكائها يُشير الى ما حصل بعد ذلك بالفعل. غادرت تلك الغرفة التي زادتها اختناقاً، رُغم إنها اعتادت اختناقاتها، منذ ذلك الرحيل المجهول، ليأتي بعدها رحيلٌ آخر لعشقٍ اقتنصه الموت، لقصة اختار الوطن نهايتها، بدأت بحُلم. ولا تدري هل أفاقت من ذلك الحلم الذي انتهى بانتظار، أم ظلت أسيرةً له، هل كان ذلك الحلم إشارة لتعاسة أخرى؟ لم يمنحها الوطن سوى العذابات، وبدلة عسكرية لا تحتوي جسد، كان ذلك كافياً عليها لاعتزال كل شيء، للتعامل مع مشاعرها بحذر وحيطة، وترك الآخرين الى مشاعرهم لتقودهم الى فخاخٍ لم تصنعها هي، بل صنعتها غوايتها غير المقصودة.
- أنتَ السيد آدم
- نعم...
- تفضل هذه الباقة لك
- ممن؟
- هُنالك بطاقة موضوعة بين الزهور بإمكانك قراءتها أنا كُلفت بإيصالها فقط
- شكراً
كان المعرض السنوي الثاني لآدم، كُتب على البطاقة”ألم أخبرك، إن ما أشعر به أعمق من أن يُقاس بوحدة الزمن، أحببتك ما لم تُحبك امرأة، أحببتُك رُغم إن للأشياء قُبحاً لم يحجبه الحب بل احتواه، احببتك دون انتظار شيء، دون الالتفات الى الوقت.”في تلك الأثناء كانت نادين تقف بعيداً تنظر لآدم وهو يقرأ بطاقتها، بابتسامته الأبوية ذاتها، وكانت آثار ذلك الجرح وتشوّهاته تغفو على كفّ يدها، تساءلت ما إذا كانت هذا التشوه إشارة لوجع سيُعتاد لكنه لن ينتهي؟



المشاركة السابقة