جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » تقييم


ثنائية التاريخي والسردي في الرواية العربية


ناجح المعموري
قدم أستاذنا فاضل ثامر جهداً نقدياً ومعرفياً رصيناً في كتابه الأخير”التاريخي والسردي في الرواية العربية”وهو جهد مهم، كشف المحطة التي وصل إليها فاضل ثامر من التوفر على الفكر العميق والمعرفة المتنوعة، التي مكنته من الدخول الى فضاء مهم في المعرفة، على الرغم من أنه يذهب باتجاه النقد لكني اعتقد بأن التمكن من التاريخ أو بعض من وحداته،
لإعادة إنتاجه يحتاج أول ما يحتاج إليه هو الوعي العالي لمنتج السرد حتى يتمكن من تفكيك مرحلة والتقاط اللحظة الزمنية التي تومئ لوجود عناصر ممكن إعادة تمثيلها سردياً واللعب على الطاقة السردية المهيمنة عليها. بحيث يبدو القاص مرناً وحذراً في آن واحد، كي يتمكن من الغوص عميقاً في طبقات السرد التاريخي. والانتباه للطبقة التي تميزت بشعرية التخييل. بوضوح أضفى على التاريخ، نوعاً من وحدات لا تغلق المنافذ، كي تتسلل الرواية، إليها وتجري اشتغالات السرد بما تقوى عليه، من إعادة لعب على الحقائق المدونة، بوصفها ذاتاً حالمة قوية. لكنها ستبدو لاحقاً غير ذلك.
لابد من ملاحظة مهمة جداً، بخصوص تجربة الأستاذ فاضل ثامر، وهي أن عنصر التخيّل لم يكن له حضور مهيمن في فحوصه النقدية الباحثة عن الوحدات التاريخية. وهذا تكشف عنه تطبيقاته الذكية المتميزة بتنوع الفضائية التأويلية التي ذهبت باتجاه الميتا __ سردية. مستفيداً، مثلما هو واضح في مقدمته النظرية المهمة للغاية والكاشفة عن عقلية نقدية، ذات مهارات عديدة ومتنوعة، تمكنت من اللعب المهاري، مع الآراء والنظريات المعرفية، التي أنتجتها ما بعد الحداثة ودخل الأستاذ فاضل طرفاً حيوياً. وبخبرة ومعرفة عالية، في الحوار مع الآراء، والنظريات المعرفية الأكثر حضوراً في ثقافتنا بوصفها مرآة واضحة. بانعكاساتها لمشروع ما بعد الحداثة، وخصوصاً في الميتا __ سرد، التي أعاد صياغتها هكذا. مستفيداً في ملاحظة”براندا مارشال”الى أن الميتا رواية التاريخية تدمج الأدوات البنوية النظرية والاستراتيجيات ما بعد البنوية والاستراتيجيات الحكائية الخيالية، ومن ثم تدفع الى المقدمة، بالاستفهامات التاريخية التي تستجيب لدعوة هوبز القائلة بأنه قد حان الوقت للتخلي عن هذا الزوج التقابلي للسياسية والاستطيقا الذي هيمن لأحد طويل مع كتابات الحداثة / فاضل ثامر / التاريخي والسردي / ص19//
وهذا ما أكدت عليه الناقدة لندا هتشيون في صياغة مصطلح الميتا رواية التاريخية الى القول : هذا هو تحديد دور فنّ ما بعد الحداثة الذي يقدم عبر تفنيده لمفاهيم مثل الاصال الجمالية والإغلاق النصي : أنموذجا جديداً لتعيين الحدود بين الفن والعلم / ن.م / ص19// وتحمس الأستاذ فاضل للموقف عن العلاقة الثنائية بين التاريخي والسردي. معبراً بذلك عن قناعة راسخة، لم تتشكل اعتباطا، بل وفر لها عناصر فكرية ومعرفية. كما لابد من الإشارة الى أن الأستاذ فاضل من أوائل النقاد العراقيين الذين اشتغلوا على الميتا __ سرد وترجم عنه أيضا، لذا وجد في أراء لندا هتشيون نوعاً من الملاذ أو الدعم الثقافي لملاحظاته النقدية السابقة. والتي أكد فيها على حضور نظام المخطوطة والمذكرات والهوامش الثقافية. واتضح لنا ونحن نقرأ بدقة المقدمة النظرية المهمة، بأن الناقد قدم توصيفاً مركزاً عن ثنائية التاريخي والسردي ورسم أطاراً واضحاً عن ذلك. لكني اعتقد بأنه كان مقتدراً على الذهاب أكثر حول تلك الثنائية.
لأنه يتوفر على مصادر ومرجعيات مهمة، زودني بها. السؤال الذي يتبادر للذهن إشارة الناقد لرأي هايدن وايت واستثمارات بول ريكور له وتذكره المستمر للناقد هارتمان وكلهم اتفقوا على أن التاريخ نوع من التحبيك / السببية لأنه يفقد أهم خصائصه في خلق استجابة مع المتلقي وكسب استدراجاته للفضاء المعني بمرحلة ما. وهذا ما تبناه هايدن وايت الذي تعامل مع التاريخ بوصفه سرداً. ولعل أكثر الآراء أهمية ما اقترحه هارتمان من أن التاريخ والأدب والفلسفة يستجيبان للتأويل بطريقة مرنة توفر نوعاً من اقتراح عدداً من القراءات. وملاحظة هايدن وايت حول كون السرد في التاريخ، ينطوي على اعتراف ضمني بوجود التخيّل في بعض الوحدات وليس كل الوقائع والأحداث. لأن المخيّال يشتغل في الفضاء الأكثر مرونة على استدعاء الشعرية، وقد انتهت بعض الآراء الغربية المتأخرة الى حيوية التاريخ وحيازته على الشعرية، وهذا تحصيل حاصل للدور المهم الذي لعبه المخيّال في فضاء التاريخ والكشف عن شعريته المستجيبة للفحص مثلما هو حاصل في الأنواع الأدبية كما قال شوشان في كتابه المهم عن الشعرية في التاريخ الإسلامي وتفكيك تاريخ الطبري.
انطوى كتاب الأستاذ فاضل على كم كثير من القراءات النقدية اللماحة والذكية، لأن الناقد معروف بقدراته وتنوع ثقافته التي تمنحه فضاء تأويلياً فريداً ومثيراً للدهشة. وقد تميزت دراساته بجماليات الشعر. والشعرية التي اختبرها كثيراً وطويلاً بحيث وظف ما امتلكه من غنى شعري في تطبيقاته السردية. لكن الملاحظة التي يجب أن نشير إليها هي وجود روايات كثيرة لا علاقة لها بهذه الثنائية، وإتضح لي بأن ثنائية الموضوع ضغطت على الناقد كي توميء لها بذكاء وتلميح، حتى تبدو مقبولة ضمن السياق النقدي الذي اقترحه. وتظل هذه التجربة مثيرة ومحفزة للمتلقي، كما وضعتنا أمام قدرات معلم فريد، مخلص للتنوعات الأدبية في الثقافة العراقية.



المشاركة السابقة