جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » اعمدة » استدراك


كومونة العراق


علاء المفرجي
أكثر من شبهٍ بين تظاهرات شعبنا في كل مدن العراق، وكومونة باريس عام 1870.. إن كان في أسبابها، أو بنيتها الجماهيرية، أو حتى بالاتهامات التي وجهت لها حتى الآن.. لكنها حتما لن تكون متشابهة فيما ستؤول إليه..
فاذا كانت كومونة باريس قد كتبت نهايتها من أول لحظة لإنطلاقتها باعتبارها  لم تستوفِ الشروط التاريخية لها بنظر ماركس كان الذي على صلة بمفجريها، فقد حذّر ماركس عمال باريس في خريف عام 1870، أي قبل الكومونة بأشهر عدة، من أن أية محاولة لإسقاط الحكومة ستكون حماقة دفع إليها اليأس. ولكن عندما فرضت المعركة الفاصلة في آذار 1871، وعندما غدت الانتفاضة واقعاً، حيّا ماركس الثورة البروليتارية بمنتهى الحماس رغم نُذر الشر. ولم يصر ماركس على اتخاذ موقف متحذلق لإدانة الحركة”باعتبارها جاءت في غير أوانها".. وصرخ (فليسقط ماركس ولتعش الكومونة).. ولم يكتف ماركس بالتعبير عن الإعجاب الحماسي ببطولة ثوار الكومونة الذين”هبّوا لاقتحام السماء”حسب تعبيره، بل رأى في هذه الحركة الثورية، على الرغم من إخفاقها في تحقيق غاياتها، خبرة تاريخية ذات أهمية عظمى، وخطوة عملية أهم من مئات البرامج والمناقشات.
فاذا كانت الكومونة بهذا المصير فان حركة الاحتجاجات التي تطوّرت بعد أن وصلت  13 محافظة لم تأت مصادفة، لكنها نتيجة لوصول المواطن العراقي لحالة من اليأس بعد أن فشلت الحكومات المتعاقبة في إحداث أية إصلاحات، في الوقت الذي يرى المليارات تنهب من قبل السياسيين.. فمصير الحركة الاحتجاجية لم يقف عند شروط تاريخية أو تنفيذ مطالب الثوار.. فقد أصبحت بمرور الزمن بموقف راسخ من هيمنة الأحزاب وتلاعبها بمقدرات ثروات البلد، أضحت تطالب بديمقراطية حقيقية لا ديمقراطية ما يقوله صندوق الاقتراع.
المصير إذن يختلف.. وإن كان الاصطفاف الذي أحدثته هذه الحركة واضحاً كما هو في زمن الكومونة فقد اختفى التنوع الاجتماعي في الأحياء الباريسية والذي كان قائما منذ العصور الوسطى وترسّخ خصوصاً بالتحولات الحضرية في عهد الامبراطورية الثانية. سكن في أحياء المدينة الغربية (الدوائر السابعة والثامنة والسادسة عشرة والسابعة عشرة) أغنى الأغنياء وخدمهم. وسكن في الأحياء الوسطى الميسورون. وتركزت الطبقات الشعبية في شرقي المدينة (الدوائر العاشرة والحادية عشرة والثانية عشرة والثالثة عشرة والثامنة عشرة والتاسعة عشرة والعشرين). وهو التقسيم نفسه الذي يكفي إنه خلق من المنطقة الخضراء (جيتو) مكاناً لايمكن الاقتراب منه.
انتقال المواقف، وتحالف خصومها هي إحدى سمات الكومونة، وهو أيضاً ما يحصل في المشهد السياسي الآن. ففي عام 1949 كتب بريخت، مسرحيته (أيام الكومونة) ذات الدلالات البليغة، والتي تتسم براهنيها.
ففي هذه المسرحية، التي تكشف، من بين أمور أخرى، كيفية تحالف الخصوم، تحت راية الأرستقراطية الفرنسية، لينتهي هذا الحلف غير المقدس الى سحق كومونة باريس.. تيير، القزم الوحشي، حسب توصيف ماركس، يتحالف مع الأرستقراطية الفرنسية العريقة، وهي امتداد لأسرة آل بوربون، بل ويتحالف مع العدو التاريخي لفرنسا، بسمارك ألمانيا.
كانت كومونة باريس ثورة بكل معنى الكلمة ثورة قادتها الفئات المظلومة في فرنسا، وهكذا ستكون تظاهراتنا الاحتجاجية في كل مدن العراق منعطفاً حاسماً في تاريخ هذا البلد.



المشاركة السابقة